اليَقظةُ الرُّوحيةُ: التّحول الكاملُ من أجل حَياةِ المعْنى || الخاتمة ح13، والأخيرة
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرُّوحيةُ
التّحول الكاملُ من أجل حَياةِ المعْنى
الخاتمة ح13، والأخيرة
بقلم: عبد الصمد الخزروني
خاتمـــــــــــــــــــة
تتناول الحلقات الاثنا عشر التي نشرها موقع منار قضيةَ اليقظة الروحية باعتبارها نقطة الانطلاق في رحلة الإنسان نحو تحقيق معنى وجوده، وتؤكد أن الإنسان لا يحقق إنسانيته الكاملة بمجرد وجوده البيولوجي أو نجاحه المادي، وإنما بتحول داخلي عميق يعيد ترتيب علاقته بالله تعالى، وبنفسه، وبالناس، وبالكون من حوله.
تلخيص
تنطلق السلسلة من أن الإنسان مخلوق مُكرم، يحمل بعداً روحياً هو أصل وجوده، وأن الغفلة عن هذا البعد هي سبب كثير من مظاهر القلق والفراغ والعبث وفقدان المعنى التي يعيشها الإنسان المعاصر. ولذلك فاليقظة ليست مجرد معرفة فكرية أو تأثر عاطفي عابر، بل هي انتقال من الغفلة إلى الوعي، ومن العادة إلى الإرادة، ومن الحياة السطحية إلى الحياة الرسالية.
وتُبيّن الحلقات أيضا أن بداية التحول تكون بطرح الأسئلة الوجودية الكبرى: من أنا؟ ولماذا خُلقت؟ وإلى أين المصير؟ وهي أسئلة توقظ القلب وتحرره من أسر العادات والأنانيات، وتدفعه إلى البحث عن الحقيقة. ومن هنا تصبح اليقظة الروحية مشروعاً عملياً يقتضي المجاهدة والتزكية والتربية المستمرة.
وتؤكد الحلقات أن التحول الروحي لا ينفصل عن الإيمان، بل يتأسس على معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، وعلى صحبة الصالحين، ودوام الذكر، وتلاوة القرآن، والتوبة، ومحاسبة النفس، والاجتهاد في الطاعات، حتى يصبح القلب أكثر صفاء ونقاء واستعداداً لتلقي نور الهداية.
كما تعرض السلسلة لمراحل التحول الإنساني، مبينة أن الإنسان يمر بتحولات متعددة، غير أن أهمّها هو التحول الإيماني الإحساني (النوعي) الذي ينقل الإنسان من مجرد الحياة العادية إلى الحياة ذات المعنى ومعنى المعنى، ومن الانشغال بالمظاهر إلى العناية بالجوهر، ومن عبودية الهوى إلى عبودية الله عز وجل.
وتوضح السلسلة كذلك أن اليقظة الحقيقية تظهر آثارها في السلوك والأخلاق والعلاقات الاجتماعية، فتثمر الصدق، والإخلاص، والرحمة، والتواضع، وخدمة الناس، وتحمل المسؤولية، لأن الغاية من التربية الروحية ليست الانعزال عن المجتمع، وإنما بناء الإنسان الصالح المصلح الذي يجمع بين صلاح الباطن وإعمار الواقع، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.
وتُحذر هذه الحلقات من العوائق والعقبات التي تُعطل اليقظة وتفشلها، مثل الغفلة، والاستغراق في الشهوات، والانهماك في الماديات، والكِبْر، وطول الأمل، وضعف الإرادة، وغياب الصحبة التربوية، مؤكدة أن تجاوز هذه العقبات يحتاج إلى مجاهدة مستمرة واستعانة بالله تعالى.
وتخلص السلسلة أخيرا إلى أن حياة المعنى لا تُمنح للإنسان تلقائياً، وإنما تُبنى من خلال مشروع تربوي متكامل يجعل الإنسان يعيش بقلب يقظ، وعقل واعٍ، وعمل صالح، ورسالة واضحة في الحياة. فاليقظة الروحية هي بداية كل إصلاح، والتحول الكامل هو انتقال الإنسان من مجرد الوجود إلى الشهود، ومن حياة الغفلة إلى حياة الإحسان، ومن البحث عن اللذة المؤقتة إلى السعي للفوز برضا الله وسعادة الدنيا والآخرة.
تذكير
إن اليقظة انتباه من الغفلة، واستيقاظ من النوم، وحياة من الموت (المعنوي). اليقظة الروحية هي تحول في داخل الإنسان ينعكس أثره الإيجابي على ظاهره. والتحول انتقال من أرض الدّعة والهوان والذِّلة إلى أرض الاجتهاد والكرامة والعزة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هو سلوك على طريق الجادة والواضحة نحو الله تعالى تقربا ومحبة وطلبا لرضاه، هو ارتقاء في مدارج الدين من إسلام يعم الجميع، إلى إيمان يختص بأهل النداء الإلهي إلى إحسان هو سابقة من الله لعباده المؤمنين، هو اقتحام للعقبات الواقفة في الطريق والمانعة من التحول والحائلة من اليقظة الروحية، أوعر هذه العقبات وأشدها النفس الأمارة بالسوء.
اليقظة الروحية حضور واع باللحظة التي يحياها الإنسان بزمانها ومكانها، بشكلها ومضمونها، من دون أن يشدَّه الماضي إليه فيفسد عليه لحظته، ولا أن يجذبَه المستقبل إليه فيَحرمه من سعادتها. يقول الله تعالى:﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾[الحديد: 23]. وما بين الأسى على ما فات والفرح بما آت تكمن معاني اليقظة والحضور والوعي التي تُعبر عن معاني التوسط والاعتدال والتوازن في الأمور فإن خير الأمور أوسطها.
إن غياب اليقظة بهذا المعنى قد يعمل الإنسان عملا ويعيده مرة أو مرتين أو أكثر لأنه لم يكن على وعي بما يعمل. وقد يقوم بعبادة من العبادات ولم تُقْبل منه لأنه لم يكن حاضرا بقلبه خاشعا بجوارحه.
وفي ختام هذا الحلقات ختم الله لنا ولكم بالحسنى وزيادة أعود لأقول:
إن تحقيق حياة “المعنى” عن طريق اليقظة الروحية يعني العودة إلى الفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها. والعودة إلى الفطرة السليمة هي الطريق المستقيم للعودة إلى الجنة، المكان الذي جاءت منه أرواحنا. وإن العبث أن نخطئ تلك الطريق بأن نبحث عن المتعة في سفاسف الأمور. وبذلك العبث يتيه الإنسان في الحياة حائرا متنكبا عن طريق الجادة، طريق العودة إلى الجنة.
فبعد هذه الجولة العلمية والعملية من الحديث حول اليقظة الروحية نخرج بهذه التوصيات:
1-اليقظة الروحية قضية مهمة بالنسبة لكل إنسان، لأنها تعطي له قيمته الروحية وتعطي له كرامته الإنسانية.
2-الوعي باليقظة الروحية عمل يستدعي تضافر الجهود من قبل الدعاة الربانيين وأهل التربية والسلوك حتى يُقنعوا بها الناس، وذلك من خلال إظهار النتائج الناجحة والملموسة في أعمالهم ومعاملاتهم يوما بعد يوم.
3-لابد من التأصيل الشرعي لهذا المفهوم الجديد حتى يكون إقبال الناس على اليقظة عن قناعة تامة وإرادة حُرة، وذلك من خلال تقديم البحوث ونشر الكتب وعقد الندوات والمؤتمرات.
4-اليقظة الروحية هي مطلب الجميع الرجل والمرأة على حدّ سواء، استعمالنا لأسلوب المذكّر لا يعني جنسا بعينه، بل يعني الإنسان. وما وهبه الله تعالى من إمكانيات وطاقات للرجل وهبها للمرأة. حتى وإن اختلفت الوظائف بحسب البنية الفيزيولوجية فإن العمل الصالح تكليف كلّف الله به الجميع ووعد عليه بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة الجميعَ أيضا. فقال سبحانه وتعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] (النحل:97).
وفي الأخير تبقى اليقظة الروحية توفيقا وهداية من الله قبل كل شيء، فإن لم تكن الصّحبة الصالحة حاضرة على طول الطريق يصعب التنبؤ بحصول اليقظة الروحية المطلوبة من عدم حصولها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”[1]. والصحبة مفتاح، وإنه قد أفلح من أفلح بصحبة من أفلح. يقول الله تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾[التوبة: 119]. فاللهم اجعلنا من الصادقين ومع الصادقين. آمين
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه من قبله ومن بعده
والحمد لله رب العالمين.
اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || مراحل التّحول ح5
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || عَقبات في طريق التّحول ح6
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || التّحول سلوك ح7
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || التحوّل اقتحامٌ للعَقبة ح8
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى||الصّحبة خَير مُعين ح9
اليَقظةُ الرّوحيةُ: التّحول الكاملُ من أجلِ حياةِ المعْنى || موضوع المــَــــعْنى ح10
اليَقظةُ الرّوحية؛ التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || الـمَعنى والقلب ح11
[1] – رواه أبو داود والترمذي رحمهما الله تعالى بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه.