منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حصاد من ذهب

حصاد من ذهب/ شعيب البطار

0

حصاد من ذهب

بقلم: شعيب البطار

وقف عبد العاطي بين حقوله، معتمرا قبعته الذهبية المنسوجة من جريد النخل، يستنشق عبق الحصاد.
بدت الأرض حينها كأنها بحر من ذهب، فمضى مستسلما لجمال الحقول، مرخيا للتأمل عنانه. أرسل بصره نحو أفق دافئ، فانساب فوق السنابل كما ينساب الضوء عليها.
.
اتجه صوب الكرمة، وقد أرخت أوراقها بجانب البئر، تلك الكرمة التي ألف الجلوس تحت أغصانها، إذ كانت له الملاذ الوفي الذي يقيه حر الصيف.
مد عبد العاطي يده إلى حبتي تين، تناول واحدة، وأبقى الأخرى إلى جواره، ثم جلس مفترشا ظل الشجرة البارد.
ظل يتأمل أكياس القمح المتكدسة بعضها فوق بعض، وخيوط الشمس ترنو إليها كأنها ذهب مرصوص.
لم يكن هذا الحصاد يشبه أي حصاد مضى؛ فأخذ يعيد عد الأكياس مرة بعد أخرى، كأنه يخشى أن يوقظه أحد من هذا الحلم.
غير أن شيئا ما مر في خاطره، فأبطأ في العد، وسكن لحظة.
كان يعرف أن لهذا الفرح موعدا آخر.
تذكر سنوات القحط، حين ضاقت به الأرض، وجف الضرع، حتى اضطر إلى الاستدانة ليواصل زرعه. يومها وقف أمام صاحب الدين، واعدا إياه أن يكون أول ما يفعله حين تبتسم الأرض أن يعيد له حقه كاملا. ومنذ ذلك الحين ظل الوعد معلقا في قلبه، ينتظر قدوم هذا اليوم.
نظر إلى أكياس القمح، ثم أبعد عن ذهنه تلك الذكرى.
فاليوم يوم حصاد وفرح، ولا ينبغي أن تسرقه هموم الأمس.
امتلأت الأكياس بالقمح، وامتلأ القلب سعادة وفخرا. وتخيل وجه “الصالحة” حين ترى هذا الحصاد، فتذكر وعده القديم لها بالدملج.
لم يكن الدملج الذي وعدها به مجرد قطعة من ذهب في نظر عبد العاطي، بل كان علامة على وعد ظل صامدا بينهما رغم سنوات العسر.
وبينما كان يتذوق حبة التين، منغمسا في لحظته السعيدة، لمح “الصالحة” مقبلة نحوه، وبين يديها صينية شاي، مبتسمة كعادتها.
وقفت بقربه، حيته، ثم أردفت قائلة:
– تفضل، سيدي عبد العاطي.
نظر إليها مبتسما وقال:
– حللت أهلا ونزلت سهلا، سنبلتي الخضراء.
همست الصالحة في فرح:
– سنبلتي الخضراء.
ابتسم عبد العاطي، وقد انتبه إلى همسها، فأردف:
– نعم، وستظلين سنبلتي الخضراء، حتى إذا اصفرت السنابل من حولنا، ظللتِ خضراء في قلبي؛ فلا يطالُكِ منجلي، ولا يغيرُكِ تعاقب الفصول.
ابتسمت، ثم قالت:
– ألا ترغب أن أكون سنبلة صفراء إذا؟
رد عبد العاطي متعجبا:
– وكيف؟
قالت:
– أظنك وعدتني بدملج من ذهب، أليس كذلك؟
قال الفلاح مبتسما:
– كلا، بل ما زلت عند وعدي، حبيبتي، وغدا سيكون الدملج بين يديك.
وضعت “الصالحة” الصينية، ثم جلست إلى جواره. مد عبد العاطي يده إلى حبة التين الأخرى، ثم وضعها في الصينية بين الكأسين والبراد.
ظلا يتحدثان، يتقاسمان فرحة الحصاد، فيما كانت خيوط الشمس تتسلل بين أوراق الكرمة.
وبينما كانت “الصالحة” تسكب الشاي المذهب، سمع عبد العاطي هدير محرك شاحنة يقترب من البيت.
توقف عن الكلام، ووضع الكأس، وقد انطفأ شيء في عينيه.
كان يعرف ذلك الصوت.
رفع بصره نحو الطريق، فرأى الشاحنة تقترب، وعلى مقصورتها الرجل الذي لم ينس يوما وعده له.
لم يكن قد جاء ليهنئه بالحصاد.
كان قد جاء ليستوفي دينه.
ارتفع الصوت شيئا فشيئا، حتى بدا كأنه يقترب من قلبه لا من البيت. عندها تراجعت فرحته، وخبا بريق الذهب في عينيه.
أمسكت الصالحة الصينية، ثم غادرت الكرمة، وقرع الكأسين المرتجفين يملأ صمت المكان.
وقف صاحب الشاحنة أمام الكرمة، فنزل وحيا عبد العاطي.
قال الرجل:
– الحمد لله على سلامة المحصول. كما وعدتني، جئت اليوم لأستوفي حقي.
ظل عبد العاطي صامتا لحظة، ثم أومأ برأسه.
لم يجد ما يقوله.
اقترب الرجل من أكياس القمح، وبدأ يحملها إلى الشاحنة، كيسا بعد آخر.
كان عبد العاطي يتابع يديه وهما تنقلان حصاد عام كامل، دون أن يمنعه أو يطلب منه مهلة. كان يعرف أن هذا الحق سبق أن وعد برده، وأن الرجل لم يأت إلا ليأخذ ما له.
كلما ارتفع كيس إلى ظهر الشاحنة، شعر كأن شيئا من قلبه يرتفع معه.
وحين فرغت الشاحنة من حمولتها، لم يبق في المكان إلا أثر الأكياس على التراب.
وقف الرجل أمامه لحظة، ثم قال:
– بارك الله لك فيما بقي.
لم يجبه عبد العاطي.
صعد الرجل إلى الشاحنة، وأدار المحرك، وأشعل سيجارته، ومضى يلتهم الطريق.
ظل عبد العاطي يتابع صوت المحرك وهو يبتعد عنه شيئا فشيئا، تاركا دخان السيجارة ينبعث من نافذة الشاحنة، كأنه سراب رحل معه كل شيء.
بدت الحقول خاوية بعد أن غادرها ذهبها.
أطرق قليلا، ثم رفع بصره يتفقد المكان، فوقع على سنبلة وحيدة ظلت قائمة في طرف الحقل، كأنها أبت أن ترحل.
اقترب منها، ومد يده إليها، فقطعها برفق.
ظل لحظة يتأملها، ثم نظر إلى الحقل من حوله. لم يبق من ذلك البحر الذهبي إلا سنبلة واحدة.
قلبها بين أصابعه، وتأمل حباتها المتراصة. بدت له صغيرة ووحيدة، لا تكاد تعوض كيسا واحدا من أكياس القمح التي رحلت مع الشاحنة.
أطرق قليلا، ثم ضمها إلى يده، وعاد بها إلى البيت.
كانت “الصالحة” في انتظاره.
وما إن رأته حتى أسرعت نحوه، ثم وقعت عيناها على ما في يده.
لم تقل شيئا.
مد عبد العاطي السنبلة إليها.
أخذتها برفق، وظلت تتأملها. مررت أصابعها على حباتها، ثم رفعت عينيها إليه.
كان الحزن لا يزال عالقا في وجهه، أما هي فارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة.
نظر إليها متعجبا، كأنه لم يفهم ما الذي وجدته في سنبلة وحيدة.
قربتها من وجهها، واستنشقت عبيرها، ثم قالت:
– ما أجملها!
ظل عبد العاطي صامتا.
كانت السنبلة في عينيه تذكره بما فقد، أما في عينيها فكانت تذكرها بما بقي.
رفعت يدها ممسكة بالسنبلة الصفراء، ووضعتها بين وجهيهما، وقالت:
– وفي كل سنبلة مائة حبة، وفي كل حبة وعد جديد.
رفع عبد العاطي السنبلة إلى الضوء، فتسللت أشعة الشمس بين حباتها كأنها تبحث عن سر خفي.
ظل يتأملها لحظة، ثم نظر إلى الصالحة.
لم تعد السنبلة تبدو له كما كانت قبل قليل.
كانت آخر سنبلة من حصاده، لكنها لم تكن آخر ما بقي له.
ابتسمت” الصالحة”، وظلت تنظر إلى السنبلة وكأنها ترى فيها حقلا كاملا لم يذبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.