منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

**إشراقات طوفان الأقصى… وحصار مكة… دروس وعبر**

عبد القادر صبري

0

**إشراقات طوفان الأقصى… وحصار مكة… دروس وعبر**

بقلم: عبد القادر صبري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ناصر المستضعفين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وإخوانه وحزبه إلى يوم الدين.

تطل علينا الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر المجيدة — طوفان الأقصى — والتي ستبقى محطة خالدة في صفحات التاريخ وأذهان الشعوب، بما حملته من أحداث غيّرت تفاعل العالم ونظرته إلى القضية الفلسطينية، وأربكت حسابات الاحتلال في عقر مقراته، وكشفت زيف دعاوى التطبيع والمطبِّعين، كما أعادت للشعوب شيئًا من العزة والكرامة بعد عقود من معاهدات التخاذل.

**- حصار الشِّعاب وحصار غزة… دروس الثبات والتمحيص** 

إن ما وقع في قطاع غزة ليس حدثًا معزولًا، بل هو امتداد لسنن الله الجارية في الابتلاء والتمحيص ليميز الله الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب. وكما شهدت السنوات الأولى من البعثة النبوية في مكة المكرمة تآمرًا من قريش على الدعوة المحمدية لإطفاء نورها، نرى اليوم كيف تتكرر سنن الله؛ إذ الابتلاء ليس نقمة، بل هو اختيار واختبار. ويواجه قطاع غزة بأكمله حصارًا دوليًّا يهدف إلى تركيع فئة مؤمنة آمنت بربها وتمسكت بحقها وتنتظر موعود خالقها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. فنالوا ما نالوا من قتل وتجويع وتدمير.

**- صحيفة المقاطعة والحصار الظالم**

تتكرر المشاهد التاريخية بتفاصيلها، فكما اجتمع زعماء قريش على كتابة صحيفة المقاطعة الظالمة لحصار بني هاشم في شِعب أبي طالب، اقتصاديًّا واجتماعيًّا، لا بيع ولا شراء ولا مصاهرة ولا مخالطة، حتى يستسلموا ويتراجع رسول الله عن دعوته المنصورة بإذن الله عز وجل، وها هو الاحتلال الصهيوني ومن والاه اليوم يفرض نفس صور تشديد الخناق والحصار الشامل على قطاع غزة العزة، وإغلاق المعابر ومنع الإمدادات من ماء ودواء وغذاء. ورغم فظاعة الحدث وتواطؤ الصمت الدولي الذي يراقب ويندد من بعيد، تظل الحقيقة الإلهية قائمة: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32]. 

**جيل القرآن وصمود المرأة الغزاوية** 

إن هذا الصمود الإعجازي هو ثمرة مدرسة تربوية إيمانية إحسانية أسسها القائد المجاهد المربي الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، الذي ربى رجال الشهامة والرجولة، جيل القرآن المجاهد، إنه جيل المرحلة بامتياز، شعاره «إما النصر وإما الشهادة»، مجسدين قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. ويكتمل هذا المشهد النبيل بالمرأة الغزاوية الصامدة، التي ضربت أروع الأمثلة في الاحتساب والصبر على قضاء الله وقدره، وسط الركام والنزوح، مستحضرة سيرة أمهات المؤمنين في الثبات، مثبتة للعالم أن إرادة الشعوب المتمسكة بحقها أقوى من أعتى أسلحة الدمار مهما كثرت وأرعبت.

**مرارة المحنة ونخوة المروءات** 

كما ذاق الصحابة الكرام ألم الجوع في الشِّعب، يعيش أهل غزة مرارة الحصار أمام مرأى العالم. وكما وقف رجال من أصحاب المروءات والنخوة كـ هشام بن عمرو والمطعم بن عدي وقاموا بنقض الصحيفة لينتهي الحصار، تنبعث اليوم مبادرات الضمائر الحرة عبر العالم لرفض الإبادة وتكسير أغلال الحصار.

ويشدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في هذا السياق على الطبيعة الوظيفية لهذا الكيان الغاصب بقوله في كتاب «سنة الله»: «قضية فلسطين بداية المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، بين الجاهلية والإسلام. مع الجاهلية تنبؤ يهودي بمملكة صهيون الألفية. ومع الإسلام وعد الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بالنصر المبين». (سنة الله ص 14)

**بشرى الشهداء وأمل الفرج والانتصار** 

إن تضحيات الشهداء والجرحى ليست ضياعًا، بل هي تجارة رابحة مع الله، وكأن القرآن الكريم ينزل عليهم ليثبتهم ويخبرهم أن الذين استشهدوا أو قُتلوا في هذه المحنة أرواحهم حية عند الحق عز وجل مرزوقة في دار القرار ولهم البشرى كما جاء في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 169-170]. وكما انتهى حصار مكة وتمزقت صحيفة العدوان القرشي، فإن يقيننا بالله دائم بأن حبال الظلم الصهيوني ستتمزق، وأن فرج الله قريب.

**مسؤولية الأمة ويقين النصر** 

إن نصرة أهل غزة بالمال والكلمة والمقاطعة وإيقاظ الوعي ليست منّة، بل هي واجب شرعي وإنساني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ…». 

ونختم بالبشرى والأمل من كتاب «سنة الله» للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله:

«وعد الآخرة مواجهة واسعة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، واليهود بعددهم وعُددهم أقل وأذل من أن يشكلوا جبهة تقارن بأمة الإسلام». (ص 118)

وسيخرج أهل غزة والأمة من هذه المحنة أشد عودًا وأعظم إيمانًا، متسلحين بالوعد الإلهي: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: 81]. وصلى الله وسلم على النبي الأمين، والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.