منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1

الأستاذ عبد الصمد الخزروني

0

اليقظة الروحية

التحول الكامل من أجل حياة المعنى

مقدمة حول الحلقات ح1

الأستاذ عبد الصمد الخزروني

الحمد لله الذي علّم الإنسان البيان بعد خلقه، وأمره بالقراءة باسم ربّه لا باسم غيره، وسخر له كونا منظورا للتفكر في سماواته وأرضه، وأنزل له كتابا مسطورا للتدبر في آياته. والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الخلق وإمام المحسنين، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد

يُسعدني في هذه الحلقات التي سأقدمها بين أيديكم تباعا على موقع منار الإسلام، أن أحدثكم عن اليقظة الروحية باعتبارها التّحول الكامل من أجل حياة المعنى، فأجعل الوقفة الأولى مع معنى اليقظة الروحية، والثانية مع معنى التحول، والثالثة مع معنى المعنى، والرابعة مع تجليات اليقظة الروحية. وكل وقفة فيها ما شاء الله من الحلقات التي نرجو من الله عز وجل أن تكون للقارئ من العلم النافع، الحافز على العمل، والدافع إلى الخير.

إن الله تعالى خلق الموت والحياة ليَبلوَ الناسَ أيّهم يُقدِّم أحسنَ العمل. وهل هناك من عمل أحسن وأفضل وأعظم من أن يَعرف الناسُ ربهم، ويتقربوا إليه بكل خير، فيحبوه ليحبّهم ويرضى عنهم. يقول الله تعالى: [وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون] (الذاريات:56). ليعبدون أي ليعرفون، كما جاء عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ومعرفة الله تعالى مقام يدركه السالكون للطريق إليه، المقتحمون للعقبة إليه. لا يرضون بالحياة التقليدية العادية، بل يطلبون حياةً أفضلَ وأسمى بإحداث تحول عميق على مستوى قلوبهم وأرواحهم وحتى عقولهم، وذلك من خلال سلوكٍ يحركه همّ طلب وجه الله تعالى والاهتمام بالمصير يوم لقائه.

ودون تحقيق معرفة الله تعالى هناك الابتلاء قبل العطاء، عقبات في طريق السلوك، منها ما هو على شكل موانع تمنع من الانطلاق، ومنها ما هو على شكل مُثبطات للعزائم وسط الطريق، ومنها ما هو على شكل مُلهيات ومشغلات عند نهاية الطريق. وتُمثّل النفسُ على طول الطريق فيها الجزء الأكبر والأخطر والأوعر. ولذلك عندما يتمّ الحديث عن التربية فهي متوجهة بالدرجة الأولى إلى هذه النفس الأمارة بالسّوء. والتربية هي أفضل ما يمكن أن يُقدّمَ كتعريف للإنسان. فهو الكائن الوحيد الذي يقبل التربية دون غيره من المخلوقات، لأنها تؤثر في سلوكه، وترفع من قيمته الإنسانية، الروحية والجسدية والعقلية.

إن أشدَّ آلام الإنسان على الإطلاق، هو ألم الحجاب الذي يغطّي قلبه ويمنعه من رؤية الحقيقة المطلقة. لأن ألم الجسد يزول مع الوقت بالدواء، لكن ألم الحجاب المضروب على القلب من قِبل النفس من الصعب أن يزول. فهو لا يزول إلا بسلوك طريق الاهتداء والدعاء والرجاء في الله تعالى. يقول الله تعالى: [كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون] (المطففين:14-15). وهذا السلوك يتطلبُ الإرادةَ القوية كبرهان صدق في بداية الانطلاق، وزاد الصّبر كشرط لتحمل أعباء الطريق، وعمرَ الإنسان كثمن للوصول إلى النهاية السّعيدة.

ثمّ بعد هذا لنعلم أن هذه الدنيا التي هي دار بلاء وامتحان، قد حظيت بنصيب وافرٍ من النعوت والأوصاف الدّنية من خالقها، ما جعل قيمتها في ميزان الله تعالى لا تساوي شيئا. فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء[1]. وحتى يزيد سبحانه من توضيح قيمتها الحقيقية استعمل اسلوب المقارنة بينها وبين الآخرة. فعن المستورد بن شداد رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليمّ يعني البحر، فلينظر بم يرجع[2].

أما الإنسان الذي خلقه الله في هذه الدنيا فقد حظي بتكريم عظيم من خالقه في الأصل والنسل، الأمر الذي جعله مركز الكون ومحوره الذي يدور عليه. يقول الله عز وجل عن تكريم الأصل: [أريتَك هذا الذي كرّمت عليّ، لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا] (الإسراء:62). ويقول الله تعالى عن تكريم الفرع والنسل: [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا] (الإسراء:70). فكان هذا التكريم بنوعيه الأصلي والنّسلي تعبيرا بليغاً عن حقيقة الإنسان الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه من علمه، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. بيد أن هذه الحقيقة الإنسانية هي التي بوّأته مكانة الخلافة في الأرض. وهي التي ينبغي أن تحظى باهتمام كل إنسان فيسمو بها نحو الكمال البشري، وليس الاهتمام بالدنيا الفانية التي لا حقيقة لها في الوجود المادي إلا على الوجه الذي يستعمله الإنسان كمطية وقنطرة وجسرا نحو الآخرة.

في كتب الفلسفة والثقافة والمعرفة يتحدث أصحابها عن الإنسان وعلاقته بعلوم الطبيعة وعلوم الحياة، فيسردون النتائج الباهرة التي حققها في هذه الميادين اعتمادا منه على ما أوتي من ذكاء خارق وإرادة قوية. لكنهم يخلصون في النهاية إلى نتيجة مفادها أن الإنسان هو ذلك المجهول. ذلك أنه اجتهد في تحقيق راحته وطموحه المادي، وعجز عن معرفة حقيقته ومعناه. اجتهد في الجواب عن سؤال: كيف أعيش؟ والذي يتعلق بالطريقة والوسيلة، ولم يجتهد في الجواب عن سؤال: لماذا أعيش؟ والذي يتعلق بالهدف والغاية.

ومن الشواهد الدالة على عجز الإنسان لمعرفة حقيقة نفسه كاملة رغم التقدم الهائل والتطور الحاصل ما قاله الطبيب الأمريكي “ألكسيس كاريل” في كتابه المترجم: “الإنسان ذلك المجهول”، قال: “وفي الحق لقد بذل الجنس البشري مجهودا جبارا لكي يعرف نفسه، لكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التي كدّسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا (…) إننا لا نفهم الإنسان ككل (…) فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب (…) فعلينا أن ندرك بوضوح أن علم الإنسان من أصعب العلوم جميعا”[3].

نتساءل بعد هذا الإدراك الواضح: لماذا علم الإنسان من أصعب العلوم جميعا؟

لأن إدراك حقيقة الإنسان لا تتم عن طريق الإنسان نفسه، وإنما عن طريق خالق الإنسان وفاطره ومصوره. ذلك أن الله تعالى هو المصدر الحقيقي الوحيد الذي يمكن أن يمدّ الإنسان بالحقائق الصحيحة عنه. أما الذي يتطاول عن هذا المصدر إلحادا، ويتجاوزه كفرا وإجحادا، فبدون شك سيبقى أبدَ الدهر حائرا تائها عن إدراك تلك الحقيقة الإنسانية الكاملة. وقد ترتّب عن هذا الجهل بحقيقة الإنسان وبمتطلباته الروحية الجهل بمعنى وجوده ودوره في الحياة ومصيره بعد الموت. فقد جاء في الأثر: “من عرف نفسه عرف ربه”.

وبناء على هذا الجهل أخطأت الفلسفات المادية والحركات الجاهلية في تناول قضية الإنسان، حيث اعتبرته فاعلا في التاريخ همّه مطالبته بالنصيب الأوفر من خيرات الأرض عانفا ثائرا. وجعلت من التاريخ الأرضي أهم موضوع لفعله وتنافسه وصراعه. أما اتجاهه في كل هذا فهو في هبوط نحو الأسفل جريا وراء رغبات النفس والجسد، وتحقيقا لسعادة زائفة لا تعدو أن تكون سرابا في سراب، وخواء في خواء.

إن الإنسان في حقيقته آية من آيات الله تعالى المنظورة، [ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم أنتم بشر تنتشرون] (الروم:20). وآية من آياته المستورة، [وفي أنفسكم، أفلا تبصرون] (الذاريات:21). فلأن الإنسان آية من آيات الله تعالى المنظورة والمستورة الدالة على عظمة الله تعالى وإبداعه في خلقه، فقد خصّه سبحانه تعالى بالتكريم والتفضيل والتسخير. فجعل سبحانه وتعالى قيمة هذا الإنسان في الإنسان ذاته. قيمتُه في جوهره وجمالُه على مظهره. كتمثال الأسد المصنوع من الذهب. هل قيمته في جوهره الذهبي أم في مظهره الأسدي؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:” الناس معادن، كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف[4]. فالحديث يؤكد أن الناس قد يتوحّدون في المظاهر لكنهم يختلفون في الجواهر. فلماذا تختلف الجواهر بينما تتوحد المظاهر؟ لأن الله تعالى حين يُقيِّم قيمة الإنسان فذلك يكون من خلال تقييم جوهره وليس من خلال تقييم مظهره. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم[5].

وباختلاف الجواهر يعادي الإنسان أخاه الإنسان ويكرهه، ويحقره ويظلمه، ويستعبده ويقتله. أتدرون لماذا؟ لأن الجواهر مستهدفة من قبل الشيطان، يسعى إلى إفسادها بكل الوسائل المتاحة له. ويكون الطريق معبدا له حين تخبث النفس وتَعْش وتُعرِض عن ذكر الله تعالى. يقول الله تعالى: [ومن يَعْش عن ذكر الرحمان نقيّض له شيطانا يكون له قرينٌ] (الزخرف:36). فلو أن هذه النفس تزكت وتطهرت وتربّت لما وجد الشيطان إلى جوهر الإنسان الذي يمثل قيمتَه الحقيقية طريقا، ولا كان له عليه سلطانا.

فأمام حيرة الإنسان وهو يبحث في هذه الدنيا عن حقيقته الإنسانية، عن ذاته وكينونته، عن قيمته الجوهرية والأخلاقية، عن طريقه إلى الخلاص الفردي والجماعي، عن حياة المعنى والسعادة، يأتي الحديث عن اليقظة الروحية، وعن التحول الكامل من أجل تحقيق حياة المعنى.

فكم من الناس قد رحلوا من هذه الحياة الدنيا ولا خبر لهم بهذا التحول المطلوب ولا ما ينتهي إليه من اليقظة. عاشوا وما عرفوا حقيقة هذه التجربة الشخصية، وماتوا وما ذاقوا حلاوتها. يقول الله تعالى: [ولمن خاف مقام ربه جنتان] (الرحمن:46). قيل: في معنى “جنتان”، جنة في الآخرة وجنة في الدنيا. جنة الآخرة معروفة، أما جنة الدنيا فهي تحقيق حياة المعنى بمعرفة الله تعالى وصحبة أهل الله العارفين بالله الدالين عليه السالكين على المنهاج النبوي. يقول الله تعالى كذلك: [والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين] (العنكبوت:69). يقول ابن القيم الجوزية رحمه الله: “من لم يدخل جنة الدنيا لا يدخل جنة الآخرة”. ألا وإن جنة الدنيا ذكر الله، ومجالس ذكر الله تعالى.

أملنا في هذا الحديث عن هذه “اليقظة الروحية” أن يجد القارئ ما يحرّك به الهمّة للتحوّل من حياة عادية ورتيبة تنحصر فقط في الأكل والشرب والنوم وعمل الوظيفة أو الحرفة أو المهنة، إلى حياة سامية يعيش فيها “المعنى” و”معنى المعنى”، الهدف والغاية من وجوده. فيصبح كلُّ عمل يعمله الإنسان صغيرا كان أو كبيرا، مُهما كان أو عاديا، إنما يعمله عن وعي وقصد.

ومن أجل تحقيق هذا المقصد حاولت اغناء هذا الحديث عن اليقظة وما يرتبط بها باستحضار ما ورد في مجموعة من الكتب من كلام العلماء والمفكرين والفلاسفة، وذلك عن طريق قراءة ما جاء فيها من أفكار توضيحية أو إضافات مفيدة. وهذا مما يُغني الموضوع كثيرا ويقوي فيه الخطاب ليشوّق إليه القارئ.

في هذا الحديث أيضا حاولت أن أقف على حدود ثقافتين، الإسلامية والأجنبية، أو ما يُطلق عليه بــــ “التجربة الإنسانية”، لأُحْدث نوعا من الإبداع، لعله يمنح القارئ الكريم شيئا من المتعة في الإقبال على القراءة، انطلاقا من قول القائل:” على حدود ثقافتين يكون الإبداع”. فيكون الحديث في البداية عن اليقظة وما تحتاجه من معرفة إذِ الْعلم إمام العمل، ثم أتوسط بالحديث عن المعنى وقيمته في الحياة وما يحتاجه من تحوّل عميق. بعد ذلك أتبعه بالحديث عن السلوك الذي يُعبّر عن هذا التحول وما يحتاجه من تربية. وفي النهاية نختم الموضوع بالحديث عن التجليات الفنّية من تحقيق المعنى في الحياة كتتويج لليقظة الروحية.

والله تعالى من وراء القصد، والهادي سبحانه إلى سواء السبيل.


[1] – رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

[2]– أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق.

[3] ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، ص:24.

[4]– أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة رذي الله عنه.

[5] – رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.