لا يستقيم الظل والعود أعوج
(دعاء السوق في سوق السياسة)
بقلم: ابراهيم أكورار
ما أعجب دعاء السوق! يقبل الإنسان على المكان الذي تضج فيه الأصوات، وتعرض فيه السلع، وتتزاحم فيه المصالح، ويشتد فيه الحرص على الربح، فلا ينسى الله عز وجل، ولا يغيب عنه مصيره الأخروي.
كان النبي صلى الله عليه و سلم يعلّم المؤمنين، وهم مقبلون على سوق الدنيا:
“بِسْمِ الله؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ فِيهَا يَمِينًا فَاجِرَةً أَوْ صَفْقَةً خَاسِرَةً”.
إنه منهاج التربية النبوية لجيل المهاجرين و الأنصار و عامة المسلمين على الربح الأخروي وسط زحام الدنيا.
فالمؤمن يدخل السوق ليبيع ويشتري، يرجو الله داعيا أن يرزقه مناعة من بيع قيمه و مبادئه، يخشى خسارة آخرته.
عسى إن فاتته صفقة في سوق الدنيا، تكون نجاة له من صفقة خاسرة يوم الحساب.
إن دعاء السوق بأبعاده التربوية يتجاوز سوق البيع والشراء، ليصبح منهجاً في دخول كل أسواق الحياة، ومنها سوق السياسة.
فنحن اليوم، شئنا أم أبينا، مقحمون في سوق السياسة، قراراتها تصل إلى بيوتنا، وتؤثر في يومنا و ليلتنا وأرزاقنا وحقوقنا وتعليم أبنائنا ومستقبل مجتمعاتنا و ديننا. فلا يمكننا أن نترك إيماننا عند باب السياسة، كما لا نتركه عند باب السوق.
بأي نية ندخل السوق و بأي فهم و إرادة نتفاعل مع صخب السوق؟
هل ندخل بحثاً عن منفعة عاجلة فقط؟ أم ندخل ونحن نستحضر أن كل موقف شهادة، وكل شهادة أمانة، وكل أمانة نتحمل كامل مسؤوليتها أمام الله عز وجل قبل الناس؟
لعل مثل هذه الأسئلة توضح موقفنا من مقاطعة الانتخابات.
الانتخابات، حين تكون حرة ونزيهة وتكفل تكافؤ الفرص، وسيلة مهمة للتعبير عن إرادة الناس ومحاسبة من يتولى السلطة.
لكننا نقاطع حين يتحول الصندوق إلى “شكل ديمقراطي” يخفي واقعاً كئيبا غير ديمقراطي، حين يصبح المال والنفوذ أقوى من النزاهة والكفاءة، وحين يذهب المواطن إلى الانتخابات وهو يشعر أن موازين اللعبة رجحت قبل أن يصل صوته إلى الصندوق!
وكما يقول المثل العربي: “لا يستقيم الظل والعود أعوج”.
فلا يمكن أن نطلب من النتائج أن تكون مستقيمة إذا كانت الشروط التي تصنعها مختلة. قد تتوافر الصناديق والحملات والشعارات و الكلام المعسول و الوعود الكاذبة، لكن الشكل لا يستطيع أن يعالج فساد الأصل.
إن إصلاح الظل يبدأ بإصلاح العود.
لذلك فإن مقاطعتي ليست رفضاً للديمقراطية، بل رفض لاختزال الديمقراطية في “مهرجان الصناديق” و اعتراض على مشاركة قد تتحول إلى مجرد رقم يمنح المشهد السياسي مظهراً من “شرعية” دون أن يمنح المواطن قدرة حقيقية على التغيير.
دعاء السوق يحررني من الإمعية و ذهنية القطيع و يعلمني أن مغامرة الانتخابات بالشكل الذي نسمعه و نراه لا تجعل كل صفقة رابحة، وأن الإنسان مسؤول عما يعطيه ويأخذه.
وقد تكون “الصفقة الخاسرة” في السياسة أن يمنح الإنسان ثقته لعملية لا يثق في شروطها، ثم يكتشف أن حضوره كان جزءاً من تجميل المشهد السياسي لا تغييره.
إنه اقتحام للعقبة بمقاطعة الانتخابات مقاطعة واعية بصحبة الشعب و عدم الصمت عن الظلم و الفساد و سوء التدبير الذي ينخر مؤسساته.
إنه موقف يتجاوز الامتناع عن التصويت إلى الشهادة على الخلل والمطالبة بإصلاحه والعمل من أجل شروط سياسية أكثر عدلاً.
دعاء السوق لا يقول للإنسان: اهرب من السوق، وإنما يعلّمه أن يدخلها بميزان و بمنهاج.
وهذا ما نحتاجه في السياسة: لا اندفاع أعمى، و لا اعتزال سلبي عدمي، بل بصيرة تميز بين المشاركة التي تصلح والمشاركة التي تزين الفساد.
لذلك، حين أقرر المقاطعة، لا أسأل فقط: هل سأربح أو أخسر في حسابات الدنيا؟
بل أسأل نفسي:
هل هذا الموقف شهادة للحق؟ وهل أستطيع أن أحمله معي إلى قبري يوم لقاء ربي عز و جل؟
تنتهي الانتخابات، وتذهب الأصوات، وتتغير الحكومات، ويختفي المال والنفوذ الذي ملأ الدنيا ضجيجاً.
لكن ما يبقى هو ما خرج به الإنسان من سوق الدنيا.
وذلك هو سر دعاء السوق:
أن تدخل أسواق الدنيا كلها، وقلبك متجه إلى الآخرة، وأن تسأل عن الخير، وتحذر الشر، وألا تربح في الدنيا صفقة تخسر بها نفسك.
و أن تتعلم في مدرسة اليقين بالله و اليوم الآخر أن الدنيا كما وصفها مولاي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره في كتابه النفيس الفتح الرباني:
“الدنيا سوق عن قريب ينغلق.”
يقول صاحب رسالة الإسلام أو الطوفان رحمه الله (1):
“لا يستوي العابِثُ في دينه
والمومِنُ الشهْم الفتى الصادقُ
العابثُ القاعدُ عن نُصرةٍ
في لهوه حياتَه غارقُ
ويومَ يُبْعَثُ الوَرى بَغْتةً
يَسوقُه لِنَارِهِ سائِقُ
أمّا فتى العدْل فمُقْتَحِمٌ
وفي الجهاد ثابثٌ واثِقُ
في مجلس الذكر له نورُه
وفي الوغى ففارس سابِقُ
مجاهد فضّله ربُّهُ
وقاعدٌ عن ربه آبِقُ
صلِّ على محمد ربَّنا
قلبي إلى رؤيتِه شائقُ”
(1) الأستاذ عبد السلام ياسين، المجموعة الشعرية الكاملة، القطف 151، ص 181