منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(24) تابع

عبد الغني منتصر

0

“فقه الطوفان بين البشارة والنذارة: استبصار السنن في زمن التحولات”(24) تابع

بقلم: عبد الغني منتصر

تصدير الفصل الخامس: فجر الاستخلاف ونداء أجيال الشهود

المبحث الثاني: سيكولوجية جيل النصر “المسافة صفر”

1- تحطيم “عقدة الدونية” و”رعب الآلة”

لعقودٍ طويلة، عملت الآلة الإعلامية والعسكرية الغربية على زرع “عقيدة اليأس” في قلب الإنسان المسلم، مصورةً له أنَّ “التفوق التكنولوجي” للعدو هو قضاءٌ وقدر لا يمكن رده، وأنَّ “الميركافا” و”الذكاء الاصطناعي” و”الأقمار الصناعية” هي أربابٌ من دون الله تملك الموت والحياة. إلا أنَّ جيل المنهاج في غزة جاء ليحطم هذا الوثن المعاصر؛ فبينما كان العالم ينظر إلى “الآلة” برعب، كان المقاتل المنهاجي ينظر إليها بوصفها “هباءً منثوراً” أمام قوة العزيز الجبار. لقد أثبتت غزة أنَّ “عقدة الدونية” تتبخر عند السجدة الأولى في خندق الرباط، حيث يُدرك المقاتل أنَّ الذي خلق “الرُقاقة الإلكترونية” هو ذاته الذي مكنه من اختراقها بـ “يقين القلوب”، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ تَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ لَن يَخلُقوا ذُبابًا وَلَوِ اجتَمَعوا لَهُ﴾.

إنَّ المتأمل في “سيكولوجية التحرر” يجد أنَّ المنهاج قد نجح في “نزع السحر” عن الآلة الغربية؛ فلم تعد تكنولوجيا العدو مصدر رعب، بل أصبحت “هدفاً” يُدرس لتفكيكه. هذا التحول من “الاستلاب” إلى “الاقتدار” هو جوهر النصر النفسي؛ فالمقاتل الذي يضع “عبوة الشواظ” بيده على جسم الدبابة، قد هزم في تلك اللحظة مراكز الأبحاث العالمية وجنرالات الحرب في “البنتاغون” و”تل أبيب” قبل أن يفجر الدبابة ذاتها. لقد تحرر جيل المنهاج من “سجن المقارنات المادية”؛ فلم يعد يسأل عن ميزان القوى العددي أو التقني، بل صار يسأل عن “ميزان اليقين”، مدركاً أنَّ الآلة مهما بلغت قوتها تبقى صماء، بينما الروح المتصلة بخالقها تملك “بصيرة الميدان” التي لا تخطئ.

وعلى ضوء هذا الانعتاق، سقطت خرافة “الجيش الذي لا يُقهر” في وعي الطفل المسلم قبل الجندي؛ مما أدى إلى انهيار “هيبة الردع” التي بُنيت على مدار سبعين عاماً. إنَّ تحطيم “رعب الآلة” هو الذي سمح لجيل المنهاج بأن يبتكر سلاحه من ركام الحصار، محولاً “مواسير المياه” إلى صواريخ ترهب العواصم المحتلة. هذا التجاوز للمستحيل المادي هو الثمرة الكبرى لـ “عقيدة الاستعلاء بالإيمان”؛ حيث لا يرى المؤمن نفسه صغيراً أمام “الروبوت” أو “الطائرة المسيرة”، بل يرى نفسه خليفة الله الذي سُخر له الكون بما فيه. إنَّ هذه السيادة النفسية هي التي جعلت “أمة المنهاج” عصية على التدجين، وأحالت “فخر الصناعة الغربية” إلى حطامٍ يشهد على تهافت المادة أمام جلال الروح.

وبناءً على ذلك، فإنَّ تحطيم عقدة الدونية هو الخطوة الأولى نحو “الاستخلاف الكوني”. إنَّ الشعوب التي ترى الآن “إنسان غزة” وهو يتلاعب بأسطورة التكنولوجيا، بدأت تدرك أنَّ قيودها هي قيودٌ “وهمية” سكنت العقول قبل الحدود. إنَّ منهاج غزة قد حرر الإنسان من “عبودية التطور المادي” ليعيده إلى “سيادة الروح”؛ مؤكداً أنَّ الغلبة ليست لمن يملك “المعدن” الأقوى، بل لمن يملك “المعدن الإنساني” الأطهر والأرسخ يقيناً. إننا أمام جيلٍ لم يعد “الرعب” في قاموسه، بل أصبح “الاشتباك” هو لغته، واليقينُ هو سلاحه، والنصرُ هو مآله المحتوم، تصديقاً للوعد الحق: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

2- فلسفة “المسافة صفر”: من تكتيك الميدان إلى عقيدة الوجود

لقد تحول مصطلح “المسافة صفر” في “منهاج غزة” من مجرد وصفٍ تقني للاشتباك العسكري المباشر، إلى “عقيدة سيادية” تلخص حالة الانعتاق الكامل من الخوف. إنَّ الوصول إلى “المسافة صفر” يعني نفسياً سحق كل العوائق التي وضعها العدو (من تكنولوجيا، وجدران، ومنظومات دفاعية)، والوقوف وجهاً لوجه أمام الباطل دون وسيط. إنها اللحظة التي تنهار فيها “هيبة المادة” وتتجلى فيها “سطوة الروح”؛ حيث يُدرك المقاتل المنهاجي أنَّ الاقتراب من الموت هو في الحقيقة اقترابٌ من “ذروة الحياة” والحرية. هذه الفلسفة حطمت إستراتيجية “الحرب عن بُعد” التي يتقنها الجبناء، وأرغمت العدو على النزول إلى ساحةٍ لا يملك فيها إلا الرعب، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾.

وبالتأمل في أبعاد هذا المفهوم، نجد أنَّ “المسافة صفر” قد أصبحت “نمط حياة” للأمة الاستخلافية؛ فهي تعني رفض الحلول الوسط، والاشتباك المباشر مع التحديات الحضارية دون مواربة. إنَّ المقاتل الذي يضع العبوة على الدبابة من “نقطة الصفر” هو ذاته الإنسان الذي يواجه ضغوط الحياة والحصار بـ “المواجهة الشاملة” لا بالاستسلام أو الانكفاء. لقد علمتنا غزة أنَّ النصر لا يتحقق بالوقوف على التلال ومراقبة الأحداث، بل بـ “الانغماس” في قلب الصراع وتغيير الواقع باليد والروح. هذا التحول السيكولوجي جعل من “المسافة صفر” عنواناً للكرامة؛ فمن يقبل الاشتباك من هذه المسافة، لا يمكن أن يُهزم نفسياً أبداً، لأنَّ أقصى ما يهدده به العدو (وهو الموت) قد صار بالنسبة له “أقصى أمانيه”.

وعلى صعيد الوعي الجمعي، أعادت “المسافة صفر” صياغة “مفهوم القوة” في العقل العربي والإسلامي؛ حيث لم تعد القوة تُقاس بمدى الصواريخ أو حجم الترسانة، بل بمدى “القرب” والقدرة على “الاقتحام”. إنها “فلسفة الجسارة” التي تُسقط الحسابات العسكرية التقليدية، وتجعل من “الضعف المادي” قوةً هائلة إذا ما اقترن بـ “اليقين القلبي”. لقد علّمت “المسافة صفر” الأجيال أنَّ الباطل مهزوزٌ في أعماقه، وأنه ينهار بمجرد أن يجد من يجرؤ على النظر في عينيه ومواجهته دون حجاب. هذا الانكسار في نفسية العدو أمام “جرأة الوصول” هو الذي يحسم المعارك الكبرى، ويجعل من “أمة المنهاج” أمةً لا تعرف المستحيل، بل تصنعه في كل مكمن.

وبناءً على ذلك، فإنَّ تبني “المسافة صفر” كعقيدة وجودية هو الضمانة لـ “تحرير السيادة”؛ فالأمة التي تشتبك مع أعدائها ومع مشاكلها من “المسافة صفر” هي أمةٌ حية لا تموت. إنَّ غزة اليوم تطرح هذا المفهوم كبديلٍ عن “التردد” و”الانتظار”، داعيةً أجيال الشهود إلى الاقتراب من أهدافهم بيقينٍ لا يتزلزل. إنَّ “المسافة صفر” هي المسافة التي تفصل بين “وهم العبودية” و”حقيقة الاستخلاف”؛ وهي اللحظة التي تتوحد فيها إرادة العبد مع مراد الرب، ليكون هو “اليد” التي يبطش بها الحق، و”العين” التي يرى بها النصر، كما قال عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.

3- صناعة “الإنسان المتجاوز”: سيكولوجية الاستشهاد وكسر منطق الفناء

إنَّ أعظم ما أنتجه المنهاج في مختبر “غزة” هو صياغة “الإنسان المتجاوز”؛ ذلك الكائن الذي استطاع القفز فوق غريزة “البقاء المادي” نحو “البقاء الأبدي”. في الفلسفة الغربية، يُعتبر الموت هو “النهاية المطلقة” والعائق الذي تُبنى عليه كل حسابات الخوف والردع، أما في سيكولوجية جيل النصر، فقد تحول الموت من “تهديد” إلى “وسيلة ارتقاء”. هذا التحول النفسي هو الذي كسر منطق الفناء؛ فالمقاتل الذي يرى في فوهة الدبابة بوابةً نحو الجنان، لا يملك عدوه أداةً لترهيبه. إنَّ “سيكولوجية الاستشهاد” هي القوة التي جعلت الإنسان المنهاجي يتجاوز حدوده البشرية ليصبح كتلةً من اليقين الذي لا ينفد، محققاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.

وبالتوغل في فقه هذا “التجاوز”، نجد أنَّ المنهاج لم يصنع “عاشقاً للموت” كما يروج الإعلام الغربي الجاهل، بل صنع “عاشقاً للحياة الحقيقية”؛ تلك الحياة التي لا تُنال إلا بالتحرر من ذلِّ المادة وسيادة المستكبرين. إنَّ المقاتل “المتجاوز” هو الذي أدرك أنَّ جسده مجرد وعاءٍ للرسالة، فإذا تعارض بقاءُ الجسد مع كرامة المنهاج، قدّم الروح قرباناً لسيادة الأمة. هذه الروح الاندفاعية الواعية حطمت كل نظريات “الأمن القومي” للكيان؛ فالعدو يبني ترسانته ليحمي حياته (لأنه يراها كل شيء)، بينما المقاوم يهجم لأنه يرى في الشهادة “كل شيء”. هذا الفارق السيكولوجي هو الذي يجعل “القوة الصفرية” (مقاتل فرد) تتغلب على “القوة العظمى” (جيش مدجج)، لأنَّ الأول قد تجاوز الخوف، بينما الثاني غارقٌ فيه.

وعلى هذا الأساس، أصبحت “سيكولوجية الاستشهاد” هي “كاسر التوازن” الإستراتيجي؛ فهي التي تمنح المقاتل القدرة على الصمود تحت القصف لشهور، والعمل في باطن الأرض لسنوات، دون أن يلين له عزم. إنَّ “الإنسان المتجاوز” هو الذي أعاد صياغة مفهوم “النصر”؛ فالنصر عنده ليس بقاء الجسد، بل “بقاء المبدأ” وانتصار المنهاج. هذا اليقين هو الذي يُفسر ثبات الأمهات والآباء في غزة وهم يودعون أبناءهم بالزغاريد؛ إنها سيكولوجية الأمة التي خرجت من “ضيق الدنيا” إلى “سعة الآخرة”، فأصبحت عصيةً على الكسر لأنها تملك “قوةً روحية” لا تخضع لقوانين الفيزياء العسكرية، ولا تتأثر بموازين القوى المادية.

وبناءً على ذلك، فإنَّ صناعة هذا الإنسان هي الضمانة الوحيدة لـ “خلود القضية” وتجدد الفتح؛ فالأمم التي تخشى الموت تندثر خلف جدران الخوف، أما الأمة التي ترى في الشهادة ميلاداً فهي أمةٌ لا تُقهر. إنَّ جيل “المسافة صفر” هو جيل “العبور الكبير” الذي كسر قيد “الأنا” لينصهر في “نحنُ” المستخلفة. إنَّ هذا التجاوز السيكولوجي هو الرسالة الأقوى التي توجهها غزة للعالم: أنَّ الروح إذا اتصلت بخالقها، أصبحت أقوى من ذرات اليورانيوم، وأبقى من عروش الظالمين. إننا أمام “إنسانٍ جديد” يقود التاريخ نحو مآله المحتوم، حيث تعلو كلمة الله وتتحطم تحت أقدام الشهداء أصنامُ الطغيان، كما وعد سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.

4- تآكل سيكولوجية “المستوطن” مقابل تجذر سيكولوجية “صاحب الأرض”

إنَّ الصراع فوق ثرى فلسطين ليس مجرد اشتباكٍ على حدود جغرافية، بل هو “صراعُ إراداتٍ نفسية” بين وجودين متناقضين؛ وجود “المستوطن” الذي يستند إلى “سيكولوجية الاستعارة” والهروب، ووجود “صاحب الأرض” الذي يستند إلى “سيكولوجية التجذر” والبقاء. في “منهاج غزة”، تجلى هذا التناقض في أبهى صوره؛ فرأينا المستوطن الذي يملك أحدث الملاجئ وأقوى التكنولوجيا، ينهار نفسياً عند أول صافرة إنذار، وتتحول حياته إلى “رحلة بحث عن مطار” للهروب. في المقابل، يبرز صاحب الأرض الذي يخرج من تحت الأنقاض ليقول: “لن نرحل”. هذا الثبات ليس عناداً بشرياً عادياً، بل هو ثمرة “الالتحام الروحي” بين المؤمن وترابه، الذي يرى في البقاء عبادة وفي الرحيل خيانة، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.

وبالتأمل في “هشاشة الكيان النفسية”، ندرك أنَّ سيكولوجية المستوطن تقوم على “عقدة الخوف الدائم”؛ فهو يدرك في أعماقه أنه “طارئ” على المكان، وأنَّ صكوك الملكية الزائفة لا تمنحه “الأمان الوجداني”. لذا، فإنَّ أي اختراق لمنظومته الأمنية (كما حدث في الطوفان) يؤدي إلى “زلزال وجودي” يضرب أساس انتمائه لهذه الأرض. إنَّ المستوطن يقاتل من أجل “الرفاه” و”الحياة الدنيا”، فإذا انعدم الرفاه واهتزت الحياة، انفرط عقدُ صموده. أما صاحب الأرض في المنهاج، فإنه يقاتل من أجل “الوجود والشهادة”؛ لذا فإنَّ الضغط والقتل لا يزيده إلا تشبثاً بأرضه، لأنَّ جذوره ممتدة في عمق التاريخ والوحي، وليست مجرد تأشيرة دخول من مطار “بن غوريون”.

وعلى ضوء هذا التباين، نجد أنَّ المعركة النفسية قد حُسمت لصالح “صاحب الأرض” قبل أن تُحسم عسكرياً؛ فالتآكل الداخلي في مجتمع الاحتلال (الهجرة العكسية، الانقسام المجتمعي، انهيار الثقة بالجيش) هو نتاجٌ مباشر لـ “الرعب المقيم” الذي زرعه جيل المسافة صفر. إنَّ المقاومة في غزة لم تستهدف الأجساد فحسب، بل استهدفت “سردية الاستيطان” من جذورها، وأثبتت أنَّ هذه الأرض “تلفظ الغريب” مهما طال زمنه. إنَّ “سيكولوجية التجذر” تجعل من كل مترٍ في غزة “فخاً” للمستعمر، بينما تجعل “سيكولوجية المستوطن” من كل فيلا فارهة في غلاف غزة “سجناً” من الخوف. هذا الفارق النفسي هو الذي يصنع “حتمية الزوال”؛ فالأرض تنتمي لمن يعشقها حد الشهادة، لا لمن يسرقها حد التوحش.

وبناءً على ذلك، فإنَّ استعادة “السيادة النفسية” على الأرض هي التمهيد الحقيقي لـ “الفتح الأكبر”. إنَّ جيل المنهاج قد استرد ثقته بأنه “صاحب الدار”، وأنَّ المحتل ليس إلا “عابراً في كلامٍ عابر”. إنَّ هذه الطمأنينة التي تسكن قلوب أهل غزة رغم الدمار، هي أكبر دليلٍ على أنَّ المنهاج قد ربطهم بـ “قانون الاستخلاف” الذي لا يهتز؛ فالأرض يورثها الله لعباده الصالحين، والباطل مهما انتفش يبقى غريباً مذعوراً. إننا نشهد اليوم بداية النهاية لـ “وهم الاستيطان”، وبداية السيادة المطلقة لـ “أمة المنهاج” التي تزرع اليقين في القلوب لتجني النصر في الميادين، كما وعد سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

5-المنهاج والتربية على “الاستغناء”: الزهد الجهادي كسلاحٍ سيادي

إنَّ المنظومة الرأسمالية العالمية تقوم في جوهرها على “استعباد الإنسان” عبر حاجاته؛ فكلما زاد تعلق الفرد بالمادة والرفاه، أصبح أكثر قابلية للكسر والتبعية. إلا أنَّ “منهاج غزة” قد صاغ نموذجاً فريداً من “التربية على الاستغناء”، حيث تم تحويل الزهد من حالة درويشية منزويه إلى “فعلٍ كفاحيٍّ سيادي”. إنَّ المقاتل الذي يكتفي بكسرة خبزٍ وتمرة، وينام في بطن الأرض لأسابيع، قد تحرر فعلياً من أكبر أداة ضغط يملكها الغرب وهي “الحصار التجويعي”. هذا “الزهد الجهادي” هو الذي جعل جيل المنهاج يمتلك قرار سيادته؛ فمن استغنى عن الدنيا في سبيل الله، لم يعد للمستكبرين عليه سبيل، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وبالتدقيق في فقه هذا الاستغناء، نجد أنه تحول إلى “سلاحٍ نفسيٍّ عابر للقارات”؛ فقد رأت شعوب الأرض المرفهة إنساناً في غزة يبتسم وهو يفقد بيته وماله، ويحمد الله وهو في ذروة الجوع، مما أحدث صدمةً وجودية في “وعي المستهلك” الغربي. لقد كسر هذا النموذج “صنم الرفاه” الذي يُقدم كبديلٍ عن الكرامة، وأثبت أنَّ الحرية الحقيقية تبدأ من لحظة “الكفر بمغريات العدو”. إنَّ جيل المنهاج لا يقاتل من أجل “تحسين شروط العبودية” أو نيل مكاسب مادية، بل يقاتل من أجل “الاستخلاف”؛ لذا فإنَّ فقده للمادة لا يزيده إلا غنىً بالروح، وقوةً في المواجهة، مما جعل “سلاح الحصار” الذي هو أعتى أسلحة الغرب يرتد عليه خيبةً وندامة.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ التربية على الاستغناء هي التي منحت جيل النصر “التفوق الأخلاقي”؛ فالإنسان الذي لا يُباع ولا يُشترى بمال الدنيا هو إنسانٌ “غير قابل للاحتواء”. لقد فشلت كل محاولات “الكي الوعي” والترهيب المادي لأنها واجهت نفوساً شبعت باليقين قبل أن تشبع بالخبز. هذا “الاستعلاء الإيماني” هو الذي يجعل المقاتل يقتحم المواقع الحصينة وهو صائم، ويرى في قلّة الإمكانيات “ميداناً للابتكار” لا “عذراً للقعود”. إنَّ منهاج الاستغناء قد علّم الأمة أنَّ السيادة تُنتزع حين نكف عن مدِّ أيدينا إلى موائد المستعمرين، ونعتمد على “بركة القليل” التي تضاعفها قوة الإيمان، لتصبح القوة المادية القليلة “قوةً ضاربة” بإذن الله.

وبناءً على ذلك، فإنَّ الزهد الجهادي في غزة هو الرسالة المدوية لأمة الاستخلاف: أنَّ طريق العزة يبدأ من “تحرير البطون والعقول” من التبعية للمادة. إنَّ غزة اليوم تعيد صياغة “تعريف القوة”؛ فالقوي ليس من يملك الكثير، بل من “لا يحتاج” للكثير ليقهر عدوه. إنَّ هذا السلاح النفسي هو الذي سيقودنا نحو “التمكين”؛ لأنه يصنع جيلاً صلباً لا يلين، وبصيراً لا يخدعه بريق الوعود الزائفة. إننا أمام “إنسانٍ منهاجي” اكتفى بالله رباً وبالقدس قبلةً، فصار هو القائد الحقيقي للتاريخ، ومن خلفه شعوبٌ بدأت تدرك أنَّ “خلاصها” يكمن في هذا الزهد الصامد، كما قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.