تحت راية الطوفان: رسالة من الأنفاق للشرفاء والأحرار
عبد السلام المنصوري
تحت راية الطوفان: رسالة من الأنفاق للشرفاء والأحرار
بقلم: عبد السلام المنصوري
ــ قرأتُ كتابَ “تحت راية الطوفان: خندق خَـبّاب” للقائد الشهيد “محمد زكي حمَـد” غِـبَّ صُدوره، فراعَـني الكتابُ وروّعني، وأخـذ مِن نفسي وعقلي وروحي ما اللهُ به عليم، وما زلتُ أستحقـرُ نفسي، وتتضاءلُ دونه هِـمّتي، حتى تلاشتْ مادّتي أو كادتْ، وانعطبَتْ روحي وما عادتْ.. وعلمتُ ما أضاعت هـذه الأمة بتقصيرها، وما اسْتدبَرَت من فادحِ أمرها، وما فرّطت فيه من صحيح عزمها.. وعلمتُ مَن هـم خصومُها أمام الله، ومن هـم ضحايا عجـزها وجُبنها.. بل قُـل: ضحايا غـدرها وخيانتِها، وانحيازها للعـدو على بعض لحمها ودمِها، بل انقلابها على جوهـر كُلّها، وإخراسِ صوتِ ضميرها، وتزييف حقيقةِ رسالتها..
ــ ولقـد حاولتُ الكتابةَ عنه إبّـان صدوره، فأجفـلَ القلـمُ وأحجـم، والتوى اللسانُ وجمجم، وتوقف الحرفُ وأعجـم.. ولا عجَـب ولا دهَـش؛ فكيف يكتبُ الهَـباءُ عـن البهَـاء؟ أم كيف تكتُبُ الهَـوام عـن صقور الفضاء، أو تحاولُ أشياءُ الأرض أن تشرحَ لنا أسْرار السماء.. فها هـنا ليس فقـط صُورا للبطولة في زمن الهزيمة، وليس انتصارا للكرامة في عصر القهـر والمذلة، وليس فرحا بالحرية في أزمنة العبـودية.. بل ها هنا بصيرةٌ تنفُـذ، وقـوّةٌ تعمل، وإخلاصٌ يجلو، وصدقٌ يسمو، وهمّـةٌ تُحلّق.. وأيضا: إحساسٌ يُجَـل، وجمالٌ يُحب..
رجالٌ ليسُوا من هــذا العالـم
رجالٌ ليسُوا من هــذا العالـم
أمّا الكاتبُ؛ فهو القائدُ المجاهـدُ الشّهيدُ، محمد زكي حمَـد، من مواليد سنة 1994 ببيت حانون ـ شمال غـزة، حفظ القرآن الكريم في العاشرة من عمره، ثم أتقـنه ترتيلا وتجويدا، وتمهّر في القراءات، وحصّلهُ بعوالي الأسانيد من كبار المشايخ، وطلب العلم فقها، وحديثا، وسيرة، وبلاغـة، وأدبا، فأخذ منها بحظ وافـر.. والتحق بدار القرآن والسنة في غـزة مُدرّسا ومُقرئا، وتصدّى للخطابة والوعـظ والتأطير.. وشارك في الكتابة والتأليف.. فكتب في فقه الإمام الشافعي، وأعـد أطروحة عـن القـيم الإعلامية في القرآن الكريم.. والتحق بالمُقاومة في السابعة عشرة من عمره، وما زال يترقى حتى صار قائـدا لفصيل من نخبة المجاهدين.. كل هـذا وهـو لمّا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره..
ــ ولما اندلعت معركة الطوفان، كان في خـط التّماس الأول مع العـدو، وقام فصيلُهُ بكتابةِ ملحمةٍ كبرى على الأرض.. ولما شرع العـدو الصهيوني اقتحام غـزة بريا، كان أيضا وفصيله في الصفوف الأولى التي واجهت العـدو مباشرة شمال غـزة.. فرسم أسمى آيات البطولة، وقـدّمَ أرْوعَ التضحيات، إلى أن استشهد في 12 يوليو 2025 وهو في الواحدة والثلاثين من عمره!! وفي ذروة المعركة، وفي باطن الأنفاق، حيث الرطوبة، والجوع، والإرهاق، وقلة الماء والهواء، وحيث مرارة الخذلان والجحود.. وحين يخلد المقاتلون قليلا للراحة، كان هـو يُخرج كراسة تلازمه، ليكتب مذكراته، وأفكاره، وتأملاته، في الطوفان، وفي واقع العالم الإسلامي، وعينُهُ على الأجيال القادمة، بعد أن يَئِسَ من هـذا الجيل، الذي ترك غـزة عارية عزلاء بين أنياب الوحوش، وجلس يتفرّج عبر الفضائيات ويعلق على مواقع التواصل..
كتابٌ ليس ككُلّ الكُـتُب
أما الكتابُ؛ فهو عصيٌّ على التجنيس، مُمْتنع عن التّصْنيف، يتجاوز مواضعات النقّـاد وغـرور المنظرين. وإذا كان “نيتشه” يقولُ مَجازا: “كل كتابة هي كتابة بالـدم”!! فهـذه كتابة بالـدم على وجه الحقيقةِ لا المجاز، ولا إخال هـذه الأوراق خرجت من تحت الأنفـاق، إلا وهي مُضمّخة بالـدم، معجونة بالعـرق والتراب.. وإن كانت تغلبُ على الكتاب صبغة “اليوميات” و”المُذكّرات”، فهو كتابٌ عجيبُ المَبنى، عظيمُ المعنى، قـدّم لنا خلاصة العقل، وجماع الفهم، وقـوة التأمل، وسطوعُ اليقيـن.. فقـد اصطبغت فيه المُذكّرات بأنظار وتأملات في التاريخ، والواقع، والاجتماع، والإنسان، فهـو يقـرأ أحداث الطوفان من خلال أحداث السّيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، ثم لا يلبث أن يتأمّل في جوهـر الإنسان، وهشاشة الكائن.. أو يكشف عـن أعاصير النّفـس، وأزمات الضمير.. حتى يدخُلَ بك في قضايا فقهية دقيقة، ممّا يتعلق بظروف المجاهدين في الأنفـاق، حول الوضوء، والصّلاة، والقبلة، وأحكام الجهاد.. الخ. ثـم يطوف بك في قضايا تتعلق بواقع العالم الإسلاميّ، وواقع الأنظمة العميلة، والشعوب العاجزة المقهورة، مما يدل على مواكبة مستمرة، لما يحدث في العالم بالرغم من حياة الأنفاق.. وهو في ثنايا ذلك يقف متدبرا في آيات وسور، مجترحا تفسيرات جديدة تتجاوز ما تواضع عليه المفسرون، فتحس كأنها نزلت في أهل الأنفاق ومجاهدي غـزة العزة.. كل ذلك مُوزّعٌ بين صَوْتـين ونَبْرتين: نبْرةُ الثقـة واليقين في الله، والإيمان بنصر قريب. مع نبْرةِ المَرارة والألـم من حجم الخذلان والجحود من البعيد والقريب.. والكتابُ إلى ذلك؛ مكتوبٌ بلغةٍ ناصعةٍ، وبيان قـويّ، وأسلوب فخـم لا نستغربه ممن تشرّب الأسلوب القرآني والحديثي وغاص في كتب التراث وهو في غضارة الحياة وطراوة الشباب..
حياة الأنفاق: ضيقٌ في المكان واتّساعٌ في المعنى
يقـدم لنا الكتاب صورا حية عن طبيعة الحياة في الأنفاق، وعـن حياة المجاهدين في باطن الأرض، فهي حياة كلها جهاد وعمل ومثابرة وكفاح.. من إعـداد المخططات والكمائن، إلى حفـر مزيد من الأنفاق، وصيانة أخرى، إلى البحث عن الماء والزاد بكل الطرق.. وفي خضم هـذه الأعمال الشاقة، تخصص ساعات لختم القرآن والذكر ومدارسة السيرة النبوية.. فتتحول الأنفاق إلى مراكز قتال ومدارس تربية وتكوين في الوقت نفسه.. أما قصص الصمود والصبر، فهي كثيرة تحبس الأنفاس، وتسمو بالهمم، وتدل على مواطن القُـدوة لمن ألقى السمع وهو شهيد.. فهؤلاء مقاتلون ظلوا بلا طعام لمدة عشرة أيام كاملة.. وأولئك أحـد عشر مقاتلا حوصروا في مستشفى “الشفاء”، وهم جرحى ومرضى فاستطاعوا كسر الحصار.. وهذا مجاهد فجّـر العُـبوة وعاد يبكي لأنه لم يستشهد، يقول لأصدقائه: سامحوني لقـد عدت!! وذاك يجهش بالبكاء لأن العـبوة لم تنفجـر وربما كان فيها حتفه!! وآخر يتصدى لعملية فدائية دون ذرة واحدة من التردد أو التفكير!! وفي هـذه اليوميات يقفُ القارئ على أسرار العمليات الجهادية، بعد أن شاهـد نتائجها فقط في الفضائيات، وشاهد المثلث الأحمر الشهير وهو على رأس الجنود الصهاينة، لكن ذلك يتطلب الكثير من الإعـداد، والكثير من الجهـد، والكثير من المخاطرة والشجاعة.. حتى لتتساءل هل هؤلاء يشبهوننا فعلا، هل هـم بعض هذه الأمة الغـثاء التي لم تحركها الإبادة قيد شعرة!! ولم تستجب حتى لدعوات المقاطعة وانقادت وراء فعل الغريزة وصوت البهيمة في داخلها!!
أصناف الساقطين في اختبار غــزة
إذا كان الإمام الغزالي تحدث عـن “أصناف الطالبين” للحق، في كتابه “المنقذ من الضلال”، فإن كتاب “الطوفان” يتحدث عـن “أصناف الساقطين” في اختبار غـزة. وللأسف، فإن أمة بكاملة سقطت سقوطا مدويا مريعا في الاختبار، ووقفت عاجزة أمام المقتلة والإبادة، ولم تستطع أن تغيث أهل غزة بالماء والطعام، فضلا عن السلاح!! بل ظهر منها من ترك العـدو وأوْغـل في أعراض الشرفاء والمجاهدين..
ـ الأنظمة العميلـة: لم يتأذى أحـدٌ بعمالة هـذه الأنظمة وخيانتها كما تأذى أهـل غـزة ومجاهـدوها، ففي الوقت الذي كانت فيه دول الغرب وأمريكا تمد الصهاينة بالسلاح والعـتاد والمال، كانت الأنظمة العربية تمعن في حصار غـزة وتمنع عنها الماء والطعام. وإذا كان قـادة حماس تضطرهم الديبلوماسية إلى التحدث بلغـة هادئة رغم الألـم والوجع، فإن القائد الشهيد يتحدث بلا مواربة. فالنظام الأردني: «من أخطر الأنظمة العربية الحاكمة، ويُعتـبر صمّامَ أمانٍ للكيان الصهيوني من جهة الشرق.. إنّ الغـرب وأعوانه يعرفون ما يمكن أن تفعله جبهة شرق فلسطين، لو استيقـظ أهلها، وتحركوا باتجاه الأرض المباركة»، (ص: 210) وكتب عن النظام المصري: «ابتُلي المصريون بأنظمة فاجـرة مُتعاقـبة.. إلى أن أوصلنا شؤم الأيام إلى السيسي عدو الله وحقبته القمعية الفاجرة التي لم تشهد مصر لها مثيلا في الظلم والقتل والسجن والفقر والضياع.. إن النظام المصري شريك حقيقي بل مباشر في حصار أهل غـزة وتجويعهم، وإغلاق المنفذ البري الوحيد في القطاع من طرفهم وبإرادتهم»، (ص: 213). أما سلطة فـتح فقـد برأت الصهاينة من الدماء وحملت المسؤولية للمجاهدين، فجريمتهم لا تعادلها جريمة يقول: «إن الانتماء لهذه السلطة جريمة شرعية، خاصة بعـد أن ظهر تعاونها مع المحتل في ملاحقة المجاهدين والمقاومين، إن ما قدمه عباس منذ 2005 وحتى الآن للشعب اليهودي يفوق ما قدمه بعض رؤساء الوزراء الصهاينة»، (ص: 216).
وبنبرة مفعمة بالمرارة والقهر يكتب: «وفي السنة نفسها، وبعد أن قتلت إسرائيل أكثر من خمسين ألف من سكان غزة، حافظت معظم الدول الإسلامية على معاهداتها مع الصهاينة، ولا حول ولا قوة إلا بالله على هذا الضياع والخذلان»، (ص 213).
قلت: لك الله أيها الزكي المحمود، فها إسرائيل بعدك قتلت مائة ألف، واسْتكملت الإبادة، وسوّت غزة بالأرض.. وهام يستقبلون قادتها استقبال الأبطال، وها هم يفتحون مكاتب الاتصال والسفارات ويجددون المعاهدات والدماء لما تجف بعد، بل شلال الدماء لم يتوقف، لعنهم الله أينما ثقفـوا..
ــ العلماء والدعاة: لم تحظ فـئة في هـذا الكتاب بالاهتمام أكثر من فئة العلماء، وهذا أمر طبيعي فالمجاهدين بمرجعيتهم الإسلامية، ينتظرون من علماء الأمة أن يقوموا بواجبهم في نصرة غزة والانتصار للمجاهدين، ولكن خيبتهم كانت كبيرة، وإحباطهم كان شديدا.. يتحدث القائد الشهيد عـن علماء السوء خاصة من طائفة المزابلة الذين شاهدناهم على الفضائيات ينهشون لحم المجاهدين، ويختصم أمامهم عند الله. ويتحدث عن إمام الحرم المكي والمدني، فيقول: «ليس مقاما سهلا أن تكون إماما لأحد الحرمين الشريفين.. يا حسرة على إمام الحرم إذا كان يظن نفسه قارئا ذات صوت ندي، يؤدي مهمة الصلاة ثم يفر إلى بيته»، (ص 251) غير أن الخذلان والألـم لم يمنعا الشاهد الشهيد من الإنصاف، فهـو يرد على من اتهم العلماء بإطلاق: «وقـد زعم قـوم أنه لا خير في علماء الأمة بالمطلق، وهـذا لا يرضي الله، بل الأمة مليئة بالخير العظيم.. وأكثر ما سرّ قلوبَنا هـو تداعي ثلة من العلماء وأهل الخير من العلماء وأهل الرأي، بمبادرة ودعوة كريمة من هيئة علماء فلسطين لصياغة ميثاق العلماء حول الطوفان»، (ص 247)
ـ وتحت عنوان: أين علماء الحداثة؟ كتب الشهيد محمد زكي: «التنويريون والعقلانيون كما يحبون أن يدعـوا، والظلاميون كما أحب أن أصفهم، لقد كان لهم تأثيرٌ سلبيٌّ كبيرٌ على عقول الشباب.. ومنذ بدايةِ جولة طوفان الأقصى، واندلاع المواجهة، لم نسمع صوت عدنان إبراهيم والكيالي ولا أتباعهم.. إن هذه المعركة قد كشفت مفاصل الأمة، لقد عرفنا العدو من الصديق، لقد صمت الكثيرون صمت القبور.. لكن إن جاءتهم قضية عقلية تظهر عضلاتهم سارعوا لبثها.. هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم»، (ص251)
قلت: لقد سمعناه يا حمد، ويا ليته ظل صامتا، بل باع دينه بدنياه، وأولغ في عرضك ودمك، ومدح قاتلك والمتواطئ مع إبادة أهل غزة، عليه من الله ما يستحق..
هذا فيض من غيض، فالحديث عن الكتاب لا ينتهي وإنما هي دعوة للشرفاء والأحرار لقراءة الكتاب وتداوله ونشره.. فهو جزء من معركة الطوفان..