اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || التحوّل اقتحامٌ للعَقبة ح8
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرّوحية
التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى
التحوّل اقتحامٌ للعَقبة ح8
بقلم: عبد الصمد الخزروني
معنى الاقتحام
تحمل كلمة الاقتحام معنى الدخول في شدة، وهذا يحتاج إلى إرادة وشجاعة وإقدام. وكذلك التحول بنفس المعنى، أن تقتحم العقبات والصعاب والشدائد بإرادة قوية وشجاعة وإقدام. في سورة البلد يخبرنا الله تعالى عن هذا الاقتحام، وماذا نقتحم، وما يمنع من الاقتحام، وكيف يكون هذا الاقتحام. نعرض السورة أمام أعيننا لتكون سهلة للقراءة وقابلة للتدبر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ](البلد:1-20).
العقبات الثلاث
في البداية يُخبرنا الله تعالى عن حقيقة الإنسان بأنه خلقه الله تعالى في كبَد وتعَب ونصَب. وبأن هذا الشقاء الذي يعيشه هذا الإنسان في حياته الغارقة في العبث والفاقدة للمعنى هو نتيجة صفات ذميمة يتصف بها، وهي: الاستكبار (الفرعونية) نسبة إلى فرعون، والفساد (القارونية) نسبة إلى قارون، والغفلة (الباعورائية) نسبة إلى بلعم بن باعوراء. وهي صفات كما تجعل حياة الإنسان شقية، فهي كذلك تمنعه من أي تحوّل وسلوك نحو اليقظة الروحية.
وسط هذا الشقاء الذي أَغرق فيه الإنسانُ نفسَه يُذكّره الله تعالى بأن يستعمل ما منحه من نِعم عظيمة باعتبارها آليات ليَخرج منه سالما غانما. أن يَستعمل: نعمة البصر بالعينين ليتفكر في كتاب الله المنظور لعله يعتبر بآيات الله في خلقه، ونعمة الكلام باللسان والشفتين ليتدبر في كتاب الله المسطور لعله تُزجره آياتُ الله القرآنية وتوقظه. لأن ما ينتظر هذا الانسان عظيم؟ ينتظره أن يقتحم العقبة إلى الله تعالى، تلك العقبة التي عظّم الله شأنها بقوله: [وما أدراك ما العقبة]. فهي شديدة وصعبة. إنها عقبة بثُلاثية الأبعاد: النفس الأمارة بالسوء، والدنيا الفانية الفاتنة، والشيطان الوسواس الخناس.
برنامج الاقتحام
ولتجاوز كل هذه العقبات بسط له الله تعالى برنامجا كاملا وشاملا وفق الخطوات التالية:
أولا: لتجاوز عقبة النفس أهاب الله تعالى بالإنسان أن يفكّ رقبته، وذلك بتحرير النفس حتى تكون خاضعة لله تعالى لا لغيره. بقوله: [فكّ رقبة].
ثانيا: لتجاوز عقبة الدنيا حثّه الله تعالى على البذل والإنفاق والإكرام والصدقة والمبادرة بأعمال الخير، وذلك لتحرير النفس من أمراض الأنانية والشح والبخل، بقوله: [أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة].
ثالثا: لتجاوز عقبة الشيطان أمره الله تعالى أن ينضمّ إلى جماعة المؤمنين وينخرط في مشروعهم، وذلك لتحرير النفس من العزلة والفردانية والإسلام الفردي. بقوله: [ثم كان من الذين آمنوا].
وفي حالة تجاوز الإنسان لهذه العقبات واقتحامها كلّها يكون قد وصل إلى قمّة العقبة، وتحققت له اليقظة الروحية الكاملة، وعُدّ من أصحاب الميمنة. أما في حالة عدم تطبيق هذا البرنامج وبقي الإنسان أسفل العقبة أسيرَ نفسه والدنيا والشيطان، فتكون النهاية شقاء وخسارة كبيرة.
الاقتحام الجماعي
فما تعنيه اقتحام العقبة في حق الفرد تعنيه أيضا في حق الأمة. فهي أيضا مطالبة باقتحام العقبة لتنال عزتها وشرفها بين الأمم. فتكون العقبة من ثلاثية الأبعاد أيضا: العقبة السياسية، وتتمثل في مرض الاستبداد. والعقبة الاقتصادية، وتتمثل في مرض الفساد، والعقبة الاجتماعية، وتتمثل في مرض الغثائية والتشتت والانعزالية.
فلتجاوز عقبة الاستبداد لا بد من تحرير رقبة الأمة من استبداد الحكام بالشورى. ولتجاوز عقبة الفساد لا بد من تحقيق العدل لتحرير الأمة من الظلم والتبعية للخارج. ولتجاوز عقبة الغُثائية والتشتت لا بد من تحقيق وحدة الأمة بتوحيد صفوفها وجمع شتاتها حتى تصبح قوة لا تقاوم ولا تساوم. بهذا الاقتحام الفردي والجماعي للعقبة تتمّ اليقظة الكاملة للإنسان. لأن مصير كل فرد مرتبط بمصير أمته. فما يضرها يَضرّه، وما يسُرّها يسُرّه.
قصة بلعم بن باعوراء
قال الله تعالى يحكي عنه:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾[الأعراف: 175].
جاء في كتب التفسير قال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه، فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لم تضربني؟ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي. فرجع وأخبر الملك، فقال له الملك: لتَدعُونَّ عليه أو لأصلبنّك، فدعا على موسى بالإسم الأعظم بأن لا يدخل المدينة، فاستُجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام.
قال موسى عليه السلام: فكما سمعتَ دعاءه عليّ فاسمع يارب دعائي عليه، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: “فانسلخ منها “.
مقاومة التّحول
ملاحظة تبدو أكثر من منطقية، تتمثل في وجود القليل ممن يحدثون أنفسهم بالتحول، بينما الكثير من الناس يرغبون في البقاء على ما هم عليه. وحتى إن جاءهم الحافز من الخارج بعدما غاب من داخلهم، لا يقبلون ولا يستجيبون. من المدهش جدا أن يمارس الناس جميع الرياضات على اختلافها، ويشيدون بأبطالها، لكنهم يترددون في ممارسة رياضة واحدة، وهي الأهم في حياة الإنسان. فهم لا يريدون ممارستها ولا تجريبها. لا يريدون أن يعرفوا شيئا عنها ولا عن أبطالها. إنها رياضة ترويض النفوس. قال الله تعالى عنها: [ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها] (الشمس:7-10).
فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يقاوم الإنسان عملية التحول ويرفضها حتى وإن كانت بهذه النهاية الرائعة؟ بتعبير آخر: لماذا يختار الانسان البقاء على حالة العبث بدل أن يتحول إلى حالة المعنى؟ لماذا يفضل الغفلة عن اليقظة؟
في البداية لا نشك في أن هناك توجيه إعلامي وثقافي خطير ومُتعمّد ومخطط له حتى يبقى الإنسان على حالة العبث. وذلك بإغراقه في الماديات بشكل مفرط وفظيع. هذا موجود نراه يوميا عبر وسائل الإعلام، ولا ينكره أحد. وهو عائق خارجي موضوعي كبير له خطورته. إلى جانب هذا العائق هناك عائق داخلي ذاتي يكمن في التصور الذي يحطم إرادة التحول. وهذا العائق عبارة عن فرضيات في شكل أسباب. منها:
1-ربما يريد الإنسان أن يظل وهو يعيش في وهم الإحساس بالأمان، فطالما هو مقتنع بأنه يمتلك كيانا واحدا هو الكيان المادي فلا حاجة له للتفكير في التحول المطلوب.
2-ربما يعرف جيدا أن العلم لا يمكنه تقديم الإجابات الكاملة عن الأسئلة الكبرى، ومع ذلك يفضل البقاء مع ما يراه أمامه واضحا.
3-ربما الإيمان بما وراء الكيان المادي خرافة، وأمر لا يستسيغه العقل، ومع ذلك يؤمن بأمور لا يراها.
4-ربما يقاوم الانسان التحول لأنه يخشى تجربة أشبه ما تكون بالمغامرة، وبشيء غير مفهوم عنده.
5-ربما اعتاد الانسان على أن مثل هذه التجارب في التحول هي من اهتمامات الأولياء والصالحين فقط، أما غيرهم فاهتماماتهم في درجة أدنى، درجة عامة الناس.
6-ربما ما اطلع عليه وتعلمه في المدرسة يُشعره أن تلك المحاولة في تحقيق التحول يتعارض مع تعاليم الدين البسيطة. فهو ما تعلم أن هناك تحول أفضل، أو مسارعة في الخيرات، أو ارتقاء في الدرجات، أو تحقيق للمقامات.
وفي النهاية ربما يقاوم الانسان التحول ليس لوجود سبب من هذه الأسباب السابقة ولكن لأنه يشعر أنه غير مستعد لتجاوز حياة رسم حدودها بنفسه، فقد حقّق طموحه الذي كان يعمل من أجله، ويريد الوصول إليه. فهو إذاً لا يريد بعد هذا الوجود الطموحي ما يثير له القلقَ والضغوط التي تضعه في صراع مع نفسه وجها لوجه للسموّ والرقيّ عن حياة معتادة إلى حياة المعنى والوجود النوعي.
فجميع ما ذكرناه من الفرضيات التي قد تكون أسبابا تجعل الإنسان يقاوم التحول، هي صادرة عن النفس. ولذلك فهي المتّهمة أولا وأخيرا في الوقوف كعائق أكبر من غيره في تحقيق التحول المطلوب. فحتى تُلجم هذه النفس وتُردع من أجل أن يقبل الإنسان بهذا التحول ويمارس عمليته لا بد من شرط ضروري يُسهّل ويُيسر ويحتضن العملية. وهو شرط الصحبة.
التحوّل المزيّف
الناس عبر التاريخ ما فتئوا يبحثون عن السعادة، يجربون الطرق الموصلة إليها، يبحثون عن الإجابات المقنعة عن الأسئلة المؤرقة حتى يعيشوا السكينة والطمأنينة والأمن. لكنهم أيضا يريدون دفع أقلّ ثمن لذلك. يريدون التحول أن يكون سهلا، والسلوك أن يحتاج إلى قليل من الجهد، إن لم نقل دون جهد على الإطلاق. وفي نفس الوقت أن يحصلوا على يقظة روحية عالية. هذا التفكير استغلته حركات زعمت أنها تمتلك مفاتيح هذه السعادة، وهذه اليقظة. انتظمت أفكارها حول مسألتين أساسيتين كما يشير إلى ذلك “إريك فروم” في كتابه “فن الوجود” هما: تحرر الجسد وتحرر العقل من القيود التي تقيدهما بها الحياة التقليدية. وأشار أيضا إلى أن هذه الأفكار اعتمدت توجهين:
الأول: التحليل النفسي، لتحرير الجسد وجعله خفيفا من خلال التخلص من التوترات والقمع.
الثاني: طريقة التأمل، لتحرير العقل وجعله صافيا، وذلك بالتركيز على أشكال اليوغا وبوذية الزّن.
فكانت هذه الحركات التي ظهرت في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين تبشر بطريق مختصر نحو الخلاص. وهو ما لم يتوقعه الكثير من الناس. في الخمسينات والستينات من نفس القرن ظهرت حركات جديدة تبشر بطرق جديدة نحو تحقيق اليقظة. الجديد عندها هو صياغة برنامج يجمع بين ما سبق من التحليل النفسي والتأمل الفائق مع أمور أخرى تحقق الإدراك الحسي والمرح والتبصر ومعرفة الذات والاسترخاء وتأثيرات أكثر عاطفية.
وبهذا تَشّكل سوقٌ واسع من البرامج التدريبية للمتاجرة بالخلاص الفردي باستعمال ما يسمى بـــ”التّعويذة”[1]. يعلّق “إريك فروم” على عمل هذه الحركات بقوله:” لكن ربما تكون الكذبة الكبرى هي الوعد -صراحة أو مواربة – بالتغيير الجذري في الشخصية، بينما يكون كل ما يمنحه هذا التدريب هو مجرد تحسين آني للأعراض، أو في أحسن الأحوال تحريض للطاقة وبعض الاسترخاء. إن هذه الأساليب في جورها هي وسيلة لشعور أفضل، وتحسن وفقا للمجتمع، وذلك دون تغيير أساسي في الشخصية”[2].
وبعد تقييمه لحجم الضرر الذي يصيب المنتسِب إلى مثل هذه الحركات، والذي يتمثل في دعم العبادة الوثنية، ودعم تسليع القيم، ودعم روح التسويق الإعلاني المزيّف، يضيف:” وفي النتيجة فإن عقل الفرد يصبح حائرا ومليئا بأوهام جديدة بالإضافة إلى أوهامه السابقة التي يجب التخلص منها”[3]. بمعنى أن هذه الحركات بما تبشره من طرق سهلة لتحقيق التحول المزيّف، إنما تحجب الطريق الحقيقية أمام الناس نحو اليقظة. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله أحد الخبراء بالسلوك والتربية:” هل من رحلة إلى السعادة الكبرى لا يكون في طريقها عقبات ولا امتحان، ولا إرادة ولا اقتحام! نَم هادئا”[4].
فلا بدّ للإنسان أن يكون واعيا بالصحبة والمعية، واعيا بالعمل والحركة، واعيا بالخطوات التي يقدم عليها. فطَرْقُه لباب الله عز وجل أولا يدعوه ويستخيره ويرجوه سبحانه هو المسلك الوحيد الضامن للبداية الصحيحة. ومن أشرقت بدايته أشرقت نهايته. ثم استشارته ثانيا لأهل العلم والتربية الثقات، وملازمة غَرْزهم عمل مبارك لا يقلّ أهمية عن العمل الأول في الاستخارة.
[1]– التعويذة: كلمة هندوسية، عبارات مقدسة تكرر أثناء الصلاة أو التأمل أو التقمص.
[2]– اريك فروم، فن الوجود، ص:36.
[3] – نفس المرجع، ص:39.
[4] – ياسين عبد السلام، تنوير المؤمنات ج1، ص:7.
اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || مراحل التّحول ح5
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || عَقبات في طريق التّحول ح6
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || التّحول سلوك ح7