اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرّوحية
التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى
معنى التّحول ح4
بقلم: عبد الصمد الخزروني
اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
لتحقيق هذه اليقظة الروحية لابدّ من تحول حقيقي في الحياة، الذي لا يقف عند الشكليات والسطحيات والمظاهر، وإنما ينفذ إلى الأعماق والجواهر. وقد رأينا كيف جعل الله تعالى هذا التّحوّل سنةً كونية في حياة المخلوقات كلّها، ويتمّ بأشكال مختلفة. إلا أنه في حياة الإنسان أبْين وأوضح وأوسع. إذ لا يقتصر على مستوى الجسد الظاهر، بل يتعدى إلى العقل والنفس والقلب والروح. فيتحوّل العقلُ من خلال التفكر إلى عقل متنور، وتتحول النفس من خلال التزكية إلى نفس مطمئنة، ويتحول القلبُ من خلال التربية إلى قلب سليم، وتتحول الرّوح من خلال اليقظة إلى روح متحررة لا يحدّها زمان ولا مكان في ملك الله وملكوته.
فكما للعقل جولات وصولات، وكما للنفس رغبات وشهوات، وكما للقلب أنوار وواردات، كذلك للروح أحوال ومنازل ومقامات. هذا في اتجاهه الإيجابي نحو الأعلى. فقد يكون التحول أيضا سلبيا في اتجاه آخر نحو الأسفل، نحو سفاسف الأمور. وهذا التحول السّلبي إن وقع للإنسان فهو العبث والعمى والضّياع للمعنى.
معنى التحول
التّحول في توضيح بسيط من دون الرجوع إلى المعاني اللّغوية والاصطلاحية التي تدل على التبدّل والتغيّر والانتقال من حال إلى حال آخر، التّحول هو الرغبة في حياة أفضل وأحسن، هو عبور الإنسان من إحدى البوابات التي لن تسمح له بالعودة ثانية إلى الوراء لعيش ما اعتاده وألِفه سابقا من حياة لا تليق به كإنسان مكرّم. وقد عبّر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله: “وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار“[1]. وفي توضيح بسيط آخر هو الوقوف على أرض جديدة ترتقي فيها الروحُ إلى أعلى مدارج السموّ الإنساني وكماله.
ويمكن أن نشبّه هذا التحول على المستوى القلبي والروحي بعملية تبخر الماء، فعندما يعيش الإنسان أزمة روحية ينتابُه شعور داخلي عميق يحدث له التوتر والغليان كغليان الماء، لا يسكن روعُه ولا يهدأ بالُه حتى تُولد روحه من رحم النفس ومَشيمتها كما يتولّد البخار من الماء تحت درجة المائة، وتعلو الروح في السماء كما يعلو البخار، وتتمدد في الهواء وتتسع كما يتمدد البخار ويتسع. إنها مرحلة الحرية والصفاء بالنسبة للروح من سجن طباع النفس وشرورها وظلماتها.
وحالة نجاح عملية التحول بذلك السلوك الكامل سيظهر للإنسان ما كان خافيا، وسيتضح له ما كان غامضا، وستصير الأسرار المكنونة بداخله أنوارا مُتجلّية في ظاهره، في الشكر والتفكر، وفي الحب والجمال، وفي الإبداع والانسجام. فمن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. يُسمي البعض هذه التجربة بـــــ “الولادة الروحية”، أو “الولادة الثانية”، والبعض الآخر يسمّيها بــــــ “اليقظة الروحية”، أو “اليقظة القلبية”، والبعض الآخر بــ” مرحلة الذروة”، أو “النقلة النوعية”. أيّاً كان الاسم فهي في آخر المطاف تجربة رائعة ومميّزة، لا يمكن أن تكون إلا التعبير الحقيقي عن السعادة وعن المعنى.
التّحول الواعي
إن خوض هذه التجربة بأن يكون الإنسانُ أفضلَ وأحسن وأجمل هو أمر مطلوب ومستحسن شرعا وعقلا، لكنها تكون المغامرة ما لم تنطلق من تحول في الوعي أولا لتصبح قناعة راسخة. فلا يكفي للإنسان أن يكون صالحا لمجرد المحاولة، بل لا بد له أن يستشعر بالخير الذي بداخله كخطوة أولى، ويسمح له بالظهور كخطوة ثانية، وهذا الظهور لا يمكن له أن يتمّ ما لم يتغير شيء أساسي في الوعي، الاقتناع بضرورة التحول الكامل من أجل تحقيق حياة المعنى. الاقتناع بأن الطريقة التي عاش بها في الصباح لا يمكن أن يعيش بها في المساء. فالتغير الذي حصل في الزمان والمكان والحال يفرض التحول المطلوب في العقلية والنفسية.
ويخضع التحول لما يخضع له كل تحول مادي من وعي بطريقه، ومن تدرج وخطوات في تحقيقه. إذْ لا يمكن لمن كان نائما نوما عميقا أن ينهض منه بشدة فائقة فإنه يتضرر، بل لابد من استرجاع وعيه شيئا فشيئا. ولا بد لمن كان غافلا عن الطريق أن يعطي لنفسه الوقت اللازم ليعرف أين هو، وأين الطريق الصحيح. ثم إذا استرجع وعيَه وعرف طريقه الصحيح ألا يسلكه بالتشدّد والحماس وحرق المراحل. فــ” إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى“[2]. المنبتُّ هو الراكب الذي يسبق القافلة وينقطع عن أصحابه في السفر فيرهق دابته. فلا هو يصل إلى المقصود، ولا هو يترك دابته حيّة. فيكون قد خسر الهدف والوسيلة معا.
التّحول الحَقيقي
كلنا يعلم أنّ الإنسان جسد وروح، وأن الروح فيه هي الأصل والجوهر بينما الجسد طارئ ومظهر، وأن الروح ثابتة لا تتغير بينما الجسد يتغير من سنة إلى ستين سنة فأكثر إن قدّر الله له ذلك. إن كان الجسد مؤقتا ومرتبطا بالحياة الدنيا فإن الروح خالدة، كانت قبل الحياة الدنيا في عالم الذرّ، وكائنة أثناءها في عالم الشهادة، وستكون بعدها في عالم البرزخ حتى تنتهي رحلتها إلى عالم الآخرة. الروح مصدرها سماوي نفخة إلهية، [فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] (الحجر:29)، فهي نور، أما الجسد فمصدره أرضي قبضة طينية من تراب فهو ظلمة. ولهذا كان على الإنسان في صورة شخصيته الحقيقية أن يشبه أصله وجوهره الذي هو النور، فيظهر ذلك النور على وجهه، وفي كلامه، وفي سلوكه وأفعاله.
نتخيّل بين أيدينا تفاحة، ثم قطعنا منها شطيرة، وبعد أن أخفينا التفاحة قلنا لأحد الحاضرين: لمن يشبه هذا الجزء؟ بكل تأكيد سيجيب: إنه يشبه التفاحة لأنه مقطوع منها. كذلك الإنسان كائن روحي فعليه أن تغلب عليه الروحانية وليس المادية، النورانية وليس الظلمانية. ولما أهمل الإنسان أصله الروحي واهتم بجسده الطارئ والمؤقت كان من الطبيعي جدا أن يشبه جسده الترابي في قساوته وصلابته وظلمته لينسحب ذلك كله على كلامه وسلوكه وجميع أعماله.
هذا من جهةِ أن الروح هي التي تضفي النورانية على الإنسان حين يهتم بها ويربطها بمصادره النورانية. ومن جهة أخرى فإن الروح هي التي تعطي للجسد الحركة وإلا لبقي جثة هامدة، وكذلك يكون حين تخرج منه يعود جثة هامدة. نتخيل مثالا لهذه الفكرة، عندما تأخذ نفّاخة غير منفوخة فتضعها على الأرض فهي لا تبدي أي حركة بنفسها، حتى إذا نفخت فيها من الهواء كما ينفخ الملَك الروحَ في الجسد وهو في بطن أمه، خفّت النفّاخة المنفوخة وتحركت لمجرد دفعٍ بيد أو ريح قليل. وعندما يخرج منها الهواء كما تخرج الروح من الجسد عند موته عادت النفّاخة جسما رخوا لا يتحرك كما كان.
الحكم في حركة النفّاخة للهواء وليس لجسمها البلاستيكي، وكذلك الحكم في حركة حياة الإنسان للروح وليس للجسد بعظمه ولحمه وشحمه. فالأولى أن نهتم بمنبع الحركة الحياتية الذي هو الروح وليس الجسد. وبطريقة تلقائية عندما تهتم بالروح تفرض عليك أن تهتم بالجسد لأنه يحتويها، ولا بدّ للوعاء الذي يحتوي الجوهرة المضيئة ويحميها من المؤثرات الداخلية والخارجية أن يكون في مستوى اللائق بالجوهرة، من حيث اختيار الغذاء ونوعه، وممارسة الرياضة واتخاذ أجمل اللباس وأنظفه.
انتصارُ النّورانية
في معركتنا مع فتنة الشيطان المخلوق من النار، غالبا ما ينتصر على من غلبت عليه الترابية نتيجة اهتمامه بالجسد، لأن النار تحرق التّراب، بينما لا يستطيع الشيطان بنيرانه الفتنوية أن ينتصر على من غلبت عليه النورانية، بل ينهزم أمامه شرّ هزيمة، لأن النور يُحرِقُ النار. وهو الذي أورد الله تعالى قوله في القرآن، قال: [فبعزّتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المُخْلَصين] (ص:82-83)، فقد استثنى المخلَصين لعدم قدرته على نورانيتهم العالية. ولمّا أُلقي سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار لم تحرقه، لماذا؟ لأن شخصيته غلبت عليها النورانية. ولمّا سُئل الشيطان عن سيدنا عمر رضي الله عنه، قال: ذلك رجل أخاف منه، عندما يسلك فجّاً أسلُك فجّاً غيره. ماذا يخاف فيه الشيطان؟ يخاف فيه نورانيته العالية أن تحرقه.
فما كانت دعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلا لإخراج الناس من ظلمات الفتنة التي تغشى أجسادهم وقلوبهم إلى نورانية قلوبهم وأرواحهم وعقولهم التي بها تستنير أجسادهم. ولو لم يكونوا هم أشخاصا نورانيين أولا لما استطاعوا تنوير غيرهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور.
وعلى هذا فمن أراد أن يُحدث التحول الحقيقي والتغيير المثالي في حياته لتحقيق “المعنى” وتحقيق “معنى المعنى”، فعليه أن يحدثه على مستوى الروح الذي يمثل حقيقته الذاتية، وليس على مستوى الجسد، كما هو شائع في دنيا الناس، والذي أغلب الإشهارات التلفزيونية تُبَثّ من أجل ترسيخه وترويجه. ولأن القيام بهذا التحول والتغيير على مستوى الروح يجعل الإنسان وجها لوجه أمام نفسه الأمارة بالسوء، وما يترتب عن ذلك الصراع من متاعب ومصاعب من أجل التغلب عليها، يكتفي الإنسان بإحداث التحول أو التغيير على مستوى الواجهة أي الجسد ليخفي الظلمة لعلّ ومضة من النورانية تبدو عليه، وأنى له ذلك وقد فقد الاتصال بمصدر النور.
والتحول على مستوى الروح هي ولادتها من جديد من رحم النفس ومشيمتها، هي تحريرها من القفص، فهي تحب الحرية، تحب التمدد والتوسع والانبساط، نشيدها الدائم: “من فضلك لا تضَعني في قفص”، فلا يعقل أن يأبى الإنسان السجن لجسده، بينما يُحب حبْس الروح في داخله كطائر في قفص. التحول على مستوى الروح هو بتعبير آخر دخول من باب ظاهره الظلمة وباطنه النورانية، باب يستحيل الرجوع منه، لأن هناك أبواب أخرى تنتظر الدخول منها إلى رحاب هي أكثر نورانية.
تظهر لنا هذه الحقيقة جلية وناصعة يوم القيامة، يومئذ نتأكد من أصلنا ونعرف جوهرنا من شكلنا. يقول الله تعالى: [يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم] (الحديد:12)، ويقول كذلك سبحانه: [يوم لا يخزي الله النبيء والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير] (التحريم:8).
فيوم القيامة يكون أصحاب المعنى من المؤمنين والمؤمنات في النور يحيط بهم من كل جانب يضيء لهم الطريق، بينما المنافقون يكونون في ظلام لا يرون الطريق ولا ما حولهم، مما يدفعهم إلى أن يطلبوا النور من المؤمنين. يقول الله تعالى يحكي عنهم: [يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا] (الحديد:13). فظهور النورانية يوم القيامة مرتبط بالتماسها في الدنيا، وذلك من خلال الاتصال بمصادرها والاقتباس من منابعها. أما الافتتان بالدنيا والتربص بالمؤمنين والارتياب والتسويف في العمل والاغترار بالأماني كل ذلك يبعد عن مصادر النور ومنابعه ويقرّب من مصادر الظلمة ومنافذها.
سُمُوّ الروح
إذا اقتنعنا بأن الإنسان جسد وروح، وأن الروح سماوية تحمل نورا من مصدرها الإلهي، وأن الجسد أرضي يحمل ظلمة من مصدره الترابي، فإن كل سمو بالروح وارتقاء بها في السلم الإيماني والقيمي والأخلاقي يزيد من نورها من جهة، ومن جهة أخرى يضعف وينقص من ظلمة الجسد. حتى يصير الإنسان خفيفا نشيطا. وكلّ اهتمام بالجسد على حساب الروح يزيد من ظلمة الجسد وكثافته وثقله، ويسجن الروح ويشدّها إلى الأرض حتى لا تسمو. فيصير الإنسان بذلك ثقيلا خاملا.
إذا حاولنا أن نجرد بعض الأمور التي تسمو بالروح وتزيد من قوتها ونورها ومعنوياتها سنذكر منها:
– على مستوى القلب: توثيق علاقته بالله عز وجل، واستبطان كل خصال الخير فيه من محبة وتسامح وصدق وإخلاص. والإقبال على ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه.
– على مستوى العقل: استدعاء الأفكار الإيجابية واستبعاد الأفكار السلبية (الخواطر)، وتخصيص وقت للتفكر في الصباح والمساء، أو في أي وقت ممكن، وذلك للتفكر في النفس، وفي الدنيا والآخرة، وفي السماوات والأرض. وكذلك تخصيص وقت للمذاكرة العلمية والقراءة والاطلاع.
– على مستوى الجسد: من حيث النوم أن يكون على أفضل العزائم وضوء وذكرا ودعاء، وعلى غلبة، والتبكير له استعدادا، والتبكير منه استيقاظا. ومن حيث الأكل والشرب، اختيار الأطعمة المناسبة التي لا تضر بالجسم، والتقليل منها، والصوم خير علاج. من حيث السماع، خير ما يسمعه الإنسان القرآن، وكل ماله علاقة بالقرآن. فإن كان ولا بد من شيء يُروّح به عن النفس فاستماع بعض الأناشيد والأمداح والموسيقى الهادفة. من حيث المشاهدة، فلا تقع البصر إلا على ما هو جميل تنشرح له النفس، ولا يتعدى ذلك. فلا يشاهد صورا فيها دماء أو عنفا أو مخلة بالحياء. وقد قيل: النظر إلى القرآن، أو الوالدين أو البحر فيه أجر وحسنات. من حيث المكان: أن يكون نظيفا ومنظما ومعطرا، إن وجدت فيه صور فينبغي أن تحمل آيات أو حِكما أو مناظر طبيعية.
ولا ينبغي الدخول إلى الأماكن المشبوهة فإنها تؤذي بسوء ظن الناس وتأويلهم. من حيث الروائح أن تكون عطورا زكية وبخورا طيبة، أما التي تشمئز منها النفس وتكرهها فاستعمالها مما يضعف الروح ويخنقها. من حيث الصحبة، فاختيار رفقة الصالحين الذين سمت أرواحهم، والتي تنفع صحبتهم في الدنيا بالتعاون على البرّ والتقوى، وفي الآخرة بالشفاعة والبركة. كل هذه الأعمال من معالي الأمور التي يحبها الله عز وجل وتنتفع بها الروح وتتغذى بها وتسمو بها.
[1]– رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
[2]– رواه البزار والحاكم والبيهقي، وذكره ابن الأثير في النهاية، مثل يُضرب في الإفراط في الشيء.