اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرّوحية
التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى
دواعي اليقظة الروحية ح3
بقلم: عبد الصمد الخزروني
اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
بعدما تحدثنا عن معنى اليقظة الروحية وما قيل عنها وبعض مجالاتها في الحلقة الثانية، سنتحدث في هذه الحلقة الثالثة عن أهمّ الدواعي إليها، والتي ركّزنا فيها على ثلاثة ظاهرة للخاصة والعامة، وهي: بلوغ سنّ الأربعين، وقابلية الارتقاء والتحول لدى الإنسان، وكونُ التّحول سنّة كونية.
الأربعين سنة: إنّ من دواعي الإقبال على هذا التّحول والبحث عن تحقيق اليقظة الروحية أكثر فأكثر بلوغُ الإنسان رجلا كان أو امرأة سِنّ الأربعين فما فوق. إذْ تعتبر هذه المرحلة من العمر منعطفا خطيرا يحتاج إلى وقفة تفكر وتأمل، ومُفترق طرق يحتاج إلى توبة ويقظة، لأنها مرحلة نضج كامل كافٍ للحسم مع ماض ربما قد عرف من الفتنة والتيه والضياع ما عرف، والانتقال إلى حاضر يُدشّن فيه الإنسانُ بتوبة انقلابيةٍ حياةً تعرف الجدّية والسمو والمسؤولية. يقول الله تعالى: [حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي، وأن اعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك وإني من المسلمين] (الأحقاف:15). فهي توبة ثانية في حياة الإنسان. توبة لا تقف عند تقدير الذات بالعمل الصالح فقط، بل تتجاوزها إلى الآخر ابتداء من تقدير ذوات الوالدين بالإحسان، وتقدير الذرية بالصلاح والإصلاح، وتقدير المسلمين بالكينونة معهم قلبا وقالبا.
في هذا السياق اُورد تجربة قام بها خبراء ذكرها الدكتور واين داير المتخصص في التنمية البشرية في كتابه “النقلة”. هذه التجربة تُبين أهمّ المراحل التي تعبّر عن الاهتمامات الإنسانية التي تسبق اليقظة الروحية عند الرجل والمرأة. وتبين أيضا أهمّ المراحل التي تليها وتأتي بعدها. والشاهد في ذكر هذه المراحل هو الوقوف على المرحلة الحاسمة في حياة الإنسان حين يصل إلى عتبة الأربعين سنة من عمره.
فبالنسبة للرجل تكون اهتماماته حسب ترتيب الأولويات، كما يلي:
– قبل اليقظة الروحية هناك خمسة اهتمامات: الثروة بجمع المال، المغامرة بغرض حب الاستطلاع، الانجاز لتحقيق المستقبل، المتعة بتحقيق الرغبات، والاحترام لتقدير الذات.
– بعد اليقظة الروحية هناك خمسة أيضا: الرغبة في التوبة، حبّ الهدوء، الاهتمام بالعائلة، الاستسلام لمشيئة الله، والاستقامة في السلوك.
أما بالنسبة للمرأة فاهتماماتها تكون حسب ترتيب الأولويات، كما يلي:
– قبل اليقظة الروحية هناك خمسة اهتمامات: العائلة، الاستقلالية، المهنة، القوام الجميل، والجاذبية.
– بعد اليقظة الروحية هناك خمسة أيضا: تطوير الذات، احترام الذات، التوبة، السعادة، والإحسان.
وقد تم تحديد هذه الاهتمامات عند الرجل والمرأة وترتيبها حسب الأولويات بناء على الاستجواب والاتصال المباشر مع الناس[1].
قابلية الارتقاء: كذلك من دواعي الإقبال على هذا التحول والبحث عن تحقيق اليقظة هو ما أودعه الله تعالى في داخل الإنسان من قابلية الارتقاء نحو الكمال البشري. وقد شهد التاريخُ الكثير َمن النّماذج في هذا الكمال التي عرضها القرآن الكريم في آيات تُتلى، وهي نماذج كافية لهذا الإنسان بمجرد أن يطّلع عليها حتى تتوقّد همّتُه وتشحذَ عزيمتُه فيلتَحقَ بركب أصحاب اليقظة الروحية. يقول الله تعالى: [لقد كان لكم فيهم إسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد] (الممتحنة:6). ويقول كذلك سبحانه وتعالى: [أولئك الذين هدى الله فبهداهُم اقتده، قل لا أسألكم عليه أجرا، إن هو إلا ذكرى للعالمين] (الأنعام:90). وعلى هذه القابلية للارتقاء نحو الكمال البشري رتّب الله تعالى السّباق إلى مغفرته وجنته، والعجلة إلى رضاه، والفرار إليه سبحانه.
وما بتنا نقرأه ونسمعه من عقلاء العالم في الآونة الأخيرة من حديث عن رغبة البشرية الملحة في تغيير حياتها الممِلّة والرتيبة إلى حياة تجد فيها معنى وجودها، لخير دليل على أهمية هذه اليقظة الروحية بالنسبة للبشرية جمعاء لإخراجها من الجحيم الذي تعيش فيه، والذي دفع بكثير من الناس إلى الانتحار، لأنهم إما لم يقدروا على إيجاد هذا الحل لأنفسهم أو لأنهم فشلوا في إيجاد من يدلهم عليه. ولو فُتح الطريق أمام الحركات الداعية إلى اليقظة الروحية والعاملة على مساعدة الناس على تحقيقها لاستقبلها ورحب بها هؤلاء وغيرهم ممن ينتظرون الخلاص أن يأتيهم من هنا أو هناك أيما استقبال وأيّما ترحيب، قبل أن يدبّ اليأسُ إلى قلوبهم.
فالتفكير في الإنسانية بصفة عامة وما تتعرض له من تهديد نووي، ومن حروب دامية، ومن فقر وجهل ومن مرض واستلاب واغتراب، يعتبر من المسؤوليات الأخلاقية التي لها علاقة وطيدة باليقظة الروحية. فهذه الأخيرة كما تهتمّ بالإنسان وبنموه الروحي وبارتقائه الإيماني والأخلاقي تهتم أيضا بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، ابتداء من علاقة الإنسان الزوج بالزوجة داخل البيت، إلى علاقته بالأسرة، إلى علاقته بالمجتمع، إلى علاقته بالإنسانية. بمعنى أن اليقظة الروحية قيمتها في كونها تهتم بالإنسان في كليته، في بحثه عن معنى وجوده هو كشخص، وفي بحثه عن المعايير الأخلاقية والقيمية التي يعيش بها مع غيره كمجموعة أشخاص يُكونون الأسرة، المجتمع، الأمة، العالم.
التحول سُنّة كونية: جعل الله تعالى في مخلوقاته سنة التحول التي تتمّ بأشكال مختلفة أمام أعينِ عباده لحكمة يدركها الإنسان ذو العقل المتفكر، والقلب المتنوّر. إنه كما تتحول المخلوقات أمام عينيه عليه أن يتحول في ارتقاء مستمر ودائم من حالة سيئة إلى حالة حسنة، ومنها إلى أحسن حالة. يشاهد المخلوقات فيجد في كل نوع من الأصناف ما بين الأدنى والأوسط والأعلى.
فالصنف الأدنى دائما يَنفُر منه الناس. والصنف الأوسط هو الذي لا يؤثر على حياة الناس وجودُه أو غيابُه. بينما الصنف الأعلى هو الذي يكون بِنُدرته محطّ اهتمام الناس والسعي إلى تقديم الغالي والنفيس للحصول عليه وامتلاكه، وذلك لما يدخله على حياتهم من سعادة وجمال وسرور. وكذلك في الناس أصناف، و”الناس معادن” كما يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيأبى الإنسان الذي يريد التحول أن يكون من الصنف الأدنى، ولا حتى من الصنف الأوسط، بل تتُوق نفسه كما تاقت نفس سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لتكون من الصنف الأعلى والأرقى والأسمى، ممن يحبونهم الناس ويحبون مجالستهم وتوطيد العلاقات معهم.
فإذا أمعنّا النظر في الطبيعة لنكتشف بعض أنواع المخلوقات التي عرفت هذا التحول في وعيها ونموها، سواء الأنواع النباتية أو المعدنية أو الحيوانية، نجد أن هذا التحول يعتبر نقلةً نوعية وقفزةً مميزة من مستوى أدنى إلى مستوى آخر أعلى. تَحوّل يلخص تمدّد العنصر الروحي وتقلّص العنصر المادي في المخلوقات.
ففي النبات الذي يغطي وجه الأرض بخضرته، نجد منه ما تحول إلى الزهور التي تفتّحت إلى ما يشبه الرسل الآتين من عالم آخر، رسالتها تشكيل جسر بين العالم المادي والعام المعنوي الروحي. فهي زهور لا تملك رائحة زكية تبهج الروح فقط، بل تحمل معها أيضا ضوعا وفوحا من عالم الروح. حتى صارت الزهور مصدر إلهام لعدد لا يحصى من الرسامين والشعراء والمتصوفة. فقد أمكن رؤية الجمال الكامن فيها أن يوقظ جزء كبيرا من وعيهم البشري.
وفي المعادن ليس هناك الأثقل والأكثر عصيا على الاختراق من الصخور. ومع ذلك فإن بعض الصخور يعرف تحولا في بنية جزيئاته فيتحول إلى أحجار كريمة مثل كريستال وألماس والتي تبدو تحت أشعة الضوء شفافة. ولقيمتها لا توضع إلا في المكان العالي من الجسم، كالتاج يوضع على الرؤوس، والعقد يحاط بالأعناق.
وفي الحيوانات نجد الأكثر التصاقا بالأرض الزواحف، لكنها مع الوقت منها من تحدّت الجاذبية فأنبتت ريشا وأجنحة لتتحول في الأخير إلى طيور مثل الطاووس والهدهد لا تجد لهم المكان إلى عند علية القوم وأسيادهم.
التاريخ يشهد أن لهذا التحول في النبات إلى زهور، وفي المعادن إلى أحجار كريمة، وفي الحيوان إلى طيور جميلة، دلالة مهمة وكبيرة للروح البشرية. وتلك الدلالة هي حدوث اليقظة الروحية التي تمكن صاحبها من تحقيق المعنى والإحساس بجوهر الحياة السعيدة. لكن قبل أن يشعر الناس بهذه اليقظة يسيطر على غالبيتهم رؤية الأشكال الخارجية مما يحجبهم عن الجواهر الداخلية، فيؤخر عندهم هذا الشعور وبالتالي التحول المطلوب. لذلك حين يتأمل الإنسان زهرةً متفتحة وهو يقظ روحيا، أو يتأمل حجرا كريما، أو طائرا مثل الطاووس، فإنه يفتح بذلك نافذة على الداخل، مهما تكن صغيرة، فإنها نافذة تنفتح على عالم الروح.
السؤال الكبير هو: هل البشرية مستعدة اليوم لتحول حقيقي في الوعي، مستعدة ليقظة روحية، لتفتح داخلي جذري وعميق جدا، إلى حدّ المقارنة معه، لا يعدّ تفتح الزهور، مهما بلغت في الروعة إلا انعكاسا ضئيلا له؟ أيمكن أن يفقد الناس كثافة أجسادهم وثقلهم المادي وأن يصبحوا شفّافين مثل الكريستال أو الألماس أمام قوة التحول؟ أيمكنهم تحدي قوة الجاذبية المادية والسموّ فوق الأشكال التي تعطي للنفس مركز التحكم والسيطرة؟ هل البشرية مستعدة اليوم والآن للتحول مثل أو أكثر من أولئك الذين خلدهم التاريخ كنماذج في التحول الطبيعي.
قصة
ولتقريب المعنى وقفتُ على قصة تُحكى في الموضوع نسبها البعض إلى جلال الدين الرومي رحمه الله، بأن تاجرا كان في طريقه إلى الهند صادف وسط غابة سربا من الببغاوات، فأعجب بأصواتها وألوانها، مما دفعه لأخذ ببغاء إلى منزله ووضعه في قفص من ذهب والاعتناء به جيدا. وبعد أيام بينما هو يهمّ برحلة سفر إلى الهند للتجارة طلب من الببغاء إن كان يودّ إرسال رسالة لإخوانه في الغابة. فكانت الرسالة أنه يسلّم عليهم ويطمئنهم على حالته على أنه يعيش حياة سعيدة في القفص. فلما مرّ التاجر بتلك الببّغاوات وأخبرهم بالرسالة، بكى منهم ببغاء وسقط على الأرض مغشيا عليه، فتعجب التاجر وتأسف للحادث. وعندما عاد التاجر إلى منزله بينما هو يحكي ما حدث للببغاء السجين، حتى استعبر هو كذلك ثم سقط فجأة ميتا.
فتح التاجر القفص -وهو يتعجب من تلك العلاقة التي تجمع بين هذه الطيور كيف أودت بحياة طائرين منهم لمجرد البعد-وأخرج الببغاء ورماه بعيدا، لكن الذي حدث ولم يكن في حسبان التاجر أن الببغاء استيقظ وطار إلى أن وقف على غصن شجرة. فسأله التاجر عما يحدث أمامه، فأجابه الطائر بأنه تلقى رسالة من أخيه مضمونها: “حتى يُحرّر نفسه من القفص لا بد أن يموت”. القفص هو الجسد (النفس)، والتحرر هو اليقظة، والنفس هي الروح، والموت هو الطريقة. فحتى يتحرر روح الإنسان من قفص النفس لابد أن يميتها بالتربية والتزكية.
خاتمة
اليقظة الروحية جمع بين الثنائيات. فهي ليست إهمالا للظاهر على حساب الباطن، بل تكامل بينهما. وليست بناء للذات الفردية ونكرانا للذات الجماعية، بل تعاون بينهما. وليست اهتماما بالآخرة وإهمالا للدنيا، بل توازن بينهما. وهي أيضا ليست مقصودة للانفصال عن أي عمل إنساني سواء كان مهنيا أو حِرفيا أو أكاديميا أو أي عمل آخر، إنما هي تطور طبيعي يحصل بشكل طبيعي أو مفاجئ نتيجة الوعي بضرورة التحول لتحقيق حياة المعنى. فالشخص صاحب اليقظة يمتاز بقوة الإرادة التي لا تسمح لأي شيء أن يتعارض مع تحقيق رغبته في تحوله الداخلي. وهذا التحول ليس سلوكا إنسانيا مرتبطا بالإنسان وحده، إنما هو سلوك كوني أيضا تخضع له جميع الكائنات الحية. فقط هي عبّرت عن تحولها بإبراز ما بداخلها فَتفتّحت وتفتّقت. بينما الإنسان أبقاه في داخله وربما مات ولم يحدّث به نفسه. ماتت البذرة ولم تخرج النبتة حتى تنمو ثم تعطي الشجرة المثمرة.
[1]– انظر واين داير، النقلة، ص:114-117.