اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى||الصّحبة خَير مُعين ح9
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرّوحية
التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى
الصّحبة خَير مُعين ح9
بقلم: عبد الصمد الخزروني
مقدمة
لا يخفى على أحد من المسلمين ما للصحبة الصالحة من أهمية في حياة الفرد والجماعة والأمة، تلك الأهمية التي بيّنتها آيات قرآنية كريمة وأحاديث نبوية شريفة وحثّت عليها نصّاً شرعيا، وجسّدتها السيرة النبوية واقعا تاريخيا ونموذجا حيّاً. فما سُمّي الصحابة صحابة إلا لحيازتهم صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوزهم برؤيته. فكانت الصحبة هي المشروع القرآني والنبوي الذي ترجم النصّ الشرعي إلى واقع تاريخي أنتج الجماعة ثم الأمة بعد ذلك.
فَلو لم تكن للصحبة تلك الأهمية العظيمة لكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أول من استغنى عنها. فكان لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام صاحبا هو أخوه هارون عليه الصلاة والسلام، يقول الله تعالى: ﴿ وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي﴾[ طه:29-30]. وكان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحبا هو سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
ثم حتى يُعمّم صلى الله عليه وسلم أمر الصحبة أفقيا تعمّ وتهمّ الجميع جعلها عَقْدَ أُخوةٍ بين كلّ صحابيين بعد هجرته إلى المدينة المنورة. إذ كان أول عمل قام به هو بناء المسجد الذي سيحتضن هذه الصحبة الوليدة، وفيه ستنمو وتترعرع وتتعهّد لتتأسس منها وبها الجماعة المؤمنة وتتنظّم، والتي ستصبح بعد ذلك أمة الإسلام.
الصحبة التي كانت حَجر الأساس في بناء الأمة جنبا إلى جنب مع الجماعة وفي حضنها لفترة من تاريخ الإسلام، ما لبثتْ أن فقدتْ روحها فبقيت شكلاً من دون مضمون في تاريخ المسلمين، وفقدت حضنَ الجماعة وسندها المتين، حتى بقيت وحيدة منعزلة في الزوايا والتكايا، فهي بالرغم من تعدّدها لم تفض إلى جماعة كما أفضت إليها على العهد النبوي والراشدي. ذلك أنها عمِلت على تحقيق الخلاص الفردي لكنها لم تعمل على تحقيق الخلاص الجماعي.
أثر الصّحبة
وأعظم من يتأثر بالصحبة سلبا أو إيجابا فطرة الإنسان، فإن كانت الصحبة صالحة سلِمت الفطرة، أما إن كانت الصحبة طالحة انحرفت الفطرة وتشوّهت. وهذا مُؤكد من خلال الأحاديث النبوية ومن خلال التجربة الواقعية، ومؤكد أيضا حتى من قبل العلم الحديث. فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن الفطرة الإنسانية لو تُركت لحالها دون أن تتعرض لأي مؤثر داخلي كان (صحبة الوالدين) أو خارجي (صحبة أفراد المجتمع) يزيحها عن طبيعتها السليمة لما انحرفت وتشوهت نفسيا وعقليا، لكنّ والأمر ليس كذلك فقد ذهب هذا الفريق من العلماء أيضا إلى أنّ الفطرة الإنسانية السليمة في مسيرتها الدنيوية الاختبارية قد تتعرض لعاملين مهمين يؤثران فيها بشكل سلبي إما تحريفا أو تشويها. التحريف يخرجها عن عقيدتها إلى عبادة الأوثان والأصنام والشيطان، والتشويه يخرجها عن إنسانيتها إلى طبيعة الحيوان. والنتيجة العبث، حياة بلا معنى. وهذان العاملان هما:
1-العامل الوراثي: أخرج مسلم عَنْ أبي هريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللـه صلى الله عليه وسلم:” مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، وَيُشَرِّكَانِهِ”[1]. الحديث يؤكد لنا أن الفطرة تتأثر بعامل الوالدين بصفة خاصة والأجداد بصفة عامة وذلك بانتقال الصفات الوراثية كما تنتقل الأمراض، وهذا ما أكده العلم الحديث أيضا، توجد هناك نظرية توصّل إليها المتخصصون في الفيزياء الكمية تقول: “بالتحكم الجيني”. ومعناه أنه إذا كان لبعض الأمراض انتقال من شخص لشخص عن طريق الوراثة، فإنه يوجد تبعا لذلك صفات أيضا تنتقل عن طريق الوراثة كالشجاعة والجبن والذكاء والغباء وغيرها. وتوصلوا بالدراسة والتجربة إلى أن هذه الصفات التي هي عوامل وراثية قد تُحدد مسار الإنسان في حياته. وهذا مُقلق جدا.
ولإزالة هذا القلق تمكن الدكتور “بروس ليبتون”[2] المتخصص في علم الخلايا، ومؤلف كتاب: “بيولوجيا المعتقدات” أو (la biologie des croyances). من تفنيد هذه النظرية بنظرية أخرى أطلق عليها اسم: “التحكم اللّاجيني”. وهي نظرية تدعو لعدم القلق، لأن الجينات الوراثية التي تنقل الصفات كما الأمراض لا يمكن أن تحدد مسار حياة الإنسان أو أن تؤثر في سلوكه. إنما الذي يحدد مسار حياته ويؤثر في سلوكه الصحبة والبيئة. فحاول عن طريق التجربة والدراسة وضع خلية مريضة وسط محيط فيه خلايا صحيحة وسليمة، فكانت النتيجة أن تلك الخلية المريضة شُفيت وعُفيت من المرض، وأصبحت هي أيضا صحيحة وسليمة. وعكس ذلك وضع خلية صحيحة وسط خلايا مريضة، فكانت النتيجة أن أصيبت الخلية بالمرض هي أيضا.
فاستنتج من ذلك كله أن للعامل الثقافي والبيئي دور مهم في تكوين سلوك الفرد وشخصيته وتفكيره. وهذا الكتاب الذي ألفه “بروس ليبتون” يعتبر بحثا قيما ومهما في الموضوع، فهو كتاب يوضح فيه أنه كما يحمل الحمض النووي لأي إنسان صفاتٍ وراثية لأمراض صحية كذلك يحمل أخرى لأفكار ومعتقدات تنمو مع الشخص من صغره، إلا أن الجديد في هذا الكتاب هو تأكيده على تقويم هذه الصفات والأفكار بالتربية والتعليم عن طريق الصحبة الصالحة وفي وسط بيئة صالحة، وبهذا أبطل النظرية التي تقول بـــ”التحكم الجيني”، ليُؤسس محلها نظرية “التحكم اللاجيني”.
2-العامل الثقافي: روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللـه صلى الله عليه وسلم:” مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟”[3]. في هذه الرواية نجد ذكرا لعامل آخر ينضاف إلى العامل الأول الوراثي وهو العامل الثقافي، والشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم:” كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟“.
فتدخّل المحيط بوسائله الإعلامية والتعليمية، وبتقاليده وعاداته لممّا يُؤثر في فطرة الإنسان أيضا فتنحرف وتعوجّ وتتشوّه. وهنا أستحضر كذلك كتابا آخر يعالج هذه المسألة بوضوح، وهو كتاب:(virus of the mind) أو “فيروس العقل”. للمفكر الأمريكي ريتشارد برودي، يوضح فيه كيفية عمل الفيروسات ليس على مستوى جهاز الحاسوب أو الجسم، إنما على مستوى العقل من خلال الأفكار التي يستقبلها أو تَرد عليه. وهي أفكار إن لم تُفقِد للإنسان العقل فعلى الأقل أن تُشوش عليه ليعيش على الشكّ والتردّد والحيرة. يقول المفكر “دان كوايل”: خسارة أن يفقد الإنسان عقله، أما ألّا يمتلك عقلا على الإطلاق فتلك مصيبة”.
هذه الفيروسات التي هي عبارة عن أفكار حتى وإن كانت تشترك مع غيرها من الفيروسات في وظائف التضاعف والتكاثر، والاختراق لأجسام أخرى، والانتشار في داخل الجسم وخارجه لتُعدي الآخرين، إلا أنها تختلف في طرق الانتقال. فهي لا تنتقل بواسطة العطس أو السعال أو الجنس، لأنها ليست أشياء مادية ملموسة، إنما تنتقل بواسطة أبسط وسائل التواصل.
ولذلك فيروسات العقل هي إحدى الأثمان الباهظة التي دفعناها من أجل إحدى الحريات التي نتمتع بها اليوم، وهي حرية التعبير. فكلما اتسعت مساحة الحديث والكلام بحرية، كلما اتسعت الرقعة الخصبة لاستقبال الفيروسات وانتشارها وانتقالها. ومما يسهل العدوى أكثر مما مضى اعتماد اليوم لطرق حديثة، منها: التلفاز والهواتف، والانترنيت، وتقنيات التسويق.
إعادة البرمجة
فإذا كانت حياة الإنسان فقدت التوازن، ولا تسير بالشكل الذي تريد وترغب فيه، فاعلم أنه مصاب، وأنه في حاجة إلى تجديد وتغيير وتحول على مستوى أفكاره، وذلك بـــــ(إعادة البرمجة). فكما أن الحاسوب يحتاج للتخلص من الفيروسات إلى تحديثه ووضع مضاد من الفيروسات، كذلك تحتاج العقول المصابة للتطهير والتنقية والوقاية بالتربية والتعليم. وخطر هذه الفيروسات التي تصيب العقل أنها تنمو وتترسّخ وتتجذر في النفس والعقل، ومع الوقت تتحول إلى ثوابت ومعتقدات وسلوكيات يقتنع بها الإنسان ويدافع عنها. ومن ذلك أفكار ما يروج له من: العقلانية والعلمانية والإلحاد وغيرها مما نُقل إلينا عن طريق العقول المغربة المصابة من بني جلدتنا.
ويطرح الكاتب “ريتشارد برودي” من أجل إعادة البرمجة وتجديد الفكر وإزالة هذه الفيروسات الخطيرة، خطواتٍ مهمة قد تكون كفيلة بإنجاح عملية التحول من الإصابة إلى السلامة والعافية، وهي:
الخطوة الأولى: فهم هذا العلم، لأن فهمه بوجود عدوى تنتقل عن طريق الأفكار قد يساعد كثيرا الإنسانَ في تجديد أفكاره ووضع مناعة ووقاية من الإصابة.
الخطوة الثانية: اختيار الوسط النقي الذي لا يحتوي على هذه الفيروسات. وذلك باختيار الصحبة الصالحة والبيئة الصالحة.
الخطوة الثالثة: اكتساب المناعة الذاتية التي تقاوم هذه الفيروسات وتقضي عليها وتحمي العقل من الإصابة بعدواها، وذلك بالتمكن من ثقافة إسلامية حقيقية.
قصة وعبرة
ولبيان قيمة الصحبة في إنجاح عملية السلوك والاقتحام، وفي تسهيل عملية التحول نورد هذه القصة التربوية المفيدة. يحكى أن أبا لما حضرته الوفاة، قال لابنه: هذه ساعة جدك الثالث. عمرها أكثر من مائتي سنة. لكن قبل أن أهديها لك، اذهب لمحل الساعات في أول الشارع، وانظر كَم سعرها؟
فذهب الابن ثم عاد إلى أبيه وقال له: يا أبي، دفع لي فيها التاجر خمسة دولارات لأنها قديمة. فقال له أبوه: اذهب إلى محل الأنتيكة وانظر سعرها. فذهب ثانية ثم عاد وقال: دفعوا لي خمسة آلاف دولار. قال له الأب: اذهب إلى المتحف وأعرض الساعة للبيع وانظر كم سعرها. ذهب ثالثة ثم عاد وقال: لقد احضروا خبيرا وقيمها، فعرضوا عليّ مليون دولار. فقال له أبوه: إنما يا بني أردت أن أعلمك درسا. إن المكان الصحيح الذي ينبغي أن تكون فيه هو المكان الذي يُقدّر قيمتَك بشكل صحيح. فلا تجلس في مكان لا يقدر قيمتك. “ولا تصحب من لا يُنهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله”. كما قال أهل التربية والإحسان.
[1] – صحيح مسلم، رقم الحديث: 4805. وانظر أيضا: 4803، 4804، 4806.
[2]– بروس ليبتون، : Bruce Lipton هو كاتب وأحيائي أمريكي، ولد في 21 أكتوبر 1944 في ماونت كيسكو في الولايات المتحدة. عالم الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية، رائد علم التغيرات ما بعد الجينية وبيولوجيا الاعتقاد، اكتشف نتائج وحقائق مذهلة بعد 44 سنة من الأبحاث في الخلايا الجذعية والهندسة الوراثية. من مؤلفاته: بيولوجيا الاعتقاد.
[3] – صحيح البخاري، رقم الحديث: 6599. وانظر أيضا: 1358، 1359، 4775.