العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي؛ دراسة ومقارنة مع السياسات الضريبية
محمد حميني
العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي
دراسة ومقارنة مع السياسات الضريبية
بقلم: محمد حميني
حاصل على الماستر في المالية الاسلامية
المستخلص:
انطلاقا من مقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي وضمان حقوق الفئات، تجسد العدالة التوزيعية عبر مؤسساتها الأصيلة مثل الزكاة والوقف وبيت المال، أدوات حضارية لإعادة توزيع الثروة بما يحقق العدل والإنصاف واستقرار المجتمعات، في المقابل، نجد الدول الحديثة تتبنى تشريعات تعتمد على مبادئ العدالة الضريبية الحديثة، مثل التصاعدية والقدرة على الدفع لضمان مساهمة عادلة من مختلف الفئات، إلا أن هذا النظام يواجه تحديات كبيرة كالتهرب الضريبي وضعف العدالة في توزيع العبء الضريبي وغيره
من هنا ينبثق البحث في النموذج التكاملي الذي يسعى إلى الجمع بين الآليات الإسلامية التقليدية والآليات الضريبية الحديثة في إطار مؤسسي متكامل يوازن بين البعد الروحي والقانوني، هذا التكامل سيسهم في مواجهة الفوارق الاجتماعية المتزايدة، ويعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويفتح آفاقًا جديدة نحو تنمية مستدامة تحقق الإنصاف الاجتماعي وتدعم الاستقرار الاقتصادي
في إطار مشروع حضاري متكامل.
الكلمات المفتاحية: الاقتصاد الإسلامي، العدالة التوزيعية، السياسات الضريبية، الزكاة، الوقف.
مقدمة:
تعتبر العدالة التوزيعية من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإنساني عبر التاريخ، فقد انتقل مفهومها من إطار فلسفي أخلاقي عند اليونان والرومان إلى منظومة شرعية عملية في الإسلام، حيث تحولت العدالة من فكرة معيارية إلى نظام مؤسسي يدمج بين الأخلاق والاقتصاد.
وفي هذا الإطار، يقدّم الاقتصاد الإسلامي رؤية متميزة تستند إلى مقاصد الشريعة في تحقيق التكافل والإنصاف من خلال أدوات شرعية كـالزكاة والوقف والصدقات وتحريم الربا والاحتكار..، تهدف إلى إعادة توزيع الثروة وتقليص الفوارق الطبقية.
إن البحث في موضوع العدالة التوزيعية، يتيح لنا فهم التحديات المعاصرة المرتبطة باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتنامي النزعات الفردية على حساب التضامن الجماعي، كما يفتح المجال أمام مقاربة مقارنة بين النموذج الإسلامي في التوزيع، الذي يقوم على أسس أخلاقية وروحية وبين النماذج الحديثة للسياسات المالية، القائمة على الموافقة بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، كما نتوخى من خلاله بناء إطار نظري متكامل للعدالة التوزيعية، يجمع بين الأصالة الفكرية المستمدة من التراث الإسلامي والواقعية التطبيقية المستندة إلى التجارب المعاصرة، وتقديم رؤية نقدية بنّاءة تساعد على صياغة سياسات أكثر إنصافاً وعدلا.
وينحصر الإطار العام لهذا البحث في التأصيل النظري لمفهوم العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي، وتحليل أدواتها ومبادئها، دون الخوض في التفاصيل الفقهية والخلافات المذهبية في أحكام العبادات والمعاملات، ونظراً لطبيعة البحث التأصيلية النظرية، فإني لم أتقيد بنطاق جغرافي محدد نظرا لما يمثله الفكر الاقتصادي الإسلامي كمنظومة علمية عامة عابرة للحدود السياسية والمؤسسية وكذا الزمنية.
وتتجلى أهمية هذا البحث في الوقوف على إمكانية الاستفادة من أدوات الاقتصاد الإسلامي لتعزيز العدالة الجبائية والمساهمة في بناء نظام اقتصادي يحدّ من الفوارق الاجتماعية ويعزز التكافل المجتمعي، كما أن اختيار الموضوع يستند إلى دوافع علمية تتمثل في إثراء الحقل المعرفي في الاقتصاد الإسلامي عبر دراسات مقارنة تجمع الاقتصاد الإسلامي والسياسات الضريبية، ودوافع عملية ترتبط بالحاجة إلى نماذج بديلة أو مكملة للسياسات الجبائية الحالية، ودوافع شخصية تعكس انشغالي بقضايا العدالة والإنصاف في توزيع الثروة وأثرها المباشر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وتتمحور إشكالية البحث حول تساؤل جوهري هو: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد الإسلامي بأدواته الشرعية أن يحقق العدالة التوزيعية مقارنةً بالسياسات الضريبية، وما هي إمكانيات التكامل بينهما لبناء نموذج اقتصادي أكثر عدالة وفعالية؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة تتعلق بالأسس النظرية للعدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي وبناء السياسات الضريبية وفعاليتها، وأوجه التشابه والاختلاف بين الأدوات التوزيعية في النظامين وإمكانية صياغة نموذج تكاملي يجمع بين القيم الإسلامية والآليات الوضعية الحديثة، وتنطلق فرضيات البحث من أن الاقتصاد الإسلامي يقدم أدوات أصيلة وفعالة لتحقيق العدالة التوزيعية لكنها تحتاج إلى مؤسسات قوية لتفعيلها، وأن السياسات الضريبية تسعى إلى العدالة الجبائية لكنها تواجه تحديات مرتبطة بالاقتصاد غير المهيكل وضعف الامتثال الضريبي، وأن التكامل بين الرؤيتين يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة لبناء نظام اقتصادي أكثر عدالة يجمع بين البعد الأخلاقي والفعالية التقنية، وقد اعتمدت في البحث على منهج مقارن تحليلي يجمع بين المنهج الوصفي لتأصيل المفاهيم والمنهج التحليلي النقدي لتقييم الأدوات والسياسات المالية، منطلقا مما جاء في دراسات أكاديمية وتقارير مؤسساتية بالمملكة المغربية، والتي تناولت الموضوع من زوايا متعددة أبرزها:
– دراسة بعنوان العدالة المجالية في توزيع المرافق والخدمات في إطار الجهوية المتقدمة للدكتور زهير النامي ورشيد عدو من جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، نشرت بالمجلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية.
– فعالية السياسة الضريبية في تحقيق التنمية المستدامة بالمغرب للدكتور عبد الجبار المراكشي وقد نشرت بمجلة المنارة سنة 2023.
– تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) “النظام الضريبي المغربي والتنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي” (الرباط، 2024)، وقد بين أن الأجراء يتحملون العبء الأكبر من الضريبة على الدخل بنسبة تصل إلى 73%، بينما تؤدي 2% من المقاولات 80% من الضريبة على الشركات، وهو ما يخلق شعوراً بالظلم ويضعف الثقة بين المواطن والإدارة الضريبية.
– بحث للمندوبية السامية للتخطيط حول الوحدات الإنتاجية غير المنظمة 2023-2024، الرباط، 28 ماي 2024 وقد أفاد التقرير بأن القطاع غير المهيكل يضم حوالي 2.03 مليون وحدة إنتاجية غير منظمة سنة 2023، بزيادة تفوق 353 ألف وحدة مقارنة مع سنة 2014.
غير أن الدراسة واجهتها صعوبات كثيرة أبرزها عمق الموضوع وتشعبه، وثانيها صعوبة الحصول على بيانات دقيقة حول أداء صناديق الزكاة والأوقاف.
وتقوم هيكلة البحث على تناول الإطار النظري للعدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي والأسس والمبادئ الحاكمة للسياسات الضريبية بصفة عامة، والمقارنة بين الأدوات التوزيعية في النظامين والآثار الاجتماعية والاقتصادية لكل نموذج، والتحديات والآفاق المستقبلية للتكامل بين الرؤيتين وصولًا إلى خاتمة ونتائج تسعى إلى صياغة رؤية تكاملية تجمع بين المرجعية الإسلامية ذات البعد الأخلاقي والروحي والمرجعية الوضعية ذات الطابع القانوني والإداري.
المبحث الأول: العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي
تحتل العدالة التوزيعية موقعًا رئيسيا في الفكر الاقتصادي الإسلامي، حيث تعتبر من أهم المقاصد التي تسعى الشريعة الإسلامية إلى تحقيقها في المجال المالي والاجتماعي، كما أنها تمثل حلقة الوصل بين البعد الأخلاقي وبين الأدوات الحديثة لإدارة الثروة، فالاقتصاد الإسلامي يرى المال أمانةً في يد الإنسان يسعى به لتحقيق المنفعة العامة، لا ملكية فردية مطلقة يشبع بها غرائزه.
لقد جاء تصور الإسلام للعدالة التوزيعية متكاملا، يجمع بين الأسس الشرعية المنبثقة من القرآن والسنة وبين الآليات الاقتصادية التي تجسد تلك المبادئ، فقد أسس القرآن الكريم والسنة النبوية لهذا المبدأ عبر نصوص واضحة بينة، تؤكد على حق الفقراء في أموال الأغنياء، وتؤكد على وجوب منع احتكار الثروة كي لا تتحول إلى أداةٍ للهيمنة والاستغلال.
وبمقارنة بسيطة لهذه الرؤية الإسلامية مع النظريات الاقتصادية الحديثة، سواء في الفكر الليبرالي الذي يتبنى الحرية الفردية، أو في الفكر الاشتراكي الذي يدعو إلى المساواة المطلقة، نجد أن النموذج الإسلامي في هذا المجال، يقدم تصورًا وسطًا يجمع بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، ويوازن بين الحقوق الفردية والواجبات الجماعية، ويتيح إمكانية صياغة حلول أصيلة وفعّالة تستند إلى قيم روحية وأخلاقية، وتستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التنمية الحديثة في ظل ما يشهده العالم اليوم من تحديات مجتمعية كبرى مثل الفقر والبطالة واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء.
المطلب الأول: مفهوم العدالة التوزيعية
العدالة لغة من العدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور، عدل الحاكم في الحكم يعدل عدلا… وفي أسماء الله سبحانه: العدل وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمي به فوضع موضع العادل وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلا وفلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، والعدل: الحكم بالحق1 والعَدْلُ: خلاف الجَوَر، يقال: عَدَلَ عليه في القضيّة فهو عادِلٌ، وبسط الوالي عَدْلَهُ ومَعْدِلَتَهُ ومَعْدَلَتَهُ، 2
فمن هذه التعاريف اللغوية يتبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، والتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان.
أما العدالة في الاصطلاح فقد عرفها الفلاسفة قديما بأنها: “هي أن يقوم كل إنسان بما هو مؤهل له، وألا يتدخل في عمل غيره3. و”العدالة هي المساواة النسبية، وليست المساواة المطلقة، فهي تعطي لكل إنسان ما يستحقه بحسب فضيلته ومساهمته”4.
في الفلسفة الحديثة يعتبرها توماس هوبز فضيلة ضرورية، تنتج عن التزام الأفراد بـ”العقد الاجتماعي”، فيما يعتبرها إيمانويل كانط واجب أخلاقي مطلق، يتعلق بمعاملة الآخرين كغايات لا كوسائل، ثم جاء جون رولز بنظرية العدالة ليؤسس لفلسفة تعاقدية تهدف لتأسيس مجتمع ديمقراطي عادل يضمن الحريات الأساسية والمساواة في الفرص، تقوم على مبدأين رئيسيين: الحرية المتساوية للجميع، وترتيب التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية لتكون لصالح الأقل حظاً، يقول جون رولز: “العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، كما أن الحقيقة هي الفضيلة الأولى للأنظمة الفكرية. 5
وبالنظر إلى أن رقي الأمم من رقي أبنائها، ومن مدى استفادتهم من مقدرات وخيرات أوطانهم، فإن هذا الرقي يرجع أساسا إلى حسن تدبير الموارد وتوزيعها بين أفراد المجتمع بالحق، ولذلك ارتبطت العدالة أشد الارتباط بالتوزيع العادل، ومن ثم اكتسبت العدالة التوزيعية مفهوما اجتماعيا واقتصاديا حمل دلالة سياسيّة وقانونيّة واجتماعيّة، وركز على التوزيع المنصف والمُتساوي للموارد والفرص والمنافع لضمان المساواة وتحقيق تكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع.
المطلب الثاني: المبادئ الأخلاقية للعدالة التوزيعية في الإسلام
نهج الإسلام منهجا خاصا في تناوله لعدالة التوزيع مرتكزا على مبادئ أساسية تنبع من صميم الشريعة الإسلامية، هدفها حماية الفئات الفقيرة وخلق توازن بين مكونات المجتمع، يظهر ذلك من خلال العناصر الآتية:
– رؤية الإسلام للمال: المال في الإسلام هو مال الله تعالى، والإنسان مستخلف فيه، والرزق من عند الله، يرزق من يشاء بغير حساب، قال تعالى: “وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ” (سورة الذاريات: آية 22)
-إعطاء قيمة كبرى للعمل والكسب: حث الإسلام على العمل وأعلى من شأنه، فقد أمر الله تعالى الناس بالسعي في الأرض وطلب الرزق، فقال تعالى: “فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (سورة الجمعة: آية 10)
– توزيع الثروات بالعدل: راعى الإسلام عدالة التوزيع حيث نص النبي ﷺ على أن إحياء أرض موات يستوجب تملكها، وكذلك فيما يتعلق بتملك المباحات والمعادن والثروات، فعن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: “من أحيا أرضا ميتة فهي له6، وحدد في استخراج الكنوز والمعادن قدرا يصرف للفقراء والمساكين كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “وفي الركاز الخمس”7 والركاز الكنوز المدفونة.
– إخراج الزكاة وبيان مصارفها: لقد شرع الإسلام الزكاة طهرة للأموال وتنمية لها، وبين مصارفها من أجل إعادة توزيعها على الفقراء والمحتاجين، قال تعالى “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (سورة التوبة: آية 60)
– الحث على العمل الخيري وإعطاء الصدقات: حث الإسلام على الصدقات والعمل الخيري، وجعلها للفقراء والمساكين، حتى يضمن لهم الحد الأدنى من المعيشة، جاء في حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له 8
يمكن القول إذن إن عدالة التوزيع في الاقتصاد الإسلامي تقوم على المرتكزات التالية:
– تأمين حد الكفاية، يكون بضمان العيش الكريم لكل فرد يعيش في المجتمع المسلم أيا كانت ديانته، وتقليل الفوارق بين الطبقات، وما فوق ذلك يكون لكل تبعاً لعمله وجهده.
– الحصول على العوائد من العملية الإنتاجية يكون بقدر المساهمة في العملية الإنتاجية وقيمة ما يقدم من خدمات، ويتم ذلك من خلال تفاعل قوى العرض والطلب في السوق الحرة، وضمان الحرية في السوق مرتبط بعدد من العناصر منها منع الاحتكار بجميع أشكاله، وتجريم الغش والغبن في المعاملات وضرورة رقابة ولى الأمر المستمرة على السوق من أجل تصحيح أي انحراف.
– تأمين التوازن الاجتماعي بعدم السماح لفئة معينة بأن تطغى على فئة أخرى، أو تتمتع بالغنى الفاحش على حساب فئات أخرى.
– توفير البنيات التحتية اللازمة لتشغيل الطاقات البشرية بالصورة المثالية التي تحقق أكبر مصلحة ممكنة للمجتمع، ولتحقيق ذلك نجد أن التوزيع الإسلامي يضمن تواجد كل من الملكية العامة والملكية الخاصة ويشجع على قيام المشروعات العامة والمشروعات الخاصة.
المطلب الثالث: المبادئ التشريعية العدالة التوزيعية في الإسلام
ترتكز المبادئ التشريعية للعدالة التوزيعية في الإسلام إلى فلسفة شمولية توازن بين الحقوق الفردية والمسؤولية الاجتماعية، حيث تهدف هذه المبادئ إلى تحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع، فلا يطغى غني بغناه ولا يشكو فقير من عدم تمكنه من حقوقه.
في مجال المعاملات الاقتصادية شرع الدين الإسلامي الحنيف عدة تشريعات تضع قوانين صارمة تمنع كل أشكال الظلم، حماية للفقراء من الاستغلال وسوء تقدير مجهوداتهم، ومن أهم هذه التشريعات9:
– تحريم الربا: ثبتت حرمته بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، يقول الله تعالى: “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ “(سورة البقرة: آية 278-279)
وجاء في السنة النبوية، أن النبي ﷺ قال: لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء10
وأما الإجماع فمنعقد على تحريم الربا، وحرمة الربا معلومة من الدين بالضرورة.
– المشاركة في المخاطر والأرباح: تعتبر هذه الخاصية من أهم المبادئ التي يقوم عليها الاقتصاد الإسلامي، وتعني مشاركة الفاعلين الاقتصاديين في رأس المال وفي الجهد، مع تقاسم الأرباح بنسب متفق عليها، ويتشاركون أيضا في تحمل النتائج المالية السلبية، وذلك بناء على القاعدة الفقهية “الغنم بالغرم”، ومن صور المشاركة في الاقتصاد الإسلامي:
– المضاربة: حيث يقوم طرف بتقديم رأس المال، والآخر بالعمل والإدارة، تُقسم الأرباح حسب الاتفاق والخسائر يتحملها صاحب رأس المال إلا إذا كان هناك تقصير من العامل.
– المشاركة: يساهم جميع الأطراف برأس المال، ويشتركون في الإدارة أو يوكلون أحدهم، تقسم الأرباح حسب الاتفاق، والخسائر حسب نسبة رأس المال.
– تحريم الاحتكار والغش: يُعد من أهم التشريعات، غايتها منع الظلم وحماية الأفراد من الاستغلال، وهو جزء من منظومة العدالة الاقتصادية التي أرساها الإسلام في سبيل أن يكون الاقتصاد الإسلامي أكثر إنصافًا واستقرارا.
المبحث الثاني: الآليات الاقتصادية لتحقيق العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي
لتحقيق العدالة في توزيع للخيرات والمقدرات، يعتمد الاقتصاد الإسلامي على آليات أصيلة تشكل منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والأخلاق والمقاصد الشرعية، منعا لتراكم الثروة في يد فئة قليلة وضمانا لاستفادة جميع أفراد المجتمع من الموارد بشكل عادل.
المطلب الأول: الزكاة
تعد الزكاة الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي فريضة مالية ذات أبعاد روحية واجتماعية واقتصادية كبيرة، غايتها تحقيق مقاصد الشريعة في حفظ المال والنفس وبث قيم العدالة والتكافل في المجتمع، وتعد أداة فعالة في معالجة الفقر وإعادة توزيع الثروة.
فالزكاة بهذا المفهوم، تخرج من كونها مجرد صدقة تطوعية أو عبادة مالية، لتكون نظاما ماليا ملزما يجمع بين الطابع التعبدي والوظيفة الاقتصادية والاجتماعية.
تقوم فريضة الزكاة على أركان أربعة:
– المال المزكّى: يشترط أن يبلغ النصاب ويحول عليه الحول.
– المزكّي: المسلم المالك للنصاب ملكًا تامًا.
– المقدار الواجب: يختلف حسب نوع المال (2.5% في النقود وعروض التجارة، نسب أخرى في الزروع والثمار).
– المصرف الشرعي: حصرت الآية الكريمة “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (سورة التوبة: آية 60)، مصارف الزكاة في ثمانية أصناف: الفقراء، المساكين، العاملون عليها، المؤلفة قلوبهم، في الرقاب، الغارمون، في سبيل الله، وابن السبيل.
المطلب الثاني: الوقف الإسلامي
الوقف في الفكر الإسلامي، حبس وعدم التصرف في الأصل الموقوف، وتخصيص ريعه أو منافعه في أوجه الخير كالتعليم والصحة وغيرهما… وعليه تصبح العين الموقوفة غير قابلة للبيع أو الإرث، لكنها تستمر عبر الزمن في إنتاج منافعها المشروعة والمتوافقة مع مقاصد الشريعة، وفق شروط الواقف، “وهو ثابت بالسنة… وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف”11
يمثل الوقف آلية اقتصادية فعالة تسهم بشكل كبير في دوران المال بتحريك عجلة التنمية، وتوفير موارد مستدامة، ودعم القطاعات الإنتاجية والخدمية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، كما يشارك في تحمل عبء الاستثمار مع الدولة، عن طريق دعم استثمار الأموال الموقوفة بتوجيهها نحو المشاريع التنموية، والوقف في حقيقته عمل خيري ورمز للتكافل الاجتماعي، يسعى إلى رفع مستوى معيشة الناس بتوفير الحياة الكريمة لهم عبر معالجة مشكلات الفقر والبطالة وتقليل التفاوت في الدخول والثروات، فهو يوفّر موارد ثابتة للفقراء والمحتاجين، كما يساهم في تنمية رأس المال البشري عبر الدعم الموجه إلى توفير فرص متساوية في التعليم والصحة والخدمات العامة، وكذا دعم المؤسسات التعليمية والدينية حماية للهوية الثقافية، مثل الكتاتيب والمساجد والجامعات، وضمانا للاستقرار المجتمعي بفضل دوره الفعال في الحد من أسباب التوتر الاجتماعي، في هذا السياق يبرز الدكتور الريسوني في كتابه “الوقف الإسلامي مجالاته وأبعاده ” دور الوقف في إعادة التوازن، باعتباره مؤسسة تُعيد الاعتبار للإنسان كغاية للتنمية، وتُسهم في تحقيق العدالة التوزيعية والتنمية المستدامة، فالإنسان في المفهوم المادي للتنمية هو آلة الإنتاج ووقوده، وحتى حين يستفيد من نتائج التنمية المادية فإنما هو حينئذ مستهلك ومنشط لدورة التنمية الاقتصادية، ولذلك يتولى أرباب الإنتاج توجيه المستهلكين والتحكم في سلوكهم الاقتصادي، ليتحول الكائن البشري في النهاية إلى وسيلة للإنتاج ولتصريف الإنتاج لا أقل ولا أكثر، أما في الإسلام فإن تنمية الإنسان نفسه بكل أبعاده الروحية والنفسية والعقلية والبدنية هي التنمية الحقيقية، ولذلك وجدنا حركة الوقف الإسلامي تضع مبادراتها في خدمة هذه الأبعاد كلها في آن واحد، بل نجدها تخصص الجزء الأعظم فيها للأوقاف ذات المنافع المعنوية والمردودية التربوية، تنمية للإنسان وتزكية لنفسه وترقية لفكره وسلوكه.12
المطلب الثالث: بيت المال آلياته التاريخية ودلالاته المعاصرة في للتوزيع
في عصر النبوة لم يكن بيت مال مؤسسة قائمة بذاتها، بل كان الرسول ﷺ ينفق مباشرة على المستحقين من الغنائم والزكاة، واستمر الوضع إبان خلافة أبي بكر على النهج النبوي، حيث كان المال يقسم فور وصوله دون إنشاء مؤسسة مستقلة، إلى أن جاء عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليتخذ بيت المال صفة المؤسسة الرسمية، بعد ما كبرت الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية نتيجة للفتوحات الإسلامية، وتزايد موارد الدولة وتدفق الأموال، مما زاد الحاجة لضبط الإيرادات والمصروفات.13
لقد شكلت مؤسسة بيت المال حجر الزاوية في تنظيم موارد الدولة الإسلامية، مستفيدة من تجارب أمم سابقة في مجال التسبير والتنظيم الإداري، فدونت الدواوين “الخراج والجند” لضبط الموارد وصرفها بشكل منظم، منعا للفوضى وضمانا لعدالة توزيع الموارد، وتوفير أعطيات دورية للجيش النظامي الحديث التكوين14
وتتمثل دلالة بيت المال في كونه نموذجًا أصيلا لفكرة “المالية العامة” التي تجمع في تناغم بين العدالة الاجتماعية والحقوق الاقتصادية، وتتبلور من فكرته سياسات توزيع الثروة والضرائب والإنفاق الاجتماعي بما يضمن الإنصاف ويمنع التفاوت بين الفئات، وفي نطاق العدالة الاقتصادية، يجسد بيت المال مبدأ أن المال العام مقدس لا يجوز العبث به، وهو اليوم بمثابة “الخزينة العامة” التي تجمع الموارد وتصرفها لخدمة المجتمع.
إن تعزيز العدالة الاجتماعية وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة، يتطلب أن يقدم بيت المال نموذجًا لتوجيه الموارد نحو الفئات الهشة، ويلهم صناع السياسات الضريبية الحديثة بالحدو حدوه في إدارة المال العام وفق قواعد شرعية، تعتمد الشفافية في توزيع الأموال وعدم تفضيل فئة على أخرى.
المبحث الثالث: البعد الاجتماعي للعدالة التوزيعية
تهدف العدالة التوزيعية في الإسلام، إلى تعزيز التضامن بين كافة أفراد المجتمع، وتوفير الأمان لذوي لذوي الدخل المحدود منهم عبر تشريع أدوات تمويلية مثل الزكاة والوقف والصدقات، لتتحول العقيدة الإيمانية إلى سلوك عملي، تفرض فيه القواعد الشرعية في مجال البيوع وكافة المعاملات المالية التي تتمثل في تحريم الربا والاحتكار وتشجع على الأجر العادل والسعر المنصف، كما ترتبط بمقاصد الشريعة مثل حفظ المال والنفس والنسل، مما يجعلها جزءاً من هوية المجتمع المسلم.
المطلب الأول: التكافل الاجتماعي
يستند التكافل الاجتماعي إلى أسس ومبادئ معينها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تجعل منه واجباً جماعياً يضمن العدل واستدامة التمويل، يقول تعالى:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”(سورة المائدة: آية 2) ويقول الرسول الكريم ﷺ، “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.15
إن دعوة الإسلام إلى التعاون والتكافل ليست دعوة إلى مساعدات ظرفية، بل تعدته لتصبح استثماراً في رأس المال البشري، عبر الاستثمار في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها مما يعود على المجتمع بالنفع، ليضيف التكافل بعداً آخر يعزز المشاركة المجتمعية ويخلق شبكة أمان اجتماعي أكثر شمولاً، فنجاح نظام التكافل الاجتماعي لا يكتمل إلا بمراعاة تطبيق مجموعة من الأسس:
– التطبيق المؤسسي لنظام الزكاة والصدقات: تمثل الزكاة ركنا من أركان الإسلام، لا تقدم تطوعا بل فريضة من الله تعالى، تلزم به الشريعة الإسلامية كل مسلم ومسلمة طهرة لأموالهم، وتشجيعا للتكافل بين القادرين والمحرومين من أبناء المجتمع الواحد، لذا من المهم جدا وضع قوانين تضبط جبايتها وإنفاقها وفق ما تمليه الشريعة الغراء.
– توجيه إنفاق المال: لقد وضع الشرع الحنيف الأطر العامة لإنفاق المال، إذ المال مال الله والمسلم مستخلف فيه، لا ينبغي انفاقه إلا في أوجه الخير، بدون إسراف ولا تبذير.
– الموازنة بين حاجات الفرد والمجتمع: تُعدّ من أهم أسس التكافل الاجتماعي الإسلامي، لأنها تضمن عدم طغيان حق الفرد على حق الجماعة، أو إهمال حقوق الفرد لصالح المجتمع، فالإسلام يعترف بخصوصية الفرد وحقوقه، لكنه في الوقت نفسه يربط هذه الحقوق بمسؤوليات تجاه الآخرين،
إن الهدف الأساسي للتكافل الاجتماعي يتجلى في تحقيق العدالة التوزيعية، بواسطة أسس وأليات تستند إلى مبادئ الشريعة الإسلامية وتعاليم الدين الحنيف، إلا أن تطبيقه على نطاق واسع يتعرضه قصور في تنظيم المؤسسات الخيرية وضعف في الوعي المجتمعي، الشيء الذي يتطلب بذل جهود كبيرة في سبيل تنظيم هذا القطاع الهام، وإعطائه الصبغة الرسمية المؤسساتية، وهذا من أجل خلق مجتمع متماسك، يشعر فيه الفرد بأن حقوقه محفوظة، وفي الوقت نفسه يشارك في خدمة الجماعة، مما يقلل الصراع الطبقي، ويحقق الانسجام بين المصالح الخاصة والعامة، ويرسّخ قيم التعاون والبر15
المطلب الثاني: معالجة الفوارق الطبقية والحد من آثار الفقر
يُعدّ الفقر من أبرز التحديات التي واجهتها المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنظومة متكاملة لمعالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على فرض التكاليف المالية كـالزكاة والصدقات، بل تتجاوز ذلك إلى ترشيد طرق إيصال المستحقات بما يحفظ كرامة الفقراء والمعوزين.
والعدالة التوزيعية في التصور الإسلامي بما هي قيمة أخلاقية تلعب دورا كبيرا في محاربة الفقر والحد من التفاوتات الاجتماعية، فهي تعبير عملي عن التكافل الذي دعا إليه الدين الإسلامي، وتجسيد لمبدأ أن المال مال الله جعله أمانة في يد الإنسان، يُوظَّف لخدمة المجتمع لا لتكديس الثروات، ويتجلى هذا الدور فيما يلي:
– الزكاة: تُعيد توزيع الثروة بشكل دوري وتضمن للفقراء والمحتاجين نصيباً ثابتاً من أموال الأغنياء فحين تُؤدى، يجد الفقير قوت يومه ويشعر أنه جزء من المجتمع لا عالة عليه.
– الوقف: مؤسسة اجتماعية واقتصادية تُسهم في تمويل التعليم والصحة والخدمات العامة، مما يفتح أبواب العلم أمام أبناء الفقراء، ويمنحهم فرصة للارتقاء الاجتماعي.
– بيت المال: بمثابة خزينة عامة تُدار لخدمة مصالح الأمة، وتُموَّل منها مشاريع البنية التحتية والدعم الاجتماعي، فحين تُدار الموارد بروح التكافل، يصبح المجتمع أكثر انسجاماً، وتقل مظاهر التهميش والإقصاء، وتجعل من الغني سنداً للفقير، ومن القوي عوناً للضعيف، فتتحقق العدالة المجالية والطبقية.
المطلب الثالث: القيم الإنسانية للعدالة التوزيعية
-الإيثار: الإيثار مكرمة من مكارم الأخلاق الإسلامية، ومنزلة عظيمة من منازل العطاء، وقيمة أخلاقية راقية للعدالة التوزيعية في المجتمع المسلم، تخلص من الأنانية وحب الذات، وتشجع على البذل والعطاء امتثالا لتعاليم الدين الإسلامي التي تدعو للأخوة الإيمانية والتعاون على البر والتقوى، ويمثل الإيثار أعلى درجات السخاء، يقول فيه الإمام الغزالي: “اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات، فأرفع درجة السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة، وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد.. وليس بعد الإيثار درجة في السخاء”17
وقد أثنى الله تعالى على المؤثرين على أنفسهم، وبين أن جزاءهم في الآخرة هو الفلاح، قال الله تبارك وتعالى: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (سورة الحشر: آية 9)
أما السنة النبوية فمليئة بصور الإيثار لما كان يتمتع به النبي ﷺ -وهو القدوة الحسنة- من مكارم الأخلاق حتى قال فيه رب العزة : “وإنك لعلى خلق عظيم” ( سورة القلم آية 4) فقد نزل برَسُول الله ﷺ ضيف فَلم يجد عِنْد أَهله شَيْئا فَدخل عَلَيْهِ رجل من الْأَنْصَار فَذهب بالضيف إِلَى أَهله، ثمَّ وضع بَين يَدَيْهِ الطَّعَام وَأمر امْرَأَته بإطفاء السراج، وَجعل يمد يَده إِلَى الطَّعَام كَأَنَّهُ يَأْكُل وَلَا يَأْكُل، حَتَّى أكل الضَّيْف فَلَمَّا أصبح قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة» وَنزلت “ويؤثرون عَلَى أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصة”، وفي صورة أخرى، يضرب لنا رسول الله ﷺ أروع الأمثلة عن الإيثار فقد جاء في السنة النبوية أنه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم” 18
فهذا هو الإيثار الذي إن وصف به الإنسان جنى فوائد عظيمة وسار في طريق محبة الله تبارك وتعالى، فدخل فيمن أثنى الله عليهم من أهل الإيثار وجعلهم من المفلحين، والإيثار يدفع المرء إلى التحلي بالخصال الحميدة الأخرى كحب الغير والسعي في مصالح الناس، كما أنه يمنعه من والخصال القبيحة كالبخل وحب النفس والطمع وغير ذلك…فوجوده في المجتمع دليل على وجود حس التعاون والتكافل والمودة، وفقده من المجتمع دليل على انعدام هذه الركيزة المهمة في بناء المجتمعات القوية اقتصاديا وماديا.
– التعاون: يرتبط التعاون في الإسلام بالبر والتقوى، ويُعتبر وسيلة من وسائل تحقيق العدالة والرحمة بين أفراد المجتمع، وضرورة لتكامل القدرات وتجاوز الفوارق والاختلافات والتفاوتات الموجودة بين في كثير من المجالات؛ الغنى والقوة والتعليم والصحة…
يرجع الأساس الشرعي للتعاون إلى تعاليم الدين الإسلامي وهو ما يضفي عليه قيمة دينية وأخلاقية، يقول تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”. (سورة المائدة: آية 2)
والتعاون لغةً المساعدة والنصرة والمساندة، واصطلاحا مشاركة الآخرين في فعل الخير وترك الشر، قولًا وعملًا، تكمن أهميته في كونه يقوي الروابط الأخوية بين الناس، ويقوي الشعور بالثقة والأمان والانتماء المجتمعي.
إن التعاون عنصر مهم في إرساء مبادئ الأخوة والمحبة والتعاطف ونبذ المنازعات العقيمة، وركيزة أساسية لبناء مجتمع متضامن ومتماسك، تتحقق فيه العدالة الاجتماعية، ويؤهل الأمة لمواجهة التحديات وتحقيق النهضة.
وقد وشبّه الرسول ﷺ المجتمع بالجسد الواحد، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:“مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”19.
ويشمل التعاون جميع مجالات الحياة، انطلاقا من مساعدة الوالدين والأسرة وإعانة المحتاجين والفقراء وفي سائر الأمور الحياتية؛ الزواج، العقيقة، الجنائز… وفي الأعمال الخيرية؛ مساعدة المحتاجين وتنظيم الأنشطة الإجتماعي.20
ثالثا: المسؤولية الاجتماعية
إن المسؤولية الاجتماعية تلزم صناع القرار بالعمل على حصول جميع الأفراد على حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة، وضمان تكافؤ الفرص، وتبني سياسات عادلة في الأجور والترقيات.. بالاعتماد على معايير ومبادئ فلسفية واجتماعية للعدالة التوزيعية أهمها:
– معيار الحاجة: توزيع الموارد استناداً إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان.
– معيار المساواة: منح الأفراد حقوقاً وفرصاً متساوية.
– معيار الاستحقاق والمسؤولية: توزيع المكاسب وفقاً للجهد المبذول والمساهمة الفعالة في المجتمع. 21
المبحث الرابع: السياسات الضريبية وأثرها في إعادة توزيع الثروة
لقد تطورت النظرة إلى إعادة توزيع الثروة في الفكر الاقتصادي الحديث، حيث لم تعد مجرد سياسة مالية مرتبطة بالضرائب والإنفاق العام، بل أصبحت أداة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة، فالضرائب التصاعدية والإنفاق الاجتماعي على التعليم والصحة وبرامج الدعم المباشر للفئات الهشة، كلها وسائل تهدف إلى تقليص الفوارق وضمان تكافؤ الفرص، كما أن الفكر المعاصر أضاف بُعدًا جديدًا يتمثل في استخدام إعادة التوزيع لمواجهة التحديات البيئية والرقمية، عبر فرض ضرائب على الكربون أو على الاقتصاد الرقمي لضمان عدالة أوسع تشمل الأجيال القادمة.
وتحتل الضريبة موقعًا رئيسيا في الفكر الاقتصادي الحديث حيث تحولت إلى أداة استراتيجية متعددة الوظائف، هذا التحول يعكس تطور دور الدولة الحديثة التي أصبحت تعتبر السياسات الضريبية الأعمدة الأساسية للسياسات المالية، لكونها تشكل موردا مهما تعزز به استثماراتها في مجالات البنية التحتية وإنشاء المرافق العامة وتوجيه السلوك الاستهلاكي، كما تعمل من خلال أدوارها الاجتماعية على تقليص الهوة بين الأغنياء والفقراء من خلال عملية إعادة توزيع الثروة وذلك بفرض ضرائب تصاعدية على الدخول والثروات الكبيرة، وتوجيهها نحو تمويل برامج الدعم الأسري وتمويل الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
المطلب الأول: المبادئ الأساسية لمفهوم الضريبة
لم يعرف مصطلح “الضريبة” بهذا الاسم إلا حديثا، ففي السياق الإسلامي، كانت تعرف بالمكوس وهي ضرائب تفرض على البضائع والأسواق، والعشور وهي ضريبة فرضها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على التجار غير المسلمين عند مرورهم في بلاد الدولة الإسلامية، والنوائب وهي اقتطاعات طارئة يفرضها ولي الأمر على القادرين في الأزمات والشدائد، وقد أجازها جمهور العلماء في العصر الحديث كأداة تنظيمية بيد ولي الأمر، شريطة أن تكون عادلة وغير مُرهِقة للمواطنين وتُدار بشفافية، وأن تقابلها خدمات حقيقية مع مراعاة مبدئين هامين خلال تشريعها هما :
أ- مبدأ الشمولية الشخصية للضريبة: حسب هذا المبدأ فإن الضريبة تفرض كافة على كافة المواطنين الخاضعين لسيادة الدولة أو التابعين لها سياسيا واقتصاديا.
ب- مبدأ الشمولية المادية للضريبة: تفرض الضريبة على كافة الأموال والعناصر المادية سواء كانت دخولا أو ثروات فيما عدا ما نص عليه القانون الضريبي.
في كتابهِ “ثروة الأمم”، اعتبر أبو الاقتصاد الغربي الحديث آدم سميث الضريبة “مساهمة مالية يدفعها الأفراد لدعم الحكومة، وهي أشبه بـ “ثمن أو مقابل” يحصلون به على خدمات الحماية والأمن وحفظ ممتلكاتهم من قِبل الدولة.” 22
والضريبة في الفكر الإسلامي الحديث، “اقتطاع مالي إلزامي تفرضه الدولة على الأفراد والمؤسسات، بصورة نهائية ودون مقابل مباشر، وذلك لتمويل النفقات العامة وتحقيق المصلحة المشتركة”23
إن عملية التشريع الضريبي ترتكز على مجموعة من الأسس النظرية والاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرزها24:
– مبدأ القدرة على الدفع (Ability-to-Pay Principle)؛ ينص على أن مساهمة الأفراد أو الشركات في الضرائب يجب أن تتناسب مع قدرتهم المالية، أي أن من يمتلك دخلاً أو ثروة أكبر يجب أن يدفع نسبة أعلى من الضرائب.
– نظرية المنفعة الحدية المتناقصة (Diminishing Marginal Utility) ويرتكز هذا المبدأ على أساس منطقي يقوم على فكرة التضحية المتساوية؛ حيث إن دفع مبلغ معين من المال يمثل تضحية أكبر بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المنخفض مقارنة بالأغنياء منهم.
– الضرائب التصاعدية (Progressive Taxes): حيث أنه من خلال نظام ضريبي ترتفع فيه نسبة الضريبة كلما زاد دخل الفرد أو المؤسسة، تعمل الدولة على تصحيح اختلالات السوق (Market Failures) عبر إعادة ضخ هذه الأموال في الاقتصاد على شكل خدمات إما مجانية أو مدعومة (كالتعليم والصحة) لتعيد التوازن للفرص الاقتصادية.
– الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية، هي نموذج تنموي يهدف إلى تلبية احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية عبر تحسين جودة الحياة، بالحد من مظاهر الفقر والعمل على إبقاء مؤشرات النمو الاقتصادي متوازنة، بهدف تحقيق الاستقرار الاجتماعي، فالتفاوتات الهائلة في الثروة تؤدي حتما إلى اضطرابات اجتماعية يسببها أساسا ضعف القوة الشرائية للطبقات الضعيفة.
المطلب الثاني: الأدوار الاقتصادية والاجتماعية للضرائب
– اقتصاديا: في الفكر الاقتصادي، تعتبر الضريبة عاملاً مهما يؤثر مباشرة على النشاط الاقتصادي حيث أصبحت تعد من أهم الآليات التي تستعملها الدول لتحقيق الاستقرار الاقتصادي؛ إذ تعتمد عليها بشكل كبير في تغذية احتياطات الخزينة من النقد، وتحقيق التوازن المالي للميزانية العامة، و”تعد الضريبة الوسيلة الأساسية التي تعتمد عليها الدولة لتعبئة الموارد المالية اللازمة لتغطية نفقاتها العمومية، حيث تمكنها من تمويل الخدمات الأساسية وضمان سير المرافق العامة، وهو ما يجعلها الركيزة الأساسية للمالية العامة،”25
و” لا تقتصر الضريبة على وظيفتها التمويلية، بل تُعتبر أداة فعالة لتوجيه النشاط الاقتصادي، إذ يمكن للدولة التأثير من خلالها على قرارات الاستثمار والاستهلاك، عبر فرض معدلات مختلفة أو منح امتيازات ضريبية لبعض القطاعات أو الأنشطة ذات الأولوية”26
تستخدم السياسة الضريبية كأداة لدعم التنمية الاقتصادية، خاصة في الدول النامية، وذلك عبر تشجيع الاستثمار الإنتاجي وتوجيه الموارد نحو القطاعات الاستراتيجية، بما يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي27حيث تساهم الضرائب المباشرة على الأرباح في الحد من تراكم الأموال في يد فئة قليلة، إذ تقلل من عوائد صافي أرباح المستثمرين الكبار لتعيد جزءا منها إلى خزينة الدولة قصد تمويل الخدمات العامة كالتعليم والصحة والبنية التحتية ودعم الفقراء.
في مجال الاستهلاك، تُعد الضرائب على الاستهلاك من أهم الأدوات التي تعتمدها الدولة للتأثير في الطلب، إذ إن ارتفاعها يؤدي إلى تقليص القدرة الشرائية ومن ثم الحد من الاستهلاك، وخاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود28 فالضرائب الغير المباشرة تؤثر على سلوك المستهلكين من خلال رفع الأسعار، ففرض ضرائب مرتفعة على السلع الكمالية كالحلويات والأجهزة الإلكترونية مثلا، يزيد من تكلفتها مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها ونقصان الطلب عليها، بينما تبقى السلع الضرورية كالخبز والوقود أقل تأثرًا.
أما بخصوص الادخار، تؤثر الضريبة بشكل مباشر على الادخار، حيث يؤدي اقتطاع جزء من الدخل في شكل ضرائب إلى تقليص الفائض المتاح للتوفير، وهو ما يحد من قدرة الأفراد على الادخار، خاصة لدى الفئات محدودة الدخل.
فيمكن إذن، أن تكون الضريبة إما مثبطا أو محفزًا للادخار، فطبيعة الضريبة المبنية على الإعفاءات أو الحوافز أو التخفيضات الضريبية، يحفز الأفراد على الادخار طويل الأمد، ويساهم في تعزيز الاستقرار المالي للأفراد والشركات، ويدعم تطورهم الاقتصادي عبر زيادة الاستثمار، أما ارتفاع الضرائب فيضعف قدرة الأفراد على الاستهلاك وينقص من الأموال المتاحة للإنفاق على السلع والخدمات، خصوصا الإنفاق على الكماليات.
اجتماعيا: تعتمد الدولة على الضريبة لتحقيق أهدافها الاجتماعية؛ إذ تمكنها من رصد الموارد المالية لإدارة سياسات الإنفاق العمومي، لا سيما في الميدان الاجتماعي المتعلق بقطاعات ذات أولوية قصوى كالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
ومن خلال توجيه إيرادات الضرائب نحو برامج الدعم الاجتماعي، تتكفل الضريبة بمهمة إعادة توزيع الثروة وتعزيز مبدأ العدالة التوزيعية، بالحد من التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد، حيث يعمل النظام الجبائي على نقل الثروة من الفئات الميسورة إلى الفئات الأقل حظا، علاوة على ذلك، تسهم الضريبة في تعزيز روح المواطنة والمسؤولية المجتمعية لدى الأفراد، فأداؤهم لواجباتهم الضريبية يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى استفادتهم من الخدمات العامة.
إن مساهمة الضريبة في التنمية الاجتماعية تظل مقرونة بمدى التزام المتحكمين في السياسات الضريبية بمبادئ العدالة في توزيع العبء الضريبي، فكلما كان النظام الجبائي أكثر إنصافًا، زادت قدرته على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
المطلب الثالث: نحو نظام توزيعي عادل
تعد العدالة التوزيعية تجسيدًا لمقاصد الشريعة في تحقيق الإنصاف والعدل في المجتمع، في المقابل، يسعى النظام الضريبي إلى تحقيق نفس الأهداف ولكن عبر أدوات مختلفة، تتشكل عموما من الضرائب التصاعدية والرسوم العامة.
من هنا، تظهر الحاجة إلى صياغة مشروع فكري يدمج بين نظرية التوزيع الإسلامية وبين آليات الضريبية الحديثة، بما يحقق التوازن بين المرجعية الإسلامية والكفاءة الاقتصادية.
تتحدد ملامح هذا المشروع المدمج في تكامل نظام الضرائب مع مؤسسة الزكاة والوقف، بحيث نعتبر هذه الآليات الشرعية كأساس لعملية التوزيع، فيما تأتي الضرائب كأداة مكملة، ويكون ذلك من خلال إنشاء مؤسسة مستقلة، لها هياكلها التنظيمية وقوانينها الخاصة، يكون من أبرز مهامها إدارة صندوق يعتمد على ميزانية موحدة تجمع حصيلة الزكاة والأوقاف والضرائب معا وفق آليات وقوانين واضحة وتتبع صارم، ويقوم النموذج المقترح على ما يلي:
– وضع إطار قانوني موحد يجمع الزكاة والوقف والضرائب.
– التأسيس لقاعدة بيانات لكل قطاع على حدة.
– تأسيس صناديق جهوية تابعة للمؤسسة المركزية توكل مهمة تسييرها للجان مستقلة مؤهلة.
– إحصاء عام للمستحقين لمال الزكاة والوقف مع وضع قواعد صارمة لحق الاستفادة.
– فرض الضرائب وفق تصاعدية عادلة، بحيث تفرض وفق مبدأ القدرة على الدفع.
– تقوم الجهات المركزية باقتطاع مبالغ الزكاة من مجموع الضريبة على أساس سنوي تشجيعا على أداء هذه الفريضة، ومنعا للازدواج أو التناقض.
– إشراف فقهي لضمان الانسجام مع الشريعة، وإشراف اقتصادي لضمان الكفاءة والشفافية.
– ربط المسؤولية بالمحاسبة ضمانا للنزاهة وحسن التدبير.
– ربط قواعد البيانات بمنصة إلكترونية موحدة، بحيث يستطيع الولوج إليها عموم الناس، مراعاة للشفافية والحق في المعلومة.
– نشر البيانات المالية بصفة دورية، ما من شأنه تعزيز الثقة والشفافية.
-تشريع ضرائب عادلة، وهو نظريا يقوم عدة مبادئ أهمها:
. القدرة على الدفع بحيث تفرض ضرائب تصاعدية على الدخول المرتفعة، وتخفف عن الفئات الهشة.
. الشفافية ووضوح القوانين والإجراءات ونشر تقارير دورية عن الموارد والمصارف.
. المساواة وذلك بتجنب التمييز بين المكلفين، وضمان عدالة مجالية بين المدن والقرى.
. الحياد الاقتصادي وعدم تشويه المنافسة أو تثبيط الاستثمار.
ثم إن إنشاء مؤسسة مالية تجمع بين السياسة الضريبية واليات التوزيع الإسلامية يقتضي وضع منظومة متكاملة من آليات التتبع والمراقبة، تجمع بين البعد الشرعي والبعد التقني والإداري:
– الرقابة الشرعية: تتمثل في وجود مجلس شرعي يضم نخبة من العلماء والفقهاء المتخصصين في فقه الزكاة والمالية الإسلامية، يتولى إصدار الفتاوى وتفسير الأحكام المتعلقة بالمصارف الشرعية للزكاة، ويُشرف على مطابقة القرارات والسياسات مع مقاصد الشريعة.
– الرقابة التقنية والإدارية: تتيح إمكانية التتبع الرقمي للموارد من لحظة جمعها إلى لحظة صرفها، كما تُنشأ لجان مستقلة للتدقيق المالي تُصدر تقارير سنوية تُنشر للعموم، تعزيزًا لمبدأ الشفافية، وتُضاف آليات المراقبة الميدانية لمتابعة المشاريع التنموية الممولة من أموال المؤسسة، بما يُمكّن من تقييم فعاليتها وأثرها الاجتماعي والاقتصادي.
– الرقابة المجتمعية: تُمنح الجمعيات المحلية حق المشاركة في مراقبة المشاريع وتقييم أثرها، كما تُخصص آليات لتلقي شكاوى وملاحظات المستفيدين لضمان العدالة في التوزيع.
وضمانا للاستخدام الأمثل للموارد، يصبح من الضروري تبني آليات تربط بين الابعاد التالية:
– البعد الحوكمي: تبني حوكمة رشيدة مدعومة بتكنولوجيا حديثة، تكون قادرة على تتبع العمليات المالية والإدارية بدقة وشفافية، فالحوكمة في هذا السياق هي منظومة متكاملة تشمل :
. الشفافية عبر نشر تقارير دورية بشكل منتظم يتيح للمواطنين والمزكين الاطلاع على حجم الأموال المحصلة وأوجه صرفها، كما تفتح المجال أمام المجتمع المدني والباحثين لمناقشة السياسات المالية وبذلك تتعزز الثقة خصوصا عندما يرى المواطن أن أمواله تدار وفق معايير واضحة فيزداد التزامه بالمساهمة في الصندوق.
. الرقابة الشرعية والقانونية لضمان مطابقة الأداء لأحكام الشريعة والقوانين المالية.
. الاستقلالية المؤسسية للصندوق تعزز من قدرته على أداء مهامه بعيداً عن التدخلات السياسية أو المصالح الضيقة
– البعد التكنولوجي: تعتبر التكنولوجيا الأداة التي تمنح هذه الحوكمة قوة التنفيذ والقدرة على التتبع وتعتمد:
. الرقمنة عبر الأنظمة المحاسبية الرقمية التي تتيح تسجيل المعاملات بدقة، وتقلل من الأخطاء البشرية
. الذكاء الاصطناعي: تتجلى وظائف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الديموغرافية لتحديد الفئات الأكثر هشاشة، وتتجلى أيضا في القدرة على التنبؤ بالاحتياجات اعتمادا على استخدام النماذج التنبؤية لتقدير حجم الطلب على المساعدات في المستقبل
. البلوك تشين يوفر تسجيل كل العمليات بشكل فوري في الشبكة، مما يمكن من تتبع مسار الأموال حتى وصولها إلى المستفيدين، مع إمكانية التحقق من ذلك علناً.
إن أهمية الدمج بين الحوكمة والتكنولوجيا لم يعد خياراً ثانوياً، بل هو ضرورة لضمان تحقيق العدالة التوزيعية التي تشكل جوهر الزكاة والضرائب في الفكر الاقتصادي الإسلامي، فالحوكمة توفر الإطار القيمي والمؤسسي، بينما تمنح التكنولوجيا الوسائل العملية للتنفيذ والمتابعة.
ومن خلال هذا التكامل، يصبح الصندوق قادراً على تحقيق أهدافه في مكافحة الفقر، تعزيز التكافل الاجتماعي، ودعم التنمية الاقتصادية، مع الحفاظ على أعلى درجات الشفافية والمساءلة.
خاتمة
إن العدالة التوزيعية ليست مجرد مفهوم اقتصادي كباقي المفاهيم، بل هي روح حضارية متجذرة في الفكر الإسلامي، تنبع من مقاصد الشريعة التي تجعل من المال وسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية لا غاية في ذاته، فالزكاة والوقف هي أدوات مالية، وفي نفس الآن هي مؤسسات أخلاقية واجتماعية تهدف إلى إعادة التوازن بين الفقراء والأغنياء، وبين الفرد والمجتمع، وبين الدنيا والآخرة، فهي ذات مرجعية أخلاقية تستمد مشروعيتها من النصوص الشرعية، وتجعل من التكافل واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، أما في الفكر الغربي، فالعدالة التوزيعية ذات مرجعية عقلانية تستمد مشروعيتها من التوافق الاجتماعي والعقد الاجتماعي، وكلاهما يسعى إلى تحقيق التوازن وتقليص الفوارق، لكن الاختلاف يكمن في الأساس الفلسفي الذي يحدد الغاية والوسيلة، هذا التباين يفتح المجال أمام إمكانيات التكامل، حيث يمكن أن تستفاد من القيم الإسلامية لتعزيز البعد الأخلاقي، ومن الآليات الغربية لتطوير أدوات تقنية وقانونية تضمن الشفافية والفعالية.
لقد توصلت من خلال بحث موضوع العدالة التوزيعية في الاقتصاد الإسلامي ومقارنتها بالسياسات الضريبية إلى بعض النتائج الممكن صياغتها على الشكل التالي:
– تكامل الآليات الإسلامية للتوزيع والضرائب ممكن بالنظر لما يوفره النظام الاقتصادي الإسلامي من أدوات توزيع الثروة (الزكاة، الوقف، تبرعات…) والتي تحقق العدالة الاجتماعية بشكل مباشر، وما توفره السياسات الضريبية التي تعتمد على الضرائب كأداة رئيسة.
– إعادة ترتيب الأولويات عند استثمار العوائد يحقق توازنًا أفضل.
– القضاء على التهرب الضريبي ممكن نظرا لأن النظام الاقتصادي الإسلامي يربط الالتزام المالي بالوازع الديني والأخلاقي، مقابل الإصلاحات التي تقوم به الأنظمة السياسية الحديثة تعكس توجهها نحو تعزيز المواطنة الضريبية، إلا أنها ما تزال تواجه تحديات في التطبيق.
-البحث يبرز أيضا أن ضعف العدالة الجبائية، يضعف الثقة بين المواطن والدولة، بينما في الاقتصاد الإسلامي تُبنى العلاقة على التكافل والالتزام الشرعي، لذا فإن تكامل النموذجين يعزز الرضا الاجتماعي ويرسخ المواطنة الضريبية.
– في النظام الاقتصادي الإسلامي، الزكاة تظهر أثرًا توزيعيًا أوسع بفضل شمولها للفقراء والمحتاجين مباشرة، أما النظام الجبائي الحديث يعتمد على الضريبة التصاعدية للشركات والأفراد، فإنه لا يحقق دائمًا العدالة بسبب الثغرات والاقتصاد غير المهيكل.
– مقاصد الشريعة توفر إطارًا أخلاقيًا متكاملًا يمكن أن يلهم السياسات الضريبية الحديثة لتجاوز الطابع المالي الربحي نحو العدالة الاجتماعية.
إن الأمة الإسلامية إذا ما استطاعت أن تمزج بين هذه الرؤى، ستكون قادرة على صياغة نموذج للتنمية المستدامة يحقق العدالة، ويعزز التكافل، ويضمن استمرارية الموارد للأجيال القادمة. وهكذا، تصبح العدالة التوزيعية قصيدة مفتوحة على الزمن، تُكتب بمداد القيم، وتُترجم في السياسات والمؤسسات، لتبقى وعدًا أبديًا بأن الإنسان هو الغاية، وأن المجتمع هو الحاضن، وأن الدولة هي الضامن.
1- ابن منظور، لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الإفريقي، ج 11، ص 430
2- الجوهري، الصحاح، أبو نصر إسماعيل بن حماد ج5، ص 1760-1761
3- أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973، الكتاب الرابع، ص 112–115
4- أرسطو، الأخلاق النيقوماخية، ترجمة أحمد لطفي السيد، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947، الكتاب الخامس، ص. 89–94
5- جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001، الفصل الأول، ص. 25–30
6- الامام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الخراج، باب من أحيا أرضًا ميتة. رقم الحديث: 2335
7- الامام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس. رقم الحديث: 1499
8- الإمام مسلم، صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم1631
9- عبد الله بن عبد المحسن الطريقي، الاقتصاد الاسلامي اسس ومبادئ وأهداف، طبعة11 ،2009، بتصرف
10- الإمام مسلم، صحيح مسلم،كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث رقم 89
11- حسن أيوب، فقه المعاملات المالية في الإسلام، دار السلام للطباعة، الطبعة الرابعة 2010، ص 307
12- أحمد الريسوني، الوقف الإسلامي مجالاته وأبعاده، ص63
13- محمد عثمان شبير، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، بتصرف، طبعة 6، 2007
14- عبد الله السعدي، سياسة المال في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ومقارنتها بالأنظمة الحديثة، الطبعة 1، 1983، بتصرف
15- الامام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث رقم 13
16- محمد ابو زهره، التكافل الاجتماعي في الإسلام، دار الفكر العربي، طبعة جديدة 1991، بتصرف
17- الغزالي، إحياء علوم الدين، أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ج3، ص 257
18- الامام البخاري، صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب إيثار الأنصار، رقم الحديث: 3798
19- الامام البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم الحديث6011
20- يوسف القرضاوي، القيم الانسانية في الإسلام، بتصرف
21- رفعت سيد العوضي، الأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، طبعة 1، 2021، بتصرف
22- أدم سميث، ثروة الأمم، الكتاب الخامس، الفصل الثاني
23- حسن عواضة، المالية العامة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، لبنان،1978 ص20
24- عبد السلام أديب، السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية، تقديم د عبد الحليم عواد، طبعة 1، 1998، بتصرف
25- عبد السلام أديب، السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية، تقديم د عبد الحليم عواد، طبعة 1، ص 45–47
26- عبد السلام أديب، السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية، تقديم د عبد الحليم عواد، طبعة1، ص 52–56
27- نفس المرجع السابق، ص 70–73
28- نفس المرجع السابق، ص 122
قائمة المراجع:
1- القران الكريم
2- صحيح البخاري، الامام البخاري
3- صحيح مسلم، الإمام مسلم
4- لسان العرب، ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري الإفريقي، ج 11
5-إحياء علوم الدين، أبي حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، ج3
6- ثروة الأمم، أدم سميث، الكتاب الخامس، الفصل الثاني
7- الأخلاق النيقوماخية، أرسطو، ترجمة أحمد لطفي السيد، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1947، الكتاب الخامس
8-الجمهورية، أفلاطون، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973، الكتاب الرابع
9- المالية العامة، دراسة مقارنة، حسن عواضة، دار النهضة العربية، لبنان،1978
10-سياسة المال في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب ومقارنتها بالأنظمة الحديثة، عبد الله السعدي، الطبعة 1، 1983
11- التكافل الاجتماعي في الإسلام، محمد ابو زهره، دار الفكر العربي، طبعة جديدة 1991
12- السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية، عبد السلام أديب، تقديم د عبد الحليم عواد، طبعة 1، 1998
13- نظرية العدالة، جون رولز، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001، الفصل الأول
14- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، محمد عثمان شبير، طبعة 6، 2007
15- الاقتصاد الاسلامي اسس ومبادئ وأهداف، د. عبد الله بن عبد المحسن الطريقي، طبعة11 ،2009
16- فقه المعاملات المالية في الإسلام، حسن أيوب، دار السلام للطباعة، الطبعة الرابعة 2010
17- الوقف الإسلامي مجالاته وأبعاده، أحمد الريسوني
18- القيم الانسانية في الإسلام، يوسف القرضاوي
19- الأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، رفعت سيد العوضي طبعة 1، 2021