منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليَقظةُ الرّوحية؛ التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || الـمَعنى والقلب ح11

عبد الصمد الخزروني

0

اليَقظةُ الرّوحية

التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى

الـمَعنى والقلب ح11

عبد الصمد الخزروني

 

الرّحلة الداخلية

جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: “ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلبُ عبدي المؤمن”[1]. هذا يعني أن القلب أوسع من السماوات والأرض، هو عالم بِوحده، هو كون بوحده. فمن عجز أن يعيش في العالم المادي الظاهر فليعش في عالمه القلبي الداخلي بكل حرية فإنه مِلْكه ومملكته. وكذلك عاش فيه المحرومون من الحرية الجسدية من علماء ودعاة ومفكرين لـمّا ضُيّق عليهم وحوصروا وسُجنوا.

وممن عبّر عن تلك الحرية الداخلية ابن تيمية رحمه الله تعالى لما سجنوه في سجن القلعة بدمشق فقال: “ما يصنع بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري أين رحتُ، فجنّتي معي ولا تفارقني، إن حبسي خلوة، وإخراجي من بلدي سياحة، وقتلي شهادة”. ومنهم رئيس البوسنة والهرسك السابق علي عزت بيجوفيتش رحمه الله الذي ألّف كتابا في الموضوع عَنونه بــــــــ “هروبي إلى الحرية”، وهو مُنقاد إلى السجن. فاعتبر دخوله إلى السجن هي الحرية بعينها، ليس للجسد بل لروحه وعقله وقلبه. بل قال في بعض كلامه أنه لم يكن إنسانا حرّا فقط، بل كأنه “إنسان أهداه الله كلّ خيرات هذه الدنيا”[2].

 فالذي كان يُتعب الطغاة والمستبدين أشدّ التّعب عبر التاريخ أن يَجدوا من لا يعبأ بتهديداتهم ومساوماتهم وسجنهم وتعذيبهم من الرجال الصادقين، والسبب أنهم إن قدروا على سجن الجسد والنيل منه بالتعذيب والتنكيل فإنهم لم يقدروا على سجن القلب والنيل منه، فهو خارج سيطرتهم ولا يمكن تملكه بين أيديهم أو التحكم فيه كما الجسد. ولهذا تبوء مخططاتهم تجاه هؤلاء بالفشل، بل أحيانا بالخسارة أيضا حين يزداد الصادقون قوة وثباتا، وتزداد مكانتهم في قلوب الناس ثقة، وشرعيتهم في الواقع رسوخا. سُجن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله لمرات عديدة، وحُوصر لعشر سنوات في بيته، ومع ذلك ما تأثر بذلك السجن والحصار، فكان في كل مرة يخرج بمعنويات أكثر قوة، وبمواقف أكثر جرأة، وبمكاسب سياسية أكثر شرعية. كانت حياته وهو مسجون أو محاصر أحسن حالا من حياة الواحد منا وهو يعيش حرّا طليقاً في الخارج.

القلبُ محطّ نظر الله

إننا إذا تأملنا الأحاديث التي تتحدث عن مكارم الأخلاق ومحاسنها فسنجد أنها دائما مرتبطة بالقلب، وبأنها معاني قلبية تسكن داخله وفي أعماقه. هناك يمكن للمؤمن أن يعيش تلك المعاني والمعالي في الوقت الذي يغوص الآخرون في الماديات في عالم الواقع حتى الثّمالة. ومن هذه المعاني والمحاسن القلبية نجد: المحبة والرحمة، الشوق والأنس، الرضى والغنى، الطمأنينة والسكينة، القناعة والشكر، الجمال والكمال، السرور والحزن، النور والحلم، التقوى والورع، التوكل والصبر، الصدق واليقين، التواضع والحياء، الخوف والرجاء، وغيرها. وإلى هذه المعاني القلبية الباطنية ينظر الله تعالى من الإنسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم[3].

إنّ الله تعالى ينظر إلى عالمنا الداخلي الذي أعطى لنا فيه الحرية الكاملة في تنظيم شؤونه أو بعثرتها، في تطهير بيته أو تدنيسه، في تنوير أرجائه أو إِظلامه. وليس للقلب من وسيلة مؤثرة وقوية ترتّب له شؤونه الداخلية وتُطهر له بيته وتنوّر له أرجاءه أعظم من وسيلة ذكر الله تعالى، يقول سبحانه: [الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب] (الرعد:28). وأثناء الذكر ومع الاستغراق فيه، تتمّ الرحلة المباركة إلى الباطن ثم إلى الأعماق ثم إلى أعماق الأعماق ليكتشف الذاكرُ داخله من أي عالم هو، وما هي الأسرار المتدفقة فيه، والأنوار المنبعثة فيه، والمعاني الساكنة فيه. فلوجود الفتنة الجاثمة على الواقع وانتشار الغفلة المتربصة بالقلوب قلّما تتاح الفرصة للإنسان أن يرحل إلى داخله هذه الرحلة المباركة ليكتشف عالمه.

الإصلاح يبدأ من القلب

الأمة مقهورة مغلوبة على أمرها، غثاء، كم مُهمل لا وزن له بين الأمم. الأمة التي كانت في المقدمة يوما أصبحت في المؤخرة، أخلاقيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وتعليميا وفنيا وفي كل المجالات. ذهبت بعض الاجتهادات إلى أن الأسباب ترجع إلى الحكام: فهُم لم يحكموا شعوبهم بالعدل. وبعضُها أرجعت الأسباب إلى العلماء: فهم لم يقوموا بدورهم الدعوي والتربوي، وبواجبهم الشرعي والقيادي. وبعضها الآخر أرجعتها إلى النخبة المثقفة: فهم لم يكونوا فاعلين حقيقيين في مجتمعاتهم، بل كانوا سلبيين إلى حدٍّ أصبح فيهم السّائم والنائم والهائم، وأخيرا أصبح فيهم الفاسد والظالم. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شخص لنا أسباب الفتنة والأزمة وجدها في داخلنا.

السّبب في داخل الجسم وما سوى ذلك ليس إلا أعراضا ونتائج. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ اللهُ من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟  قال: حبّ الدنيا، وكراهية الموت[4]. هذا هو المرض الذي بقلوبنا. إنه الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت. ولعلاج هذا المرض الداخلي الذي هو الوهن لا بدّ من تربية يخضع لها القلب حتى يتحول حبّ الدنيا إلى حبّ الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله. وتتحول كراهية الموت إلى محبة لقاء الله تعالى.

منذ “استقلال” الدويلات المشكّلة للأمة من الاحتلال الغربي، تمّ اعتماد عدّة تجارب إصلاحية للنهوض والتقدم، منها: الإصلاح الزراعي، الصناعي، الاقتصادي، السياسي، الاجتماعي. لكنها باءت كلها بالفشل كلاّ أو جزءا. ليبقى الخروج الحقيقي من الفتنة ومن الأزمة التي تخنق الأمة وتتفاقم يوما بعد يوم هو الإصلاح القلبي الذي دعا إليه ووصّى به وأكدّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو إصلاح شهد التاريخ بنجاح تجربته في مرحلة هي الأصعب من نوعها، وهي مرحلة الجاهلية التي كانت فيها القلوب ليست مريضة فقط بل ميتة. فأحياها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور القرآن.

أثرُ القرآن في القلب

أذكر هنا قصة تربوية تبين كيف يؤثر القرآن على القلب ليبعث فيه الحياة.  يحكى أنه كان هناك رجل يقرأ القرآن بكثرة ولكن لا يحفظ منه شيئا، سأله ابنه الصغير: أبي ما الفائدة من قراءتك القرآن من دون أن تحفظ منه شيئا؟ فأجابه أبوه قائلا: سأخبرك لماذا؟ لكن بشرط، أن تملأ لي هذه السلة بماء البحر.  فقال الولد: هذا مستحيل يا أبي. فقال له: جرب أولا. فأخذ الولد السلّة وبدأ يُجرب. اتجه الى البحر وحاول أن يملأها بالماء ولكنه تسرب منها. فرجع إلى أبيه وقال له: لا فائدة يا أبي. قال له: جرب ثانية. ففعل ثانية فلم ينجح.

وعندما عاد قال له أبوه: يا ولدي، ألم تلاحظ شيئا على السلّة؟ عندها فَطن الولد وقال: نعم يا أبي، إن السلّة كانت متّسخة من بقايا الفحم الذي تحمله فيها، والآن أصبحت نقية ونظيفة تماما. فقال له الأب: هذه هي الفائدة من قراءة القرآن يا ولدي حتى وإن لم تحفظ منه شيئا. إنه كماء البحر ينقّي ويطهّر وينظّف القلبَ من الأوساخ التي تعلّقت به جرّاء حركته في الدنيا. هذا هو الإصلاح الحقيقي. من هنا يبدأ، من داخل الإنسان، من قلبه حتى يصلح، وإذا صلح الإنسان صلحت الأوطان، لأن الإنسان هو من يقف وراء كل تلك المجالات التي تقوم على أساسها.

إن الإنسان يشكل في ذاته الانسانية وحدة متكاملة، مركز هذه الوحدة الانسانية القلب. فأي فساد يصيب المركز يصيب الوحدة أيضا. وإن الكون يشكل في موضوعه وحدة متكاملة، مركز هذه الوحدة الكونية الإنسان. فأي خلل يصيب المركز يصيب الوحدة أيضا. فالوحدة الكبيرة لها علاقة بالوحدة الصغيرة في التوازن والخلل. والمركز الكبير له علاقة بالمركز الصغير في الصلاح والفساد. فاليقظة الروحية لها تأثير بهذا كله. تصلح فساد المركز الصغير ليصلح المركز الكبير، وتعالج خلل الوحدة الصغيرة لتعيد توازن الوحدة الكبيرة.

اعزِفْ موسيقاك

إن في داخلنا موسيقى تنتظر من يعزفها، ونداء من الأعماق ينتظر من يلبّيه، فلا ننشغل بموسيقى الخارج الصاخبة عن تلك التي بداخلنا الهادئة، ولا ننساق وراء النداء إلى الغفلة ونترك النداء الذي بداخلنا إلى اليقظة. ولتوضيح هذه القضية أورد هذه القصة، وصل رجل على متن سيارته ليلا إلى بيته، فلما دخل بيته وهو مظلم سقطت من يده مفاتيح السيارة، فعوض أن يضيء المصباح ليبحث عن مفاتيحه، رأى الضوء في الشارع فخرج إليه يبحث عنها هناك. مرّ عليه جاره فسأله: ماذا تفعل هنا يا صديقي؟ فقال له: أبحث عن مفاتيح ضاعت مني. فقال له جاره: وأين ضاعت منك بالضبط؟ فأجابه: بداخل البيت. فتعجب جاره وقال له: يا لها من حماقة، كيف تبحث عنها بالخارج وقد سقطت منك في الداخل، اذهب فأنِر بيتك وابحث عنها هناك. وهذه القصة تنطبق على من يبحث عن مفاتيح السعادة خارج ذاته، وذلك باقتناء الأشياء والمزيد من الأشياء متوهما أنها تغنيه وتكفيه لإسعاده، وهو لا يدري أن السعادة تكمن بداخله، وأنه كلما امتلك من الأشياء أكثر كلما فقد من معاني السعادة أكثر.


[1] – أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج3، ص:16.

[2] – علي عزت بيجوفيتش، هروبي إلى الحرية، ط1، ص:19، دار الفكر بدمشق.

[3]– رواه الإمام مسلم رحمه الله.

[4]– رواه الإمام أحمد وأبو داود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.