منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || التّحول سلوك ح7

عبد الصمد الخزروني

0

اليَقظةُ الرّوحية

التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى

التّحول سلوك ح7

بقلم: عبد الصمد الخزروني


السّلوك إلى الله

إذا أردنا أن نحدد لهذا التحول نحو تحقيق المعنى جانبا إجرائيا، فإن مفهومه يكون بنفس المدلول مع مفهوم اقتحام العقبة إلى الله، ومفهوم التقرب إلى الله، ومفهوم السلوك إلى الله، استجابة لنداء الله تعالى الذي يهيب بالإنسان إلى هذا الفعل وهذا العمل في العديد من الآيات والأحاديث. فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ: “يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ أُهَرْوِلُ”. قَالَ قَتَادَةُ: “فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَسْرَعُ بِالْمَغْفِرَةِ”[1].

فالحديث يُقرر لنا مبدأ السلوك إلى الله تعالى، وهو عبارة عن تحول في المكان، وقطع للمسافات، وتقرّب وسير وحركة. قد يُسخّر فيه الجسد باستعمال الجوارح، لكنه يكون تابعا للفاعل الحقيقي في السلوك وهو الروح أو القلب. والروح هو القادر على اختراق الحُجب وقطع العوالم الواحد بعد الآخر حتى يصل إلى الغاية التي تحقق له المعنى وليس الجسد لأنه ثقيل يتحكم فيه الزمان والمكان. أما الذكر فهو الطاقة المحركة للروح حتى تنطلق على طول الطريق وتسافر وتعانق الثريا وليس للجسد لأن الجاذبية تمنعه. ولكن إذا تحركت الروح انتعش الجسد وخفّ لما يجده من قوة الروح التي تحمله.

شُروك السلوك

الذكر: من الذكر ما هو عام مرتبط بكلّ العبادات التي أقيمت لتحقيقه كما في قوله تعالى: [وأقم الصلاة لذكري] (طه:14). ومنه ما هو خاصّ وهو المقصود مرتبط بالحالة والهيئة والصيغة والوجهة والزمان والمكان. فيجلس العبد طاهرا حاضرا مستقبلا للقبلة ومستحضرا للقلب، ومرددا للاستغفار في البداية تطهيرا للقلب من الأوساخ، ثم بعد ذلك مُردّدا للصلاة على النّبي صلى الله عليه وسلم تنويرا لهذا القلب من الظلمة، ثم بعد ذلك مُكثرا من تكرار الكلمة الطيبة لا إله إلا الله تعميرا للقلب بأنوار الإيمان.

الصدق: إذا أدركنا أن هذا التّحول الذي يُحقق لنا المعنى هو التعبير عن السلوك وأن ذكر الله هو الشرط الأول الذي يمثل فيه الطاقة المحرّكة النافعة والدافعة والرافعة، فإن الشرط الثاني الضروري والحاسم في هذا التحول السلوكي هو الصدق الذي يُعبِّر عن القابلية والإرادة والاستعداد. وقد أشار الحديث إليه بقوله: وإن دنوت(…) وإن أتيتني تمشي (…)”. يُفهم من هذا التعبير أن هناك حركة وعمل وجُهد.

الصحبة: الذّكر الطاقة المحركة والصّدق القابلية والاستعداد، يلتحق بالشرطين شرط ثالث لا يقل أهمية بل هو المكون للمعادلة الكاملة للسلوك وهي الصّحبة. وذلك من خلال حديث آخر نورده ليُحدد لنا هذا الشرط. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَه[2].

فشرط الصحبة في التّحول السُّلوكي حسب ما ورد في الحديث هو عدم معاداة أولياء الله تعالى الذين حققوا المعنى وسلكوا الطريق وبلغوا نهايته، فإن كان هذا هو منطوق الحديث، فمفهومه هو محبة أولياء الله وصحبتهم ومجالستهم والاستعانة بهم.

وَسائل السّلوك

ثم بعد تحقيق هذا الشروط الثلاثة يبدأ السلوك كما حدّده الحديث من الحفاظ على الفرائض، قلبية كانت أو قولية أو فعلية. وسواء ارتبطت بالعبادات أو المعاملات. حتى إذا صار السّالك الطالب للمعنى على سكة الطريق استعان بالنوافل التي تكمل له الطريق وتوصله إلى نهايته. والنوافل هي مجموعة من الأعمال التطوعية. فللصلاة نوافل هي الرواتب، وللصيام نوافل هي التطوع، وللزكاة نوافل هي الصدقة، وللحجّ نوافل هي العمرة.

 وكما جعل الله تعالى أعمالا تعبدية ضرورية تقطع بنا المسافات التي تفصلنا عن بلوغ المعنى، والتي تقربنا منه، والتي تقتحم بنا العقبة إليه. جعل نوافل وأعمالا تطوعية تغطي النقص وتعوض وتملأ الفراغ وتدفع إلى الأمام، فهي نوافل يومية، منها ما يكون قبل الفريضة ومنها ما يكون بعدها. حدّدها الحديث الذي رواه مسلم عن سيدتنا حبيبة زوج النبي رضي الله عنها في اثنتي عشرة ركعة. قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة، أو إلا بُني له بيت في الجنة“.

بينما نجد في الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها والتي بينت فيه رضي الله عنها تفاصيلها، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة دخل الجنة، أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر“. ولأهمية هذه الرواتب وفضلها صارت عند بعض العلماء في حكم السنن المؤكدة، إذا لم تُصلّ في وقتها قُضيت في وقت لاحق. وكذلك ثبَت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى نافلة صلاة العصر التي تكون قبلها لأمر شغله فصلاها بعدها.

 ومثل هذا التحول لا بد أن ينتج عن المعرفة الكاملة بما هو حاضر من حياة غير راض عنها، وبما هو مطلوب من حياة راغب فيها. وبما هو جسر بين الحياتين يحتاج للعبور عليه إلى الحكمة اللازمة والتدرج المناسب وطول النّفَس. وحالةَ ينجح الانسان في هذا العبور ويتم له التحول يَتحرر من قيود كثيرة كانت تُكبّله عن فعل الخيرات والقيام بالطاعات والمشاركة في التّهمُّم بأمور الأمة والإنسانية على حدّ سواء.

في هذه المرحلة يبدأ السالك في رؤية كرامات تحدث له بكل بساطة ويسر، وتتغير عاداتُه وميولاته وطموحاته التي كانت تافهة لتصبح ذات أهمية وقيمة، مثل الإفراط في تناول الطعام الذي يتحول إلى صيام، والإفراط في النوم الذي يتحول إلى قيام، والفوضى في البيت ومكان العمل الذي يتحول إلى نظام، والنظر العادي إلى الأمور الذي يتحول إلى تأمل وتفكر واعتبار وإلهام.

بهذا التحول سيُحسّ الإنسان أن الجزء الذي عاش لفترة من الزمن تحت القيود التي فرضتها النفس أصبح حرّا منها، ويرى حالة جديدة ونظرة جديدة للحياة. وأول شيء يتسلل إلى قلبه وهو يرى هذه الحالة وتلك النظرة هو الحب للجميع بعيدا عن التعصب، الحبّ الممتزج بالرحمة والرفق بخلق الله تعالى. مما يدفعه إلى الاهتمام بالآخرين ليساعدهم على التحول هم أيضا حتى يعيشوا المعنى والسعادة مثله. الأهم من هذا هو أن يلمس تحولا كبيرا وتحسنا واضحا في سلوكه وقيمه الأخلاقية. وكلما كثُر عدد المقبلين على هذا التحول، وازداد عددهم كلما استطعنا أن نصنع ذلك الكيان الخارجي المنظم والقادر على تغيير العالم إلى ما فيه سعادة البشرية وخلاصها. ونكون بهذا قد حققنا “معنى المعنى” بشكل أوسع وأشمل وأعمق.

الغاية العظيمة

كل الناس يعرفون أن الله تعالى هو الخالق والرازق، الشافي والعافي، الناصر والمعين، الغفور الرحيم، هو الذي خلق السماء والأرض ومن فيهن، وخلق الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والجبال والبحار، والحيوان والنبات، لكنّ معرفتهم بالله بهذا الشكل لا تعدو أن تكون سوى معرفة مجردة، لأنها لا تتعدى الأسماء والصفات، معرفة نستحضرها حين نحتاجها. وكما هي مجردة فهي أيضا سطحية لا تخرج عن بُعد المصلحة. أعبد الله ليدخلني الجنة، ادعوه ليشفيني، ليرزقني، ليحفظني، أصلي للحصول على الأجر، أزكي لزيادة المال، أحج لأتطهَّر من الذنوب.

فهذه الأعمال العبادية والخيرية لا نقلل من أهميتها وقد أمرنا الله تعالى بها ووعدنا عليها الجزاء الحسن عنده، لكنها ليست التعبير الكامل عن معرفتنا بالله تعالى. فأن نعبد الله تعالى من أجل المصلحة هذا يعني أننا نتصور الله فقط شافيا ورازقا ومُعينا وناصرا وغفورا ورحيما. وعندما لا توجد هناك مصلحة تنتهي العبادة وينتهي الدعاء. وفي بعض الأحيان إذا كان هناك من يُحقق لنا هذه المصلحة بشكل أسرع نعرض عن هذه العبادة أو نتهاون فيها على الأقل وهذا مشكل عويص. فلا بدّ إذا من تصحيح هذا المفهوم.

الله تعالى حقّا لا نراه، وهو سبحانه يرانا ويعلم سرّنا وجهرنا، حجبنا عنه ليبقى شوقُنا إلى رؤيته دائمة، وبحثُنا عن معرفته مستمرة لا تنقطع إلا بانقضاء أجلنا. فلننظر إلى الشمس مثلا، نورُها يضيء الكون كله، وعندما يغيب هذا النور ليس لأنه غير موجود، بل لأن ظلمة الليل حجبتنا عنه. وكذلك الله عز وجل ولله المثل الأعلى، هو موجود، لكن ظلمة أنفسنا هي من حجبتنا عنه. فرؤيته لا تكون بعيون رؤوسنا، وإنما بعيون قلوبنا، لا تكون بعين البصر، وإنما بعين البصيرة. فكلما صفَت مرآة القلب كلما بدا وتجلّى فيه نورُ الله تعالى. فكم من الناس رحلوا من الدنيا وما عرفوا ربهم ولا عبدوه ولا شكروه ولا أحبّوه. وقد خلقهم ورزقهم وأغدق عليهم من نعمه العظيمة.

فلا بد إذاً أن نعرف من نعبد، ومن نركع له ونسجد، بعيدا عن هذه المعرفة المجردة المرتبطة بحفظ الأسماء والصفات، والسطحية المرتبطة بالمنفعة والمصلحة فقط، والتي تُصور لنا الله تعالى شافيا عند المرض، ورازقا عند الفقر والحاجة، وناصرا عند الشدة والضيق. أما عند الصحة والغنى والرخاء فغفلة وإعراض بلا حدود. يقول الله تعالى: [وما قدروا الله حقّ قدره] (الأنعام:91). فلله الوجود المطلق، وله سبحانه الكما المطلق، وله البقاء المطلق. فأن يُحقق الإنسان معرفة الله تعالى المعرفة القلبية التي يستشعر من خلالها قرب الله ومحبة الله وعظمة الله، هذا يعنى بالنسبة له أنه يعيش “اليقظة الروحية”.

همّي وهمّك

 فهذا هو همّي وهمك الأول أيها الأخ القارئ أيتها الأخت القارئة، أرجو ألاّ تحجبنا حوادثُ هذا العالم التي تتلاطم كالأمواج عن إسماع الرسالة القرآنية، رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته. وقبل إسماعها للعالم الخارجي أن نُسمعها لعالمنا الداخلي. فقد نادى سيدنا نوح عليه السلام في الحيوانات بمختلف أنواعها للركوب في السفينة بنداء واحد، فلبّت النداء. ونادى في البشر ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يستجيبوا للنداء، واستحبوا الغرق على النجاة من الماء. قرّر ابنُه أن يختار حياة العبث على حياة المعنى وهو في بيت أكبر مُربّ وداعية، بينما امرأة فرعون اختارت حياة المعنى على حياة العبث وهي في بيت أكبر مستكبر وطاغية. فكما أن الظروف ليست عذرا، فكذلك التحول من أجل تحقيق المعنى ليس صعبا.


– أخرجه أحمد، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رقم: 12405. وهو حديث صحيح. [1]

-أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم: 6502.[2]

اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || مراحل التّحول ح5
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || عَقبات في طريق التّحول ح6

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.