اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || مراحل التّحول ح5
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرّوحية
التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى
مراحل التّحول ح5
بقلم: عبد الصمد الخزروني
تحدثنا في الحلقة السابقة عن معنى التحول، وهو عملية تحتاج إلى إرادة وعزيمة، ومنطلقٍ وبداية، وبعده سلوك متواصل يستغرق العمر كله يحاول فيه الإنسان الترقّي دائما في حياته نحو الأفضل، والتوقي دائما من التدلّي نحول الأسفل.
الناس في عُبورهم من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة غالبا ما يعرفون في حياتهم تحوّلين اثنين مهمّين فقط، وينقصهم تحول أهم وأعظم وهو المقصود من وجودهم في هذه الحياة. هذا التحول الثالث الأهم والأعظم يغيب عنهم إما لجهلهم به وإما لعجزهم عن تحقيقه. وعلى هذا يمكن تقسيم التحول الذي يقوم به الإنسان في حياته إلى ثلاثة تحولات هي بمثابة مراحل:
الأول: التحول الوجودي، يقول الله تعالى: [هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] (الإنسان:1-3). وهو تحول إجباري من عالم العدم إلى عالم الوجود، أو قل: من عالم الروح إلى عالم المادة. أو قل: من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. أو قل: من عالم الملكوت إلى عالم الملك. أو قل: من عالم الذرّ إلى عالم الدنيا. يحدث للإنسان في هذا التحول تغيّر على مستوى جسده وعقله. فهو يتحول من جنين إلى طفل، ثم إلى شاب ثم إلى رجل فشيخٍ كهلٍ. تتغير من خلال هذا التحول معالمُ صورته مرات عديدة كلما مرّ عليها الوقت والزمان. ويتغير جسده من ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى ضعف وشيبة.
هذا التحول لا يقدر الإنسان أن يتحكم فيه بأن يوقفه أو يُعيده إلى الوراء، إلا بمقدار ما يُدخل عليه من تحسينات تزيد من جماله أو تنقص من عيوبه. يسود هذا التحول الاستسلام الكامل في جميع مراحل النّمو، في تقدم العمر، وفي ظهور الشيب، وفي تجعّد الوجه، وفي ضعف الجسد وهرمه.
الثاني: التحول الطّمُوحي، يقول الله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ] (آل عمران:14) وهو تحول اختياري إلى حدّ ما. من عالم الوجود إلى عالم الطموح، ومن عالم النقص والحاجة إلى عالم الامتلاك والغنى. يسعى من خلاله الإنسان إلى امتلاك أشياء لم تولد معه، ولم توجد معه، كالمال والجاه والرئاسة والشهادات والمشاريع وغيرها. فيتحول الإنسان من عاجز كان يعتمد على غيره إلى قادر يقوم بنفسه ويعتمد عليه غيرُه.
لا يقف طموح الإنسان عند حدّ معينٍ مادامت النفس هي بطلة هذا التحول ومركزه الذي يدور عليه. فهي كما تطمح إلى الامتلاك تطمح إلى التحكم في الغير، وفي قيادته ومنافسته وحتى مصارعته ومنازعته ومقاتلته إن اقتضى الأمر ذلك. لا تكتفي بالحقوق التي تمنح لها الحياة، بل ترغب في الحظوظ واللّحوظ التي تمنح لها الطغيان في الحياة. يقول الله تعالى: [كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى] (العلق:6-7).
الحظوظ هي ما يدفع النفسَ من عدم قناعتها إلى الاختيار في الأشياء. الاختيار في الأطعمة والأشربة والألبسة والأمكنة والأشخاص والأفكار وغيرها. واللّحوظ هي ما يدفعها من حسد لغيرها بالطمع في امتلاك ما عنده. وكثيرا ما تدفع النفس صاحبها من أجل تحقيق هذا التحول الطموحي اللامحدود إلى تخطّي حدود العمل المشروع والقانوني للسقوط في حمى العمل الممنوع فتكون النتائج في النهاية الخسارة الكبيرة، للحياة الشخصية، وللأسرة، وللمال. وتسود الأنانية الإنسانَ طيلة هذا التحول الطّموحي المادي. للأسف الشديد يُنهي معظمُنا قصة حياته وهو لم يشهد سوى هذين التحولين: الوجودي والطّموحي. بينما يبقى المشهد الأعظم إثارة والأكثر تشويقا غائبا عن مسرح الحياة. إنه التحول من أجل تحقيق اليقظة الروحية.
الثالث: التحول من أجل المعنى، أو “النّقلة النوعية”. يقول الله تعالى: [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد] (البقرة:207). وهو تحول من عالم الطموح إلى عالم المعنى، ومن عالم الحيرة إلى عالم الهداية، ومن عالم الغفلة إلى عالم اليقظة، ومن عالم اللاوعي إلى عالم الوعي. فيتحول الإنسان من إنسان تقليدي يعيش بغير هدف ولا غاية إلى إنسان واعٍ يعرف ماله وما عليه، قد استوعب الإجابات الكاملة عن الأسئلة الكبرى: من أنا؟ ومن أين أتيت؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أين أنا ذاهب في النهاية؟
يُسمّي بعضُ المفكرين الحاجة إلى المعنى للحياة بــــــ “الجوع الأعظم” الذي يفوق “الجوع العظيم” الذي هو الحاجة إلى الطموح، والذي بدوره يفوق “الجوع العادي” المتمثل في حاجة جميع الناس إلى الطعام والشراب. ذلك أن الجوع الأعظم يرتبط بالروح، إن لم تشبع من غذائها الروحي حتى تسمو وتتمدد تبقى حبيسة النفس والجسد فتَضعف وتتلاشى.
فقد تجد الناسَ يتألمون من شدة الجوع العادي وهو ألم مفهوم. لكن الألم الذي لا يفهمه الكثير من الناس ويقود بعضَهم إلى الانتحار في بعض الأحيان كما هو حال الناس في الدول المتقدمة، هو الذي يكون من شدّة الجوع الأعظم بحثاً عن المعنى، ولا يستطيع الناسُ إنقاذَهم لأنهم لا يفهمون هذا النوع من الألم. وبهذا يكون أمر البحث عن المعنى أعظم من الطموح ومن التعاسة. فإذا امتلكت المعنى لحياتك فقد امتلكت كل شيء، امتلكت الرضا والقناعة، الغنى والسكينة. ولا يهمّ حينئذ أن تكون طموحا أو عاديا، غنيا أو فقيرا، حاكما أو محكوما.
يقول الله تعالى: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ] (القصص:77). هذه الآية تبين لنا كيفية التحول وتُلخص لنا مراحله وأهدافه وحدوده وتجلياته. فيكون التحول بعد أن أوجدك اللهُ تعالى هو أن تُغيرَ الوجهةَ من تحقيق الطموح بطلب الدنيا وزينتها إلى تحقيق المعنى بطلب الآخرة ودرجاتها [وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة]. والهدف والغاية طلب وجه الله تعالى رب الدنيا والآخرة. وحدوده أن توازن بين المتطلبات المادية والمتطلبات المعنوية [ولا تنس نصيبك من الدنيا]، بمعنى أن تكون ربانيا بالقَدْر الذي لا يُسقطك في أحد طرفي نقيض الرهبانية أو المادية.
وأما تجليات هذا التحول ففي تجاوز الذات وتحقيق “مَعنى المعنى” أي مقام الإحسان بالمعنى القرآني والنبوي، [وأحسن كما أحسن الله إليك]، وذلك بأن تكون مُحسنا إلى خلق الله تعالى بكل معاني الإحسان وعدم الفساد والإفساد في الأرض فـــــ [إن الله لا يحب المفسدين].
ولا يمكن لهذا التحول من أجل تحقيق اليقظة أن يكتمل إلاّ بالدعاء، لأنه توفيق من الله وفضل منه سبحانه ورحمة. وقد كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام نماذج في هذا التحول الحقيقي، لكنهم لم يستغنوا ولو للحظة واحدة عن الدعاء والتوجه إلى الله تعالى أن يوفقهم لبلوغ حياة المعنى وتحقيقها. وذلك بأن يجعل الله تعالى من طموحاتهم العلمية والدعوية والتمكينية وسيلة لتحقيق غايتهم المعنوية. يقول سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام بعد مسيرة من الدعوة والتّمكين، والتي تقلَّب فيها ما بين محنة ومنحة: [رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] (يوسف:101). ويقول سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام بعد مسيرة الدعوة والحكم: [رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين] (النمل:19). فالمعنى الحقيقي إذاً هو إنهاء الحياة بالعمل الصالح، وبالموت على فطرة الإسلام، وبالدخول في صف عباد الله الصالحين.
أختم هذه الفقرة بقصة لعلها تلخص ما سبق. يحكى أن رجلا كان يهتم بالتنقيب عن الكنوز في الأرض ليدفع بها الضيق الذي كان يعانيه في رزقه. وذات مرة وقعت عيناه على مكان قيل إنه دُفن فيه كنز منذ زمان طويل. ولما أراد التنقيبَ عنه اتشار مع خبير في هذا الأمر، فطلب منه ذلك الخبير حتى يحصل على هذا الكنز أن يقوم ببعض الأعمال التي ستُسهّل عليه العملية ليتمكّن من استخراجه. طلب منه أن يقوم الليل يوميا مدة شهر، وأن يُكثر من ذكر الله تعالى بقدر كذا وكذا.
رحّب الرجل بتلك الأعمال الخيّرة وبدأ في ممارستها وتطبيقها. وقبل أن تنقضي المدة التي حدّدها له الخبير، أحس الرجل بشيء قد تغير في حياته. فقد حلّت السعادة بداره وحضرت البركة في رزقه، وفارقه الفقر والضيق. ولما انتهت المدة ذهب الى الخبير وأخبره بأنه لم يعد راغبا في الكنوز بعد اليوم، لأن تلك الأعمال الإيمانية مع ما يتّخذه من أسباب مادية بسيطة في طلب الرزق تكفيه وتُغنيه.
اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1
اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2
اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4