منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفرح بمولد نور الأنوار وسيد الخلق سيدنا محمد ﷺ

إلياس بنعلي

0

الفرح بمولد نور الأنوار وسيد الخلق سيدنا محمد

بقلم: إلياس بنعلي

صام رسول الله ﷺ الاثنين وقال: “فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ” (رواه مسلم)، فربط ﷺ العبادة بيوم مولده، فكان ﷺ يصوم يوم الاثنين شكرًا لله تعالى على نعمة مولده، ومن هنا استنبط العلماء أن أصل شكر الله على نعمة مولد النبي ﷺ ثابت بالسنة، وقد بنى الحافظ الإمام ابن حجر العسقلاني -شارح صحيح البخاري- تخريجه لمسألة المولد على هذا المعنى، مستأنسًا بحديث عاشوراء، إذ رأى أن في السنة أصلًا لفعل الشكر لله تعالى في يوم معين بسبب نعمة حدثت، لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك، فقالوا: يوم نجّى الله فيه موسى وأغرق فرعون، فقال ﷺ: “نحن أحق وأولى بموسى منكم” والحديث في الصحيحين، فصامه وأمر بصيامه، ومن هنا استخرج العلماء معنى بالغ الأهمية: أن تجدد نعمة دينية في يوم معين يمكن أن يكون سببًا لشكر الله تعالى في ذلك اليوم، وقد نقل الإمام السيوطي عن الحافظ ابن حجر العسقلاني أن تخريج المولد يكون على هذا الأصل؛ لأن مولد النبي ﷺ أعظم نعمة في تاريخ هذه الأمة، بل أعظم نعمة هداية ورحمة وصلت إلى البشرية بعد بعثته ﷺ، وهذا الاستنباط هو الذي جعل ابن حجر لا ينظر إلى المولد على أنه مجرد عادة اجتماعية، وإنما بحث له عن أصل شرعي كلي، ومحبة النبي ﷺ من أصول الإيمان، فإذا كان المولد وسيلة لإحياء هذه المحبة وتعليم السيرة للصغار والكبار، والصلاة عليه ﷺ، وإطعام الطعام، والتصدق، فليس من الإنصاف أن تُختزل القضية في كلمة واحدة: “بدعة”، دون النظر إلى مضمون العمل ومقاصده وما يشتمل عليه.

والمولد اجتماع على عبادات مشروعة وليس “عبادة مستقلة”، فالمقصود أن المسلمين يجتمعون في هذه المناسبة على أعمال كل واحد منها مشروع في نفسه: كقراءة القرآن الكريم وذكر الله والصلاة على النبي ﷺ وقراءة السيرة وتعليم شمائل المصطفى ﷺ والصدقة، وإطعام الطعام، والتوسعة على الفقراء والمساكين وصلة الأرحام، والدعاء، وإن إفساد بعض الجهال لما هو بالأصل حسن ليس موجبًا لتحريم الأصل الصحيح، الأولى إصلاح الفساد لا تحريم الأمور الحسنة، فلو كان قوم يفسدون في الصلوات وفي المساجد فهل نمنع الصلاة ونغلق المساجد أم نصلح الناس؟

فتبين من هذا الحديث أن النبي ﷺ صام يوم الاثنين شكرا لنعمة مولده في هذا اليوم، وإعلامٌ بشرف هذا اليوم، وإخبار بفضله، وهو احتفال بيوم ولادته ﷺ، ويوم ولادة الأنبياء ليس كسائر الأيام، {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} (سورة مريم، الآية: 15) وفي هذا أن يوم الميلاد تذكير بنعمة الإيجاد، وما كان ميلاد سيدنا محمد ﷺ بأقل شأنا من ميلاد عيسى عليه السلام، بل ميلاد رسول الله ﷺ أعظم منه، لأنه ﷺ أكبر نعمة، فيكون ميلاده أيضا أكبر وأعظم، والولادة النبوية الشريفة لرسول الله ﷺ أجلَّ الولادات على الإطلاق.

والفرح بالنّبيّ ﷺ أمرٌ مطلوب بنص القرآن الكريم لقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (سورة يونس، الآية:58)، والله عزّ وجلّ أمرنا أن نفرح بالرّحمة، ورسولُ الله ﷺ هو أعظم الرّحمة مِصداقًا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (سورة الأنبياء، الآية:107)، هذه الرحمة تجلت في الكون يوم مولده ﷺ الذي كان عام الفيل، حيث حفظ الله قبلة الصلاة والحج من أبرهة وأفياله، فهذا اليوم حفظ لنا قبلتنا وكعبتنا وبيتنا الحرام، فكان مولده ﷺ حفظا للبيت المعمور، حتى يبقى هذا البيت العتيق قبلة القاصدين ومحج العاكفين والطائفين والقائمين والركع السجود، والفرح برسول الله ﷺ سيد الأفراح المحمودة؛ إذ هو فرح شريف، والفرح يشرف بشرف المفروح به، وأي فرح أشرف من الفرح بسيد الخلق؟ لذا كان هذا الفرح قربة من القربات يثاب عليها المؤمن المحب أجزل الثواب ويرفع بفضلها إلى أعلى الدرجات.

قال الحافظ ابن رجب في هذا المعنى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (سورة يونس، الآية:58)، “فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد ﷺ وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} (سورة آل عمران، الآية: 164)، “فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر”. (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص:98)، والاحتفال بالصيام لا يأخذ بعدا ضيقا، سنحجر واسعا إن اعتبرناه إمساكا عن شهوتي البطن والفرج، بل الصيام الشامل الجامع المانع: صيام العينين عن الخيانة، والألسن عن الحصائد، والقلب عما يحلق الدين ومنها الشحناء والبغضاء وما إليهما، والعقل عن أن يحشى بالخليط اللقيط من الأفكار الدخيلة والسامة والملوثة للفطرة، والنفس عن السوء الذي تأمر به بإحياء السنن عسى أن تحرر مما يكبلها من عقد، والقلب والروح عما يدسيهما ولا يزكيهما {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. (سورة الشمس، الآيات: 09-10).

حدث مولد النبي المصطفى، هو حدث مولد النور الذي خرجت به البشرية من الظلمات إلى النور، النور الذي أضاء الكون كله.. فعند ولادته ﷺ النور أضاء قصور الشام، فرسول الله ﷺ نور يستضاء به {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} نور لأن رسول الله ﷺ أخرج الأمة من الظلمات إلى النور، وهداها إلى صراط مستقيم، يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: “يعني بالنور، محمدًا ﷺ الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق.” فحين وصف الله ﷻ القمر قال: {قَمَرًا مُنِيرًا} (الفرقان، 61)، وحين وصف الشمس قال: {سِرَاجًا وَهَّاجًا} (سورة النبأ، الآية: 13) أما حين وصف الحبيب المصطفى ﷺ قال: {سِرَاجًا مُنِيرًا} (سورة الأحزاب، الآية: 46) فجمع بين الوصفين ليكتمل الجمال بالجلال ويجتمع الضياء بالنور فيشرق للعالم كله.

إن ميلاد رسول الله ﷺ كان نورا استضاء به العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، وأن الشدائد التي لاقاها عليه الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله تعالى تعطينا الدروس والعبر الكبيرة في تحمل الصعاب في هذه الحياة طلباً لما عند الله يوم الجزاء، ويوم ميلاده ﷺ هو يوم ميلاد النور والهداية، يوم ميلاد الحرية والعدل، يوم ميلاد الإسلام ويوم موت الشرك والعبودية وانعتاق الإنسانية من قيود الأرض، لتطير بأجنحة التقوى حتى تنزل على ربى الجنان، فكان إيذانا بطلوع فجر اشتد ظلامه، وطلوع الشمس في أعقاب ليل بهيم، واكبت هذه الولادة المباركة مقدمات كثيرة مؤكدة بحياة هذا النبي المختار، منها بزوغ نجم مضيء في السماء، وانطفاء نيران فارس التي يعبدها المجوس، وتصدع إيوان كسرى، وانكباب أصنام الكعبة على وجوهها لأنه دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، وصفوة سلالة قريش، ونخبة بني هاشم وأشرف العرب، وسيد ولد آدم، وخيار من خيار من خيار.

وقد وُلد الحبيب المصطفى ﷺ في شهر ربيع الأول، والربيع فصل من فصول السنة الأربعة يمتاز عنها بتنوع ألوانه وجمالية وبهاء الخلائق فيه، وبتوازنه واعتداله، كما يبعث في النفس الهدوء وراحة البال، وهو شهر الانشراح والسكينة فقد ولد الهادي لنشر معاني راحة القلوب، وسكينة الأرواح، وطمأنينة الجوارح، ومن معاني الربيع بهجة المناظر، وجمال الطبيعة، ورونق أشجاره، وتعدد أزهاره الزاهية، فيتملى الإنسان من رؤية صنع الله في خليقته ويتجلى له فيها معاني الكمال المطلق وأسرار الجمال الباهر.

فذكرى المولد النبوي تحقق الشوق إلى الرسول ﷺ وتؤججه، فالإيمان عند المسلم يزيدُ ويَنقُصُ، والحُبُّ والشوق من الإيمان، ولقد تأتي على المسلم فترات يكون فيها الشوق ناقصا يحتاج إلى من يوقظه من نوم الغفلة، وهناك مناسبات يكون فيها إذكاءُ الشوق مُيَسَّرا، ويكون فيها القلب مهيئا لاستقبال الأنوار واستلهام الأسرار، ومن هذه المناسبات ذكرى المولد النبوي الشريف.

المشتاقون للرسول في آخر الزمان، والشوق هو التطلع إلى رؤية المحبوب، أخبر الرسول ﷺ أنه سيكون من بعده من أمته محبون له مشتاقون إليه، قال رسول الله ﷺ: “ليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من مثل أهله وماله” (رواه البخاري)، محبون عاشقون ملأ الشوق قلوبهم، لا يكتحل لهم جفن إلا بالنظر إلى محياه والجلوس معه ﷺ، نالوا هذه المنزلة بعظيم حبهم لرسول الله ﷺ وبتذكُّرهم له دائمًا وتمنِّيهم رؤيته والشوق إلى لقياه والكينونة معه في الجنة، رغم عدم رؤيتهم له في الدنيا، وذكرى المولد تغرس في نفس المحب بذرة الشوق إلى سيد الخلق الرحمة المهداة محمد ﷺ، قال رسول الله ﷺ: “المرء مع من أحب” (صحيح البخاري)، فالمحبة والاتباع يُلحقان المرء بمحبوبه وينيلانه معيته، وقد جُبلت نفوس الناس على حب من يحسن إليها ويُسدي لها الخير، وأفضلُ من جاء الناسَ أجمعين بخير هو رسول الله محمد ﷺ.

المطلوب هو إحياء رسالة الحبيب المصطفى ﷺ، واقتباس الأنوار من نوره لإنارة الوجود، لفتح الطريق أمام عباد الله الذين اكتنفتهم الظلمة، خاصة الذين يؤلهون الأسباب والمادة، فمحبة رسول الله ﷺ تتطلب الاستماثة فيما كرس حياته لأجله، حياته ﷺ كلها كانت دعوة إلى الله عز وجل، أوذي وعذب وطرد، سُخِر منه واسْتُهزِئَ به، وصبر حتى نصره الله وأيده بالمؤمنين وبنصره.

إزالة اللبس والغبش مشروعية الفرح بمولد سيد الخلق ونور الأنوار محمد :

لم يكن المسلمون الأوّلون يُفكّرون في تعيين زمن خاص يذكّرون فيه النّاس بعظمة سيّدنا محمّد ﷺ لأنّهم كانوا يحتفلون به في كلّ وقت وحين تذكيرًا بشمائله وذِكرًا لفضائله وهَدْيًا على سُنّته وسيرته واتّباعًا لمنهاجه ﷺ “وكانوا يحيون مع الرسول ﷺ، كان الرسول ﷺ حياً في ضمائرهم، لم يغب عن وعيهم، كان سعد بن أبي وقاص يقول: كنا نروي أبناءنا مغازي رسول الله ﷺ كما نحفِّظهم السورة من القرآن، بأن يحكوا للأولاد ماذا حدث في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وفي غزوة الخندق وفي غزوة خيبر، فكانوا يحكون لهم ماذا حدث في حياة النبي ﷺ، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكّر هذه الأشياء”. (الإمام القرضاوي). “أي الفريقين أحق أن يكون مبتدعا؟ من جهل نبيه أم عرف نبيه؟ هذه -الاحتفال بذكرى المولد- ليست أكثر من وسيلة… والمسلمين في حاجة اليوم إلى معرفة الكثير عن نبيهم والتعريف به أيضا لدى غيرهم ولذلك من المهم أن يتم استغلال ذكرى ولادته للتعريف به عبر المحاضرات واللقاءات والنقاشات وكل ما يمكن من تذكر سيرته العطرة لله ﷺ، والأمة الإسلامية في أمس الحاجة إلى هذه الذكرى في وقت يتعرض له شخص الرسول الكريم لهجمات من قبل كثيرين.. رسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا، يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقالَ لهمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “ما هذا اليَوْمُ الذي تَصُومُونَهُ؟” فَقالوا: هذا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللَّهُ فيه مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بمُوسَى مِنكُم فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَ بصِيَامِهِ.” (رواه مسلم). وهذا إحياء لذكرى موسى، فأقر الرسول ﷺ مبدأ إحياء الذكرى، والرسول ﷺ لم ينهى عن إحياء الذكرى.” (الدكتور مصطفى بن حمزة، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الأول بوجدة)، ما تركه النبي ﷺ ولم يفعله يبقى على أصله؛ وهو الإباحة؛ ولو قلنا بحرمة كل متروكات النبي لضيقنا دائرة الإباحة ووسعنا دائرة التحريم، وهذا عين المشقة ورأس الحرج الذي نفاهما الله سبحانه وتعالى عز وجل عن هذا الدين القائم على التيسير.

وَمِنَ الشَّبَهِ أَيضًا قَولُ البعض: إِنَّ إِقَامَةَ المَولِدِ تُنَاقِضُ قَولَ اللهِ تَعَالَى : {اليَومَ أَكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُم..} وهذا خطأ لا يصح فالمَولِد لَا يُنَاقِضُ إِكمالَ الدِّينِ وإنَّ الاحتفال بِالمَولِدِ لَا يَعنِي أَنَّ الدِّينَ كَانَ نَاقِصًا ثُمَّ أَكمَلَهُ النَّاسُ، فَأَصُولُ الدِّينِ وَقَوَاعِدُهُ وَشَرَائِعُهُ قَد تَمَّت، إِنَّمَا المَولِدُ اجْتِمَاعٌ عَلَى أَعمَالِ مَشرُوعَةٍ فِي أَصْلِهَا: قُرآن، وَذِكرٍ، وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَتَعَلَّم لِلسِّيرَةِ، وَصَدَقَةٍ، وَإِطْعَامٍ، وشكر للهِ عَلَى نِعْمَةِ رَسُولِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ إِضَافَةُ رُكن إلى الإسلامِ، وَلَا فَرضُ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ، وَلَا تَعْيِيرٌ لِشَرِيعَةِ اللهِ. (الدكتور الإمام محمد عبد الجواد الصباغ)

وزعم البعض أن الاحتفال بالمولد بدعة، وتغافلوا عن معنى البدعة الواردة في الحديث، وتغاضوا عن تفسيرات كبار الأئمة ونقلوا زلات بعض أهل العلم في هذا الأمر، فلفظ ”البدعة” لغة هي ما أحدث على غير مثال سابق، وشرعًا ما أحدث في الدين فإن وافق الشرع كان بدعةً حسنةً وإن كان خلاف الشرع فهو بدعةً سيئةً، ومعنى الحديث النبوي الشريف: “كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار”، ”كل” هنا بمعنى “أكثر” والدليل من الحديث، فقد قال عليه الصلاة و السلام: ”كل عين زانية’‘ (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رواه الإمام الترمذي وأحمد وابن حبان) ومعنى “كل” هنا هي “أكثر” بدليل أن أعين الأنبياء والملائكة معصومة من الزلل وإلى هذا ذهب المناوي: “أي أكثر العيون لا تنفك من نظر مستحسن وغير محرم، وذلك زناها” (فيض القدير 35/5)، ومن ذلك قول الله تعالى عن الريح التي سلطها على قوم عاد فأهلكتهم: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (سورة الأحقاف: الآية: 25)، فكلمة {كل} هنا لا يراد بها العموم، لأنه معلوم أنها لم تدمر السماوات والأرض، وقال رسول الله ﷺ:”مَن سَنَّ فِى الإسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ…” (صحيح مسلم).

والبدعة هي التي تصبح عبادة وتزاحم العبادات التي نص عليها الشرع أما الأمور التي أحدثها المسلمون ولا تزاحم العبادات فلا تدخل في باب البدعة، فالمسلمين أحدثوا أمورا كثيرة لم يفعلها رسول الله ﷺ في حياته كجمع القرآن الكريم وصلاة التراويح جماعة وأذان الجمعة وتجويف المحاريب وبناء المآذن وكل مَا استَحدَثَهُ المُسلِمُونَ مِن جَمعِ الكُتُبِ، وَتَدوِينِ العُلُومِ، وَإِنشَاءِ المَدَارِسِ، وَتَرتِيبِ حَلَقَاتِ الدُّرُوسِ، وَطِبَاعَةِ المَصَاحِفِ، وَاستِعمَالِ مُكَبِّرَاتِ الصَّوتِ فِي الخُطَبِ وَالدُّرُوسِ، وَجَمعِ النَّاسِ عَلَى صُوَرٍ تَنظِيمِيَّةٍ تُحَقِّقُ مَقَاصِدَ مَشرُوعَةً؛ فَهٰذِهِ لَا تُنشِئُ فَرَائِضَ جَدِيدَةً وَلَا تُغَيِّرُ مَقَادِيرَ العِبَادَاتِ التَّوقيفية، وغيرها من المصالح التي لا تُحصى، لأن في ذلك مصلحة المسلمين فباب المصلحة واسع، والقائلين بالبدعة يغفلون بابا واسعا من أبواب الفقه يسمى باب التروك أي إن هناك أمورا كثيرة تركها رسول الله ﷺ ولم يفعلها ولكنه لم يمنع المسلمين من فعلها، ففي علم الأصول “الترك لا يفيد التحريم” يعني كون النبي ﷺ لم يفعل شيئا فهذا لا يعني تحريمه، طالما لم يرد نص صريح بالتحريم، وطالما الفعل يندرج تحت أصل شرعي عام، لأنه من المعلوم أن رسول الله ﷺ لم يفعل جميع المندوبات والمباحات، لذلك تحريم كل ما تركه لا يعد مقبولا وسائغا، حيث لا يحق لأحد أن يحرم على نفسه أو على غيره إلا بدليل صحيح واضح، فهناك فرق بين «ترك الفعل» وبين «النهي عن الفعل»؛ فالنهي دليل مستقل على التحريم، أما مجرد الترك فلا يستلزم التحريم إلا إذا اقترنت به قرينة تدل على أن الترك كان مقصودًا لبيان المنع والتحريم، وبذلك يتبين أن الاحتجاج بمجرد عدم فعل السلف ليس حجةً كافيةً في باب التحريم، وأن الحكم على المولد النبوي لا يكون بمجرد دعوى «لم يفعله السلف»، وإنما بالنظر في حقيقته ومضمونه وما يشتمل عليه من أعمال، ثم وزن ذلك كله بميزان الكتاب والسنة وقواعد الشريعة ومقاصدها، وقد سُئل سيدنا رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، فقال: “الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه” (صححه الحاكم ورواه الألباني في السلسلة الصحيحة)، فدل هذا الحديث على أن ما لم يَرِد فيه تحريم شرعي لا يجوز تحريمه لمجرد أن النبي ﷺ لم يفعله؛ لأن الترك وحده لا ينهض دليلًا مستقلًا على التحريم، ما لم تقم قرينة أو دليل شرعي واضح يدل على أن الترك كان لبيان التحريم أو المنع، فليس مجرد كون الشيء لم يكن في عهد النبي ﷺ أو لم يفعله السلف هو بدعة محرمة؛ إذ لو كانت هذه القاعدة صحيحة على إطلاقها، للزم تحريم أمور كثيرة أُحدثت بعد عهد النبي ﷺ لمصلحة شرعية، ومنها جمع القرآن الكريم في عهد سيدنا أبي بكر وكتابته في المصاحف، فقد استفسر زيد فعل أمر لم يفعله النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري“…قلت -زيد-: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير…” (رواه البخاري في صحيحه)، فيما وصف سيدنا عمر بن الخطاب اجتماع الناس على صلاة التراويح جماعة في المسجد: “نعمت البدعة هذه“. (أخرجه البخاري في صحيحه: 2010)، وأمر سيدنا عثمان بأذان في المسجد وأذان في السوق بعدما كان يقتصر الأذان في عهد النبي ﷺ داخل المسجد فقط، وسيدنا عمر بن عبد العزيز أحدث في الدين ما لم يحدثه غيره، فأقام المحاريب المجوفة، وكذلك يحيى بن يعمر كان تابعيًا نقّط المصحف وهذا لم يفعله الرسول ﷺ ولا الصحابة رضوان الله عليهم، و”كانَ الإمام مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَرْكَبُ بالمدينة دابة وكان يقول: “أستحيي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَطَأَ تُرْبَةً فِيهَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم بِحَافِرِ دَابَّةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَهَبَ لِلشَّافِعِيِّ كُرَاعًا (خيل) كَثِيرًا كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: أَمْسِكْ مِنْهَا دَابَّةً.. فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْجَوَابِ.” (كتاب الشفا بتعريق حقوق المصطفى للقاضي عياض، ج2، ص: 128)، فقد كان الإمام مالك لا يركب بالمدينة دابّة تعظيما للتربة التي فيها رسول الله ﷺ، كما في كتب الطبقات والتراجم، و”التعظيم عبادة” وهو فعل أحدثه الإمام مالك لم يفعله الصحابة قبله، وهم أشد محبة للنبي ﷺ، ومع ذلك لم ير الإمام مالك بأساً في فعله، ولم ينكر عليه ذلك أحد من العلماء ولم ينكر الإمام الشافعي فعله، كما أحدثت أمور في عصرنا كالصلاة باتجاه الكعبة كانت بشكل مستقيم والآن تصلى بشكل دائري وهذا لم يفعله الصحابة رضوان الله عليهم بالرغم أن الصلاة فريضة وليست احتفال عادي ومع ذلك لم ينكر أحد هذا الأمر المحدث، فالعبرة هي هل ما أُحدث موافق للشرع أم مخالف له؟

وعن أنس بن مالك أن “عبد الله بن رواحةَ إذا لَقِيَ الرجلَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: تعالَ نؤمنُ ساعَةً، فقال ذاتَ مرةٍ لرجلٍ، فغضبَ الرجلُ، فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسولَ اللهِ ألا ترى إلى ابن رواحةَ، يرغبُ عن إيمانكَ إلى إيمانِ ساعة، فقال النبي ﷺ: “يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة” (أخرجه الإمام أحمد بسند حسن)، ففي حياة النبي ﷺ كان من الصحابة رضوان عليهم من يجتهد ويبدع في الوسائل التي يتقرب بها إلى الله عز وجل، لينبه عن الغفلة الى الذكر، وهناك من الصحابة من فهم أنها انزياح عن مجالس النبي ﷺ، فيما هي همة وتبليغ للدعوة و للمعاني الايمانية التي تلقاها عن رسول الله ﷺ، ولما حسن فهم المتعجب واتضح له المقام الذي وصل إليه سيدنا ابن رواحة ارتفعت همته فظل بدوره يبادر إلى تلك المجالس.

وعن الأسود بن هلال المحاربي أنه قال: قال لي معاذ بن جبل: “اجلس بنا نؤمن ساعة، يعني: نذكر الله” (رواه البخاري)، وقال ابن تيمية: “وكان عمر بن الخطاب يقول: يا أبا موسى! ذكِّرنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون، وكان مِن الصّحابة مَن يقول: اجلسوا بنا نؤمن ساعةً، وخرج على الصّحابة من أهل الصّفة وفيهم قارئٌ يقرأ فجلس معهم يستمع”. (مجموع الفتاوى: 22/ 521).

والقاعدة الفقهية تقول: “المزية لا تقتضي التفضيل“، فإن كان سيدنا أبو بكر الصديق جمع القرآن الكريم والرسول ﷺ لم يجمعه في كتاب واحد على هيئته اليوم فهذا لا يعني أنه أفضل من رسول الله، وإن كان سيدنا عمر بن الخطاب جمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد وسيدنا أبو بكر لم يفعله فهذا لا يعني أنه أفضل من سيدنا أبي بكر، وإن كان سيدنا عثمان بن عفان أمر بالأذان الأول لصلاة الجمعة وسيدنا عمر لم يفعله فهذا لا يعني أنه أفضل من سيدنا عمر.

قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: “وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعةً، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك“، وقال الإمام النووي في الأذكار: “قال الشيخ الإمام المجمع على جلالته وتمكُّنه من أنواع العلوم وبراعته، أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة…”. ونص سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام في “القواعد الكبرى” أن البدعة محكومة بالأحكام التكليفية الخمسة من واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح بحسب موقعها من مقاصد الشرع.

وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في الإحياء: “ليس كل ما أبدع منهيًّا عنه، بل المنهيُّ عنه بدعةٌ تضاد سنةً ثابتةً، وترفع أمرًا من الشرع“، وروى البيهقي عن الإمام الشافعي قال: “المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما: أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في قيام شهر رمضان نعم البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى” (مناقب الشافعي للبيهقي، ج1 ص: 469).

دحض شبهة زعم تحريم الاحتفال بالمولد النبي ﷺ لكونه يوم وفاته:

وُلد النَّبيِّ ﷺ عام الفيل في يوم الاثنين في شهر ربيع الأوَّل، واختلف العُلماء في يوم ولادته مِن شهر ربيع الأوَّل هل كانت بعد انقضاء ثمانية أيَّام مِنه؟ أو في العاشر منه؟ أو في الثَّاني عشَر؟ فصار كلُّ شهر ربيع الأوَّل موسمًا لإظهار الفرح بمولد الرَّحمة المُهداة سيدنا محمد ﷺ، ولكن غلبت العادة على الاحتفال ليلة الثَّاني عشر لأنَّ ولادته ﷺ لم تتأخَّر عن هذا التَّاريخ عند الجميع فيحتفون به ﷺ في ليلة لا يبقَى أيُّ خلاف يُعتدُّ به بعدها في كونه عليه السَّلام مولودًا قبل ذلك الزَّمن، وقال أهل السِّير أن مولده ﷺ كان في 12 من ربيع الأوّل: وذكره محمد بن إسحاق في سيرته، ونُقِلَ عن حَبر الأمّة ابن عبّاس.

قال الحافظ ابن حجر: “فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ -أي أنه توفي في الثاني من ربيع الأول- وَكَأَنَّ سَبَبَ غَلَطِ غَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا مَاتَ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَتَغَيَّرَتْ فَصَارَتْ ثَانِي عَشَرَ وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ”. (في فتح الباري  ج8 / ص 130)، وقال الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي: “ويرجح ذلك -أي وفاته ﷺ يوم الثاني من ربيع الأول– وروده عن بعض الصحابة، وذلك فيما رواه الخطيب في “الرواة عن مالك” من رواية سَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ بن قتيبة الباهلي، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله ﷺ مرض ثمانية، فتوفي لليلتين خلتا من ربيع الأول“.(في جامع الآثار في السير ومولد المختار ج7، ص: 48).

ولو افترضنا أن يوم المولد وافق يوم الوفاة فهذا لا ينفي فضل يوم المولد، فالمسلم مأمور بإظهار الفرح بالرَّحمة بنصِّ القُرآن الكريم {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} ولا شكَّ أنَّ مولد نبيِّنا عليه السَّلام رحمةٌ مهداة، وقد حثَّنا الشَّرع أنْ نُظهر الفرح بالرَّحمة لولادة ابن أو ابنة ولم يحثَّنا على إظهار الجزع والتَّفجُّع لوفاة الولد وأوصانا بالصَّبر، إن ولادته ﷺ أعظم النعم علينا، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، والصبر والسلوان والكتم عند المصائب، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، وهي إظهار شكر وفرح بالمولود، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته ﷺ دون إظهار الحزن فيه بوفاته، وأيامَ الأُسبوعِ لا يَخْلُو مِنها يَوْمٌ إِلا وَقد حَصَلَ فيهِ حادِثٌ أومُصيبَةٌ ألَمَّتْ بِالْمُسلمينَ وأحْزَنَتْهُم، فَعَلَى زعمهم هذا فالْمُسْلِمونَ لن يَحْتَفِلُوا بِعُرْسٍ ولا عيدٍ على مدى الأيام؛ لأنَّ ذلك اليوم الذي يحتفلون فيه قد يصادف يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، أو قد يصادف موت إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد أولاده، وقد يصادف موت أحد الخلفاء الراشدين، وهلم جرا، والمسلمين قاطبة يعظمون يوم الجمعة؛ باعتباره عيدا للمسلمين، وقد ثبت في الصحيح، أن فيه مات سيدنا آدم عليه السلام، فلا يصح هذا الفهم الخاطئ الذي يزعم أن المسلمين يحتفلون بموت سيدنا آدم، ويفرحون بخروجه من الجنة، ويعتبرون يوم فناء الكون عيدا لهم!؟ ومصادفة يوم المولد مع يوم الوفاة لا ينفي فضل يوم المولد، قال رسول الله ﷺ: “إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ فيهِ خُلِقَ آدمُ وفيهِ قُبِضَ…” (صحيح أبي داوود، صححه الألباني)  فيوم الجمعة من أفضل الأيام رغم أن وفاة سيدنا آدم عليه السلام وافقت يوم مولده، وقد قال ابن رجب في كتاب اللطائف في ذم الرافضة حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لأجل قتل الحسين لم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما فكيف ممن هو دونهم.

فبطُلت حُجَّة القائلين بمنع الاحتفال بيوم المولد النَّبويِّ بحجة أنَّه هُو يوم وفاته حتى لو صادف ذلك فعلا يوم وفاته ﷺ، رغم أن من له علم الحساب قد أكد استحالة وفاة النبي ﷺ يوم 12 من ربيع الأول لكون يوم الاثنين يصادف أيّام: 2 أو 13 أو 14 أو 15 من شهر ربيع الأوّل، لأن الثابت بالإجماع أن خطبة الوداع كانت يوم جمعة وأن وفاته ﷺ كانت يوم إثنين وهذا يجعل من المستحيل أن يكون يوم الإثنين هو يوم 12 ربيع أول، لأنه ﷺ وقف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة قطعا يوم الجمعة بالإجماع، وإذا حسبنا الشهور بالتمام أو بالنقص، أو بتمام بعضها ونقص بعضها، لا يكون يوم الاثنين يوم الثاني عشر من ربيع الأول أبدا، لأن ذو الحجة قد دخل يوم خميس، وشهر المحرّم يكون قد أتى الجمعة أو السبت، فإن كان الجمعة فإنّ شهر صفر يكون قد أتى السبت أو الأحد، فإن كان صفرٌ قد أتى السبت فإنّ ربيع الأوّل يكون قد أتى الأحد أو الاثنين، ورجح عالم الرياضيات والحساب الخوارزمي مصادفة يوم فاة النبي ﷺ أول يوم من ربيع الأول. (السهيلي، الروض الأنف، صفحة 577-578).

هناك فَرقُ جوهري بَينَ «الزِّيَادَةِ فِي العِبَادَةِ» وَ«الزِّيَادَةِ مِنَ العِبَادَةِ»، فَالزِّيَادَةُ فِي العِبَادَةِ هِيَ أَن تُدخِلَ فِي مَاهِيَّتِهَا وَهَيئَتِهَا الَّتِي حَدَّهَا الشَّارِعُ شَيئًا لَيسَ مِنهَا؛ كَرَكعَةٍ خَامِسَةٍ فِي الظُّهرِ، وهي الزِّيَادَةُ الَّتِي يُمنَعُ فِيهَا التَّصَرُّفُ بِمُجَرَّدِ الرَّأيِ، أَمَّا الزِّيَادَةُ مِنَ العِبَادَةِ فَهِيَ الإِكثَارُ مِن جِنسِ عِبَادَةٍ شَرَعَهَا اللهُ وَلَم يَجعَل لِمُطلَقِهَا حَدًّا أَقصَى؛ كَالإِكثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ، وَالِاستِغفَارِ، وَالذِّكرِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالصَّدَقَةِ، وَقِرَاءَةِ القُرآنِ، فَالأُولَى تَغيِيرٌ لِلمَشرُوعِ، وَالثَّانِيَةُ إِكثَارٌ مِنَ المَشرُوعِ؛ وَبَينَهُمَا فَرقٌ جَوهَرِيٌّ.

وقد احتج البعض بأن المَولِدُ عِبَادَةٌ، وَالعِبَادَاتُ تَوقِيفِيَّةٌ، فوقع الخَلطِ بَينَ إِحدَاثِ أَصلِ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ، وَبَينَ الإِكثَارِ مِن عِبَادَةٍ مَشرُوعَةٍ، وَبَينَ جَمعِ أَعمَالٍ مَشرُوعَةٍ وَتَنظِيمِهَا فِي مُنَاسَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِمَقصِدٍ شَرعِيٍّ صَحِيحٍ، فَلَيسَ مَعنَى التَّوقِيفِ أَنَّ كُلَّ عَدَدٍ وَرَدَ فِي فِعلِ النَّبِيِّ ﷺ يَصِيرُ حَدًّا شَرعِيًّا أَقصَى يَحرُمُ تَجَاوُزُهُ؛ بَلِ العِبرَةُ بِهَل جَعَلَ الشَّرعُ هٰذَا العَدَدَ جُزءًا مِن مَاهِيَّةِ العِبَادَةِ، أَم أَنَّهُ مِقدَارٌ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن عِبَادَةٍ أَصلُهَا مُطلَقٌ وَيُشرَعُ الإِكثَارُ مِنهَا؟ ومثال ذلك الِاستِغفَارُ؛ فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَستَغفِرُ اللهَ فِي اليَومِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، أَخرَجَهُ مُسلِمٌ فِي صَّحِيحِه رَقم (2702). فَلَيسَ مَعنَى هٰذَا أَنَّ مَن استَغفَرَ مِائَةً وَوَاحِدَةً أَو خَمسَمِائَةٍ أَو أَلفًا قَدِ ابتَدَعَ؛ لِأَنَّ المِائَةَ هُنَا لَيسَت حَدًّا أَقصَى لِمَشرُوعِيَّةِ الِاستِغفَارِ، بَل حِكَايَةٌ عَن كَثرَةِ استِغفَارِهِ ﷺ، وَأَصلُ الِاستِغفَارِ مَشرُوعٌ عَلَى وَجهِ الإِطلَاقِ. نَعَم، لَو نَسَبَ شَخصٌ إِلَى الشَّرعِ عَدَدًا مُعَيَّنًا وَفَضِيلَةً خَاصَّةً لَهُ مِن غَيرِ دَلِيلٍ، لَاحتَاجَ هٰذَا التَّقيِيدُ إِلَى دَلِيلٍ، قِيَامُ اللَّيلِ وَما ثَبَتَ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيرِهِ عَلَى إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً» أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِه، وَمَعَ هٰذَا لَم يَكُن عَدَدُ «إِحدَى عَشرَةَ» كَعَدَدِ «أَربَعٍ» فِي صَلَاةِ الظُّهرِ؛ فَالأَربَعُ دَاخِلَةٌ فِي مَاهِيَّةِ صَلَاةِ الظُّهرِ، أَمَّا الإِحدَى عَشرَةَ فَهِيَ مِن هَديِهِ ﷺ فِي قِيَامِهِ، وَلَم يَجعَلهَا الشَّرعُ حَدًّا أَقصَى يَحرُمُ تَجَاوُزُهُ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذٰلِكَ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَن صَلَاةِ اللَّيلِ: «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثنَى مَثنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبحَ صَلَّى رَكعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَد صَلَّى» أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ، وَمُسلِمٌ، فَبَيَّنَ ﷺ كَيفِيَّةَ صَلَاةِ اللَّيلِ، وَلَم يَضَع لِمُطلَقِ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا سَقفًا يَحرُمُ تَجَاوُزُهُ، وَلِهٰذَا نَقَلَ الحَافِظُ ابنُ عَبدِ البَرِّ المَالِكِيُّ (ت 463هـ) الإِجمَاعَ، فَقَالَ فِي [الِاستِذكَارِ]: «وَقَد أَجمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَن لَا حَدَّ وَلَا شَيءَ مُقَدَّرًا فِي صَلَاةِ اللَّيلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ؛ فَمَن شَاءَ أَطَالَ فِيهَا القِيَامَ وَقَلَّت رَكَعَاتُهُ، وَمَن شَاءَ أَكثَرَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ»، وَنَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ المَالِكِيُّ (ت 544هـ) أَيضًا أَنَّهُ «لَا خِلَافَ» فِي أَنَّ صَلَاةَ اللَّيلِ لَيسَ لَهَا حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيهِ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا زِيَادَةٌ فِي الأَجرِ وَالفَضلِ [إِكمَالُ المُعلِمِ]، ولَو صَحَّ الِاستِدلَالُ بِمُجَرَّدِ التَّركِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيسَت خَيرًا، لَلَزِمَ أَن يُقَالَ: إِنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى إِحدَى عَشرَةَ رَكعَةً فِي قِيَامِ اللَّيلِ لَيسَت خَيرًا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَخبَرَت أَنَّهُ ﷺ لَم يَكُن يَزِيدُ عَلَيهَا، وَقَد نَقَلَ الفُقَهَاءُ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيلِ لَا حَدَّ لِعَدَدِهَا. فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ تَركِ النَّبِيِّ ﷺ لِقَدرٍ زَائِدٍ مِن عِبَادَةٍ شَرَعَهَا اللهُ مُطلَقَةً لَا يَقتَضِي تَحرِيمَ ذٰلِكَ القَدرِ، وَلَا أَنَّهُ لَيسَ مِنَ الخَيرِ.

تَخصِيصُ وَقتٍ لِطَاعَةٍ مَشرُوعَةٍ لَا يَعنِي إِحدَاثَ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ:

ومِنَ الخَلَطِ جَعلُ كُلِّ اختِيَارٍ لِوَقتٍ أَو زَمَنٍ مُعَيَّنٍ لِفِعلِ طَاعَةٍ مَشرُوعَةٍ بِمَنزِلَةِ اختِرَاعِ هَيئَةٍ تَعَبُّدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ؛ فَلَيسَ مُجَرَّدُ تَنظِيمِ الوَقتِ، أَوِ المُدَاوَمَةِ عَلَى الطَّاعَةِ فِيهِ، أَو رَبطِهَا بِمُنَاسَبَةٍ أَو مَصلَحَةٍ صَحِيحَةٍ، إِحدَاثًا لِعِبَادَةٍ مِن غَيرِ إِذنِ الشَّارِعِ، فإِذَا أَقَامَ النَّاسُ أُسبُوعًا لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَو مُسَابَقَةً لِحِفظِ القُرآنِ، أَو دَورَةً فِي الحَدِيثِ، أَو مُؤتَمَرًا عِلمِيًّا، أَو مَجلِسًا سَنَوِيًّا لِذِكرِ شَمَائِلِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَالأَصلُ المَشرُوعُ هُوَ التَّعَلُّمُ وَالتَّعلِيمُ وَالقِرَاءَةُ وَالذِّكرُ، أَمَّا تَنظِيمُ ذٰلِكَ فِي وَقتٍ مُعَيَّنٍ فَلَيسَ اختِرَاعًا لِعِبَادَةٍ سَادِسَةٍ، وَلَا ادِّعَاءً بِأَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ عِبَادَةً مُستَقِلَّةً ذَاتَ عَدَدٍ وَهَيئَةٍ وَفَضِيلَةٍ خَاصَّةٍ.

وقد نَصَّ العُلَمَاءُ عَلَى أَن يَكُونَ لِلمُسلِمِ وِردٌ أَو وَظِيفَةٌ مِنَ العِبَادَةِ فِي وَقتٍ مُعَيَّنٍ، فَقَد قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ (ت 676هـ) فِي [الأَذكَارِ]: «يَنبَغِي لِمَن كَانَ لَهُ وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكرِ فِي وَقتٍ مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ، أَو عَقِيبَ صَلَاةٍ، أَو حَالَةٍ مِنَ الأَحوَالِ، فَفَاتَتهُ: أَن يَتَدَارَكَهَا»، ثُمَّ عَلَّلَ ذٰلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا اعتَادَ المُلازَمَةَ عَلَيهَا لَم يُعَرِّضهَا لِلتَّضيِيعِ. فَهٰذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِثبَاتِ أَن يَكُونَ لِلمُسلِمِ «وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكرِ» يَختَارُ لَهَا وَقتًا مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ وَيُدَاوِمُ عَلَيهَا، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ مَعنَى ذٰلِكَ أَنَّ هٰذَا الوَقتَ نَفسَهُ قَد خَصَّهُ الشَّرعُ بِفَضِيلَةٍ خَاصَّةٍ، وَأَصلُ هٰذَا ثَابِتٌ فِي قَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن نَامَ عَن حِزبِهِ، أَو عَن شَيءٍ مِنهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَينَ صَلَاةِ الفَجرِ وَصَلَاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيلِ»؛ فَأَثبَتَ الحَدِيثُ أَصلَ أَن يَكُونَ لِلمُسلِمِ «حِزبٌ» مُعتَادٌ لَهُ فِي اللَّيلِ، وَأَثبَتَ النَّوَوِيُّ أَن تَكُونَ لَهُ «وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكرِ فِي وَقتٍ مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ» وأَخرَجَ الحَدِيثَ مُسلِمٌ فِي [الصَّحِيحِ]، كِتَابِ صَلَاةِ المُسَافِرِينَ، بَابِ جَامِعِ صَلَاةِ اللَّيلِ وَمَن نَامَ عَنهُ أَو مَرِضَ، مِن حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. (الدكتور الإمام محمد عبد الجواد الصباغ)

وقد خص الإِمَامُ مَالِك أَوَّلَ لَيلَةٍ مِن دُخُولِ الشَّهرِ بِمَزِيدٍ مِنَ القِيَامِ حَتَّى يُحيِيَهَا، فقد ذكر القَاضِي عِيَاضٌ المَالِكِيُّ (ت 544هـ) فِي [تَرتِيبِ المَدَارِكِ وَتَقرِيبِ المَسَالِكِ]: «قَالَ الزُّبَيرُ بنُ حَبِيبٍ: كُنتُ أَرَى مَالِكًا إِذَا دَخَلَ الشَّهرُ أَحيَا أَوَّلَ لَيلَةٍ مِنهُ، وَكُنتُ أَظُنُّ إِنَّمَا يَفعَلُ هٰذَا لِيَفتَتِحَ بِهِ الشَّهر» وَتَعلِيلُ الزُّبَيرِ لِفِعلِهِ بِقَولِهِ: «لِيَفتَتِحَ بِهِ الشَّهرَ» شَاهِدٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ التَّخصِيصَ هُنَا كَانَ لِمَقصِدٍ يَرَاهُ الإِمَامُ فِي تَنظِيمِ عِبَادَتِهِ وَالِافتِتَاحِ بِالطَّاعَةِ، لَا لِنَصٍّ يَدَّعِي فِيهِ أَنَّ أَوَّلَ لَيلَةٍ مِن كُلِّ شَهرٍ سُنَّةٌ خَاصَّةٌ لِإِحيَائِهَا.

فأصل قِيَامِ اللَّيلِ عِبَادَةٌ مَشرُوعَةٌ، وَمَالِكٌ لَم يُنشِئ صَلَاةً جَدِيدَةً، وَلَم يُغَيِّر هَيئَةَ القِيَامِ، وَلَم يَجعَل لَهُ رَكَعَاتٍ ذَاتَ صِفَةٍ مُختَرَعَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ وَقتًا بِالإِكثَارِ مِن جِنسِ عِبَادَةٍ مَشرُوعَةٍ أَصلًا، لِمَعنًى رَآهُ وَهُوَ أَن «يَفتَتِحَ بِهِ الشَّهرَ». فَلَا يَصِحُّ بَعدَ هٰذَا أَن يُجعَلَ مُجَرَّدُ اختِيَارِ زَمَنٍ لِلطَّاعَةِ مُسَاوِيًا لِاختِرَاعِ أَصلِ عِبَادَةٍ جَدِيدَةٍ.

وَيُؤَيِّدُ أَصلَ تَحدِيدِ الوَقتِ لِعَمَلٍ مَشرُوعٍ ـ مِن غَيرِ اعتِقَادِ أَنَّ التَّحدِيدَ نَفسَهُ تَوقِيفٌ مِنَ الشَّرعِ ـ مَا ثَبَتَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقَد بَوَّبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ (ت 256هـ) فِي [صَحِيحِ البُخَارِيِّ]: «بَابُ مَن جَعَلَ لِأَهلِ العِلمِ أَيَّامًا مَعلُومَةً»، ثُمَّ رَوَى أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ «كَانَ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ»، فَلَمَّا طُلِبَ مِنهُ أَن يَفعَلَ ذٰلِكَ كُلَّ يَومٍ، بَيَّنَ أَنَّهُ اختَارَ هٰذَا التَّنظِيمَ خَشيَةَ أَن يُمِلَّهُم، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّلُهُم بِالمَوعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُم بِهَا. فَهُنَا عَمَلٌ دِينِيٌّ مَشرُوعٌ ـ وَهُوَ التَّذكِيرُ وَالتَّعلِيمُ ـ خُصِّصَ لَهُ يَومٌ أُسبُوعِيٌّ مُعَيَّنٌ لِمَصلَحَةٍ رَآهَا ابنُ مَسعُودٍ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ يَومُ الخَمِيسِ قَد وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ يَجعَلُ المَوعِظَةَ فِيهِ سُنَّةً تَوقِيفِيَّةً. أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِه.

وَعَلَى هٰذَا فَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ تَخصِيصٍ زَمَنِيٍّ لِطَاعَةٍ مَشرُوعَةٍ هُوَ بِذَاتِهِ بِدعَةٌ فِي العِبَادَةِ؛ فهذا النَّوَوِيُّ يُقَرِّرُ أَن يَكُونَ لِلمُسلِمِ «وَظِيفَةٌ مِنَ الذِّكرِ فِي وَقتٍ مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ»، وَهٰذَا مَالِكٌ يُحيِي أَوَّلَ لَيلَةٍ مِنَ الشَّهرِ لِيَفتَتِحَ بِهَا الشَّهرَ، وَهٰذَا ابنُ مَسعُودٍ يَجعَلُ لِمَوعِظَتِهِ يَومَ الخَمِيسِ مِن كُلِّ أُسبُوعٍ. وَالمُشتَرَكُ بَينَ هٰذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ أَصلَ العَمَلِ مَشرُوعٌ، وَأَمَّا تَعيِينُ الوَقتِ فَقَد كَانَ لِمَقصِدٍ مِنَ المُدَاوَمَةِ أَوِ التَّنظِيمِ أَوِ الِافتِتَاحِ أَو مُرَاعَاةِ حَالِ النَّاسِ، مِن غَيرِ أَن يُدَّعَى أَنَّ الشَّارِعَ خَصَّ ذٰلِكَ الوَقتَ بِذَاتِهِ بِحُكمٍ تَعَبُّدِيٍّ مُستَقِلٍّ. (الدكتور الإمام محمد عبد الجواد الصباغ)

فإذا اجتمع المسلمون على قراءة القرآن الكريم وذكر الله والصلاة على النبي ﷺ وقراءة السيرة وتعليم شمائل المصطفى ﷺ والصدقة، وإطعام الطعام، والتوسعة على الفقراء والمساكين وصلة الأرحام، والدعاء، لَم يُضِيفوا إِلَى الشَّرِيعَةِ صَلَاةً وَلَا صَومًا وَلَا عِبَادَةً مُختَرَعَةً؛ وَإِنَّمَا جَمَعوا أَعمَالًا مَشرُوعَةً وَخَصّوا لَهَا زَمَنًا لِمُنَاسَبَةٍ وَمَقصِدٍ مَعلُومَينِ، ويؤكد هذا المعنى ما ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِن رَبطِ عِبَادَةٍ مَشرُوعَةٍ بِزَمَنِ حُصُولِ نِعمَةٍ؛ فَقَد ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وِلَادَتَهُ فِي تَعلِيلِ صَومِ يَومِ الِاثنَينِ، فَقَالَ: «ذَاكَ يَومٌ وُلِدتُ فِيهِ، وَيَومٌ أُنزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ زَمَنَ حُصُولِ النِّعمَةِ يَصِحُّ أَن تَكُونَ لَهُ صِلَةٌ بِإِظهَارِ الشُّكرِ للهِ بِطَاعَةٍ مَشرُوعَةٍ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ ذٰلِكَ تَغيِيرًا لِهَيئَةِ العِبَادَةِ أَوِ اختِرَاعًا لِأَصلِهَا.

دحض شبهة أن الاحتفال بالمولد بدأ في عهد الفاطميين:

ذكر الإمام الحَافِظُ أَبُو شَامَةَ المَقدِسِيُّ الدِّمَشقِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ 665هـ، وَهُوَ مِن شُيُوخِ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ، عَنِ الشَّيخِ الصَّالِحِ عُمَرَ المَلَّا فِي المَوصِلِ، وَمِن أَوَائِلِ مَن عُرِفَ عَنهُمُ الِاحتِفَالُ بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ فِي بِلَادِ المَشرِقِ: الشَّيخُ الصَّالِحُ عُمَرُ المَلَّا المَوصِلِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ 570هـ، وَكَانَ يُقِيمُ فِي كُلِّ سَنَةٍ دَعوَةً فِي أَيَّامِ مَولِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَحضُرُهَا صَاحِبُ المَوصِلِ، وَالشُّعَرَاءُ الَّذِينَ يُنشِدُونَ مَدَائِحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ السُّلطَانُ السُّنِّيُّ نُورُ الدِّينِ مَحمُودٌ زَنكِيٌّ مِن أَخَصِّ مُحِبِّيهِ، وَعُمَرُ المَلَّا كَانَ مِن رِجَالِ البِيئَةِ السُّنِّيَّةِ فِي المَوصِلِ، وَتُوُفِّيَ قَبلَ الِاشتِهَارِ العَظِيمِ الَّذِي حَصَلَ لِمَولِدِ المَلِكِ المُظَفَّرِ فِي إِربِلَ، فَهٰذَا يَثبُتُ بِهِ أَنَّ مَجَالِسَ المَولِدِ كَانَت مَعرُوفَةً عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ قَبلَ مَولِدِ المَلِكِ المُظَفَّرِ المَشهُورِ، وإنما كان الملك المظفر أول من توسع في الاحتفال بالمولد بتلك الصورة، فالمَلِكُ المُظَفَّرُ كُوكبُرِي، فَإِنَّمَا اشتَهَرَ بِالِاحتِفَالِ بِالمَولِدِ فِي مَدِينَةِ إِربِلَ بَعدَ أن ولاَّه عليها صلاح الدين الأيوبي سَنَةَ 586هـ، أَي بَعدَ وَفَاةِ الشَّيخِ عُمَرَ المَلَّا بِسِتَّ عَشرَةَ سَنَةً. (الدكتور الإمام محمد عبد الجواد الصباغ)

أقوال أهل العلم في استحباب واستحسان الاحتفال بمولد سيد الخلق:

الحافظ ابن حجر العسقلاني: “أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن السّلف الصّالح من القرون الثلاثة، ولكنّها مع ذلك اشتملت على محاسن وضدّها، فمَن تحرى في عملها المحاسن وتجنّب ضدّها كانت بدعة حسنة“. (ابن حجر العسقلاني، الفتاوى الكبرى 1/196).

الحافظ السيوطي: وأي فرح أشرف من الفرح بسيد الخلق؟ لذا كان هذا الفرح قربة من القربات يثاب عليها المؤمن المحب أجزل الثواب ويرفع بفضلها إلى أعلى الدرجات، أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: “{فضل الله}: العلم، و{رحمته}: النبي ﷺ”. (الدر المنثور للحافظ السيوطي: 4/367).

وقال السيوطي: “أما قوله لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، فيقال عليه نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له إمام الحفاظ أبو الفضل ابن حجر أصلا من السنة، واستخرجت له أنا أصلاً ثانياً” (المورد في الكلام على عمل المولد).

الحافظ الذهبي: (توفي 748 هـ) هو أحد كبار أئمة الحديث والمؤرخين، وقد ذكر في كتابه سير أعلام النبلاء تفاصيل احتفالات الملك المظفر بالمولد النبوي في مدينة إربل التي كانت تقام في شهر ربيع الأول، والتي اشتملت على إطعام الطعام وتوزيع الصدقات، ووصفه بأنه كان ملكاً صالحاً وكريماً ومحباً للعلماء والمحدثين، وأثنى على سيرته الطيبة، وأقر أصل الخير فيها من إطعام الطعام والذكر دون إنكار لهيئة الاحتفال الذي كان يقيمه الملك المظفر للتقرب إلى الله وإظهار الفرح. (تاريخ الإسلام).

الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي: المتوفى سنة 902هـ قوله: “لا يزال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يحتفلون في شهر مولده ﷺ، ويعملون الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهيجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، بل يعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم“. (السيرة الحلبية، ج1، ص: 83-84).

– وقال الحافظ العراقي: “إن اتخاذ الوليمة وإطعام الطعام مستحب في كل وقت فكيف إذا انضم إلى ذلك الفرح والسرور بظهور نور النبي ﷺ في هذا الشهر الشريف ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروها فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة“. (شرح المواهب اللدنية للزرقاني).

–  العز بن عبد السلام: “والفرح برسول الله ﷺ سيد الأفراح المحمودة؛ إذ هو فرح شريف، والفرح يشرف بشرف المفروح به”. (شجرة العارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال: 127).

ابن تيمية: حتى وإن كان قد أنكر على من اتخذ مولد رسول الله ﷺ عيدا إلا أنه أقر أن من يحيي المولد النبوي محبة وتعظيما قد يثاب على محبته واجتهاده حيث قال: “وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيمًا، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد“، (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 123).

-ابن كثير تلميذ ابن تيمية في كتابه المُسمّى “البداية والنهاية” يمدح ويُثني على الملِك المُظفَّر ملِك إربل أبي سعيد الذي عمل احتفال المولد قال: “الملك المظفر أبو سعيد كوكبري أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك والأمجاد له آثار حسنة……وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً وكان مع ذلك شهمًا شجاعًا فاتكًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه…” (البداية والنهاية).

– قال الإمام أحمد بن محمد القسطلاني المتوفى سنة 923هـ، صاحب إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: “ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه السلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم”…”فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء” (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية).

الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942هـ: “ينبغي أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة”. (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد).

الإمام شهاب الدين أبو شامة المقدسي المتوفى سنة 665هـ: “ومن أحسن ما ابتدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة إربل، جبرها الله تعالى، كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي ﷺ، من الصدقات والمعروف، وإظهار الزينة والسرور؛ فإن ذلك، مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء، مشعر بمحبة النبي ﷺ وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك، وشكرا لله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين”. (الباعث على إنكار البدع والحوادث: ص23-24).

الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تحقيق القول في أول من سن الاحتفال بذكرى المولد النبوي، “وأول من علمته صرف همته إلى الاحتفال باليوم الموافق يوم مولد الرسول ﷺ فيما حكاه ابن مرزوق هو القاضي أحمد محمد العزفي السبتي المالكي في أواسط القرن السادس وأوائل السابع واستحسنه جمهور مشيخة المغرب ووصفوه بالمسلك الحسن”.

في المذهب المالكي: قال الإمام القرافي المالكي: الفرح بمولد النبي ﷺ مشروع، والاحتفال به من المحبة له، وهي أصل كبير من أصول الدين.

قال الإمام محمد بن أحمد عليش المالكي المتوفى سنة 1299هـجري: “لا زال أهل الإسلام يحتفلون ويهتمون بشهر مولده عليـه الصلاة والسلام ويعملون الولائم ويتصدقـون في لياليه بأنواع الصدقات ويظهرون السرور ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم، وأول من أحدث فعل المولد الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل فكان يعمله في ربيع الأول ويحتفل احتفالاً هائلاً”. (القول المنجي).

وقال العلامة الزرقاني المالكي في شرحه على المواهب اللدنية “فهو بدعة وفي أنها حسنة قال السيوطي وهو مقتضى كلام ابن الحاج (المالكي هو العلامة محمد بن عبد الله بن الحاج الفاسي القيرواني التلمساني المالكي المتوفى سنة 737هـجري) في مدخله فقد صرح بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات وهذا هو عمل المولد المستحسن”.

والإمام محمد بن عبد الباقي الزرقاني المالكي المتوفى سنة 1122هـ في شرحه لكلام القسطلاني: “وأول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل فيه احتفالا هائلا، وكان شهما شجاعا بطلا عاقلا عالما عادلا”. (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية).

في المذهب الشافعي: قال الإمام السيوطي -وهو من كبار علماء الشافعية- في كتابه حسن المقصد في عمل المولد: الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة عليها أجر، لأنها تشتمل على تعظيم النبي وإظهار الفرح بمولده.

المذهب الحنفي: نقل الإمام ابن عابدين الحنفي في حاشيته عن علماء مذهبه أن الاجتماع لسماع السيرة والذكر والطعام في المولد أمر مندوب إليه، ما دام خاليًا من المحرمات، الإمام بدر الدين العيني الحنفي، الشيخ أشرف علي التهانوي

المذهب الحنبلي: الإمام ابن كثير وهو من الحنابلة، وابن رجب الحنبلي والبرزلي فقد ذكرا وقائع وأخبار المولد النبوي في سياق التعظيم، والملا علي القاري: الحنفي الحنبلي أو المحدث الشهير الذي أيّد مجالس المولد والذكر في مؤلفاته مثل (الورد الروي في المولد النبوي).

الإمام محمد الغزالي: “إذا فعلت على سبيل العادة، وعلى أن الاحتفال بالهجرة وبمولده إحياء لذكريات عزيزة، كانت سبباً للخير، وموجبة للشكر لتنبعث نفس المؤدى إلى التمسك بالهدى وبالمخلق الكريم، لم تكن بدعة، لأنه لم يقصد بها التدين ولم يرد إحداث شئ في الدين.” (محمد الغزالي، كتاب ليس من الإسلام).

الإمام النابلسي: “الاحتفال بعيد المولد ليس عبادة ولكنه يندرج تحت الدعوة إلى الله، ولك أن تحتفل بذكرى المولد على مدى العام في ربيع الأول وفي أي شهر آخر، في المساجد وفي البيوت” (موقع النابلسي، للشيخ محمد راتب النابلسي، الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف).

الإمام متولي الشعراوي: “إذا كان بنو البشر فرحون بمجيئه لهذا العالم، وكذلك المخلوقات الجامدة فرحة لمولده، وكلّ النباتات فرحة لمولده، وكلّ الحيوانات فرحة لمولده، وكلّ الجنّ فرحة لمولده، فلماذا تمنعونا من الفرح بمولده”؟! (الإمام متولي الشّعراوي، مائدة الفكر الإسلامي: ص 295).

الإمام القرضاوي: “إذا انتهزنا هذه الفرصة للتذكير بسيرة رسول الله ﷺ، وبشخصية هذا النبي العظيم، وبرسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، فأي بدعة في هذا وأية ضلالة؟!”

الإمام حسن الددو: “وبعض الناس يتشددون ويريدون طمس هذا اليوم بالكلية، ويرون أنها ليست مناسبة، هذا فيه جفاء، السرور مطلوب بنعمة الله على رسوله ﷺ، ونحن أولى الناس بأن نفرح بأن اختاره الله لنا.. والفرح به منه الفرح بمولده..” (الإمام الحسن الددو).

كيف نحتفل بمولد سيد الخلق ﷺ:

الاحتفال يكون بصوم يوم مولده وكثرة الصلاة عليه ﷺ، ومذاكرة سيرته، واتباع أخلاقه، ومدحه والثناء عليه ﷺ، ونصرته دليل على محبته، وأكبر دليل على محبته وإتباعه والسير على هديه، وإظهار الفرح والسرور، وأجاز أهل العلم لبس الثوب الجديد والاستماع إلى الصوت الحسن والمدائح النبوية كما سيأتي تبيانه، ولم يكن المسلمون الأوّلون يُفكّرون في تعيين زمن خاص يذكّرون فيه النّاس بعظمة سيّدنا محمّد ﷺ لأنّهم كانوا يحتفلون به في كلّ وقت وحين تذكيرًا بشمائله وذِكرًا لفضائله وهَدْيًا على سُنّته وسيرته واتّباعًا لمنهاجه ﷺ، قال الحافظ ابن رجب في هذا المعنى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (سورة يونس، الآية:58)، “فيه إشارة إلى استحباب صيام الأيام التي تتجدد فيها نعم الله على عباده، فإن أعظم نعم الله على هذه الأمة إظهار محمد ﷺ وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} (سورة آل عمران، الآية: 164)، “فصيام يوم تجددت فيه هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجددها بالشكر”. (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، ص:98)، والاحتفال بالصيام لا يأخذ بعدا ضيقا، سنحجر واسعا إن اعتبرناه إمساكا عن شهوتي البطن والفرج، بل الصيام الشامل الجامع المانع: صيام العينين عن الخيانة، والألسن عن الحصائد، والقلب عما يحلق الدين ومنها الشحناء والبغضاء وما إليهما، والعقل عن أن يحشى بالخليط اللقيط من الأفكار الدخيلة والسامة والملوثة للفطرة، والنفس عن السوء الذي تأمر به بإحياء السنن عسى أن تحرر مما يكبلها من عقد، والقلب والروح عما يدسيهما ولا يزكيهما {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. (سورة الشمس، الآيات: 09-10).

من الأمور التي تُحيي فينا محبة الرسول ﷺ كثرة الصلاة عليه، فأسعد الناس من يوفق في عبادته لله بالصلاة عليه، فهي من أعظم وأجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه فقد أمرنا سبحانه وتعالى بالصلاة عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّون َعَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (سورة الأحزاب، الآية: 56)، وهي مفتاح محبة الرسول الأكرم والقرب منه ونيل شفاعته، قال رسول الله ﷺ: “إنَّ أولى النَّاسِ بي يَومَ القيامةِ أَكْثرُهُم عليَّ صلاةً” (صحيح ابن حبان)، وحفزنا الرسول ﷺ للصلاة عليه كما في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: “من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد” (رواه أبو داود: الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري)، “اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجِه وذريتِه كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ وباركْ على محمدٍ وعلى أزواجِه وذريتِه كما باركتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيدٌ” (صححه ابن باز، فتاوى نور على الدرب:6/372 ).

والصلاة على رسول ﷺ من أفضل الأعمال، لأنها عمل الله! {إن الله وملائكته يصلون على النبي}. وإذا وافق عملك عمل الله كفاك! وقد”إتفق العلماء على أن جميع الأعمال منها المقبول والمردود إلا الصلاة على النبي ﷺ فإنها مقطوع بقبولها إكراما له ﷺ.” (الشيخ عبد الرحمان بن أحمد بن عبد الله الكاف، جراب المسكين لحفظ بعض من مسائل الدين، ص: 65)، قال بعض الشعراء :

أدم الصلاة على النبي محمد **** فقبولها حتما بغير تردد.

أعمالنا بين القبول وَرَدِّها **** إلا الصلاة على النبي محمد”

و”التهنئة بالمولد النبوي الشريف جائزة لأنها من نعم الله تعالى، ولبس الثوب الجديد إذا كان لا يختص بذلك اليوم وحده جائز لأنها مناسبة سارة، والمدائح النبوية هي من العبادة والقربة إلى الله تعالى”. (محمد الحسن ولد الددو رئيس مركز تكوين العلماء، من برنامج “فقه العصر” قناة “إقرأ” بتأريخ 08-05-2007)، جاء في الآية الكريمة: {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين} (سورة المائدة، الآية: 114)، قال الإمام إسماعيل حقي في هذه الآية: “أي يكون يوم نزولها عيدا نعظمه، وإنما أسند ذلك إلى المائدة لأن شرف اليوم مستفاد من شرفها” (روح البيان: 2/446)، فإذا كان يوم نزول المائدة عيد بنص القرآن الكريم فكيف بيوم ولادة سيد الخلق؟! وإذا كان يوم الجمعة عيد للمؤمنين، فكيف ينكر البعض تسمية يوم ولادة سيد الخلق عيدا؟! في الإسلام عيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى، ويوم ميلاد رسول الله ﷺ هي ذكرى إلا أنها أعظم من الأعياد، فالأعياد فيها الفرح بنعم الله تعالى، ولكن النعمة الكبرى التي تستوجب الفرح هي رسول الله ﷺ، {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} (سورة يونس، الآية:58)، فرسول الله رحمة الله، ويوم ميلاده ﷺ أعظم من جميع الأيام، قال الإمام أحمد بن محمد القسطلاني: “فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء” (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية).

فهي ذكرى للفرح والبهجة، وهي أيضا ذكرى محاسبة، وإعادة النظر في ذواتنا، كيف نتأسى برسول الله ﷺ؟ كيف نقتدي به ونتأسى به ﷺ؟ كيف نحبه أكثر من أنفسنا؟ وكيف نسكن حبه ﷺ في قلوبنا؟ كيف نتبع سنته حق الاتباع؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ} (سورة آل عمران، الآية: 31)، قال السعدي في تفسير الآية: “وعلامة الصدق اتباع رسوله ﷺ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن” كيف نحيي سنته ﷺ الظاهرة والباطنة؟ الجانب الظاهر هي متابعته ﷺ في كل أحواله صلاته وصيامه وقيامه وجلوسه وذكره وأخلاقه ومعاملاته، والجانب الباطني وهو الأصعب فالسنة الباطنة لا تقرأ في الكتب ولكن تتشرب من القلوب، حبه لله، خشيته لله، معرفته بالله، يقينه في الله، توكله على الله، رحمته بخلق الله، عطفه على خلف الله، حياؤه وشجاعته، هذه السنة لا يمكن أن تستمد من الكتب، بل تورث وتتشرب من القلوب بسند متصل إليه ﷺ.

وُلِدَ الهُدى فالكائِناتُ ضياءُ * وفَمُ الزمانِ تبسُّمٌ وسَناءُ

يا خيرَ مَن جاء الوُجودَ تحيَّةً * مِن مُرْسَلِينَ إلى الهُدى بكَ جاؤوا

يومٌ يَتِيهُ على الزَّمانِ صباحُهُ * ومَساؤُه بِمُحمَّدٍ وضَّاءُ

إنّ الاحتفال بالمولد النّبويّ الشّريف تعبير عن الفرح والسّرور بالمصطفى ﷺ، كيف لا وقد انتفع به الكافر، ففي السّيرة النّبويّة أنّ أبا لهب قد جوزي بتخفيف العذاب عنه يوم الإثنين بسبب إعتاقه ثويبة لمّا بشّرته بولادته ﷺ. (شعب الإيمان للبيهقي)، وقال الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي في كتابه المسمى “مورد الصادي في مولد الهادي”: “قد صح أن أبا لهب يخفف عنه عذاب النار في مثل يوم الاثنين لإعتاقه ثويبة سرورًا بميلاد النبي ﷺ”، ثم أنشد:

إذا كان هـذا كافرًا جـاء ذمـه *** وتبت يـداه في الجحـيم مخـلدًا

أتى أنـه في يـوم الاثنين دائـمًا *** يخفف عنه للسـرور بأحــمدا

فما الظن بالعبد الذي طــول *** عمره بأحمد مسرورٌ ومات موحـدًا

وذكرى المولد مناسبة لنعلم أبناءنا وناشئتنا ولو قدرا يسيرا من سيرته ﷺ، فهم يعرفون كل شيء عن الرياضيين والفنانين… ويجهلون أبسط الأمور عن نبيهم ناهيك عن أدقها وأجلها، حتى نُذَكِّرهم بسيرته العطرة ونربطهم برسالته المتميزة وشريعته الغراء، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون رسول الله ﷺ في كل حين، ويعلمون أبناءهم المغازي والسير، وكان علي بن الحسين يقول: “كنا نُعَلَّم مغازي رسول الله  كما نُعَلَّم السورة من القرآن”. (مرويات الإمام الزهري في المغازي، لمحمد العواجي 1/10).

ونحتفي بميلاده، لنتذكر أيامه، ولنتدارس سيرته، ولنتبع سنته، ولنمتثل هداه… وإن كان الواجب فعل ذلك على مدار العام ولكن في الذكرى منفعة للمؤمنين… فقد كان ﷺ بين الناس رجلا، وكان بين الرجال بطلا، وكان بين الأبطال مثلا، وكان  في أحواله كلها ودودا كريما، رؤوفا رحيما، يصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويعين الضعفاء… ونسب الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم ﷺ اسمين من أسمائه “الرؤوف، الرحيم”، قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (سورة التوبة، الآية: 128)، و”لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ فإنه قال عن نفسه {إِنَّ الله بالناس لرؤوف رحيم} (سورة الحج، الآية: 65) وقال عن النبي ﷺ {بالمؤمنين رؤوف رحيم} (سورة التوبة، الآية: 128)” (الحسين بن الفضل، تفسير القرطبي).

فهي ذكرى للفرح والبهجة، وهي أيضا ذكرى محاسبة، وإعادة النظر في ذواتنا، كيف نتأسى برسول الله ﷺ؟ كيف نقتدي به ونتأسى به ﷺ؟ كيف نحبه أكثر من أنفسنا؟ وكيف نسكن حبه ﷺ في قلوبنا؟ كيف نتبع سنته حق الاتباع؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ} (سورة آل عمران، الآية: 31)، قال السعدي في تفسير الآية: “وعلامة الصدق اتباع رسوله ﷺ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن” كيف نحيي سنته ﷺ الظاهرة والباطنة؟ الجانب الظاهر هي متابعته ﷺ في كل أحواله صلاته وصيامه وقيامه وجلوسه وذكره وأخلاقه ومعاملاته، والجانب الباطني وهو الأصعب فالسنة الباطنة لا تقرأ في الكتب ولكن تتشرب من القلوب، حبه لله، خشيته لله، معرفته بالله، يقينه في الله، توكله على الله، رحمته بخلق الله، عطفه على خلف الله، حياؤه وشجاعته، هذه السنة لا يمكن أن تستمد من الكتب، بل تورث وتتشرب من القلوب بسند متصل إليه ﷺ.

مُحَمَّدٌ أَشْرَفُ الأعْرَابِ والعَجَمِ *** مُحَمَّدٌ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ

محمدٌ باسطُ المَعْرُوف جَامَعَةً *** محمدٌ صاحبُ الإحسانِ والكرمِ

محمدٌ تاجُ رُسْلِ الله قاطِبَةً ***  محمدٌ صادقُ الأقوالِ والكلمِ

محمدٌ ثابِتُ المِيثاقِ حافِظُهُ *** محمدٌ طيبُ الأخلاقِ والشيمِ

محمدٌ خبِيَتْ بالنُّورِ طِينَتُهُ *** محمدٌ لم يزل نوراً من القدمِ

محمدٌ حاكِمٌ بالْعَدْلِ ذُو شَرَفٍ *** محمدٌ معدنُ الإنعامِ والحكمِ

محمدٌ خَيْرُ خَلْقِ الله مِنْ مُضَرٍ *** محمَّدٌ خَيْرُ رُسْلِ الله كُلِّهِمِ

محمدٌ دِينُهُ حَقَّ النّذِيرُ بِهِ *** محمدٌ مجملٌ حقاً على علمِ

محمدٌ ذكرهُ روحٌ لأنفسنا *** محمدٌ شكرهُ فرضٌ على الأممِ

محمدٌ زينةُ الدنيا وبهجتها *** محمدٌ كاشفُ الغُمَّاتِ والظلمِ

محمدٌ سيدٌ طابتْ مناقبهُ *** محمدٌ صاغهُ الرحمنُ بالنعمِ

محمدٌ صفوةُ الباري وخيرتهُ *** محمد طاهرٌ من سائر التهمِ

محمد ضاحكٌ للضيفِ مكرمةً *** محمَّدٌ جارُهُ والله لَمْ يُضَمِ

محمدٌ طابتِ الدنيا ببعثتهِ *** محمَّدٌ جاء بالآياتِ والحِكَمِ

محمدٌ يومَ بعثِ الناسِ شافعنا *** محمدٌ نورهُ الهادي من الظلمِ

محمدٌ قائمٌ للهِ ذو هممٍ *** محمَّدٌ خاتِمٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهمِ

ذِكرَى مَولِدِ الحَبِيبِ لَيسَت ذِكرَى لِنَسْتَحْضِرَ فِيهَا يَومَ وِلَادَتِهِ فَقَط بَل هِيَ فُرصَةً لِنَسْتَحْضِرَ رِسَالَتَهُ كُلَّهَا، وَسِيرَتَهُ، وَأَخلَاقَهُ، وَفَضْلَهُ عَلَيْنَا، وَمَحَبَّةَ أَصْحَابِهِ لَهُ، وَحَقَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَمَا أَجْمَلَ أَن يَخْرُجَ المُسلِمُ مِن مَوسِمِ المَولِدِ وَهُوَ أَكْثَرُ صَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَحْسَنُ أَدَبًا، وَأَكْثَرُ رَحْمَةً، وَأُوفَى صِلَةً لِرَحِمِهِ، وَأَكْرَمُ لِضَيفِهِ، وَأرفَقُ بِأهْلِهِ، وَأَشَدُّ حِرصًا عَلَى سُنَّته ﷺن فالفَرَحُ الحَقُّ لَيسَ فِي أَن تَتَزَيَّنَ البُيُوتُ وَتَبقَى القُلُوبُ خَالِيَةً مِنَ المَحَبَّةِ، وَلَا فِي أَن تَكثُرَ الكَلِمَاتُ وَيَقِلُّ الاتِّبَاعُ، بَل الفَرَحُ الحَقُّ أَن تَتَزَيَّنَ القُلُوبُ بِحُبِّهِ، وَالْأَخْلَاقُ بِأَخْلَاقِهِ، وَالحَيَاةُ بِسُنَّتِهِ وَهَدِيهِ.

اللَّهُمَّ زِدْنَا مَحَبَّةً لِنَبِيِّكَ المُصطَفَى ﷺ، وَارزُقنَا صِدق الاتِّبَاعِ، وَحُسَنَ الأَدَبِ مَعَهُ، وَاجْعَل ذِكرَهُ نُورًا فِي قُلُوبِنَا، وَسِيرَتَهُ مَنهَجًا فِي حَيَاتِنَا، وَسُنَّتَهُ زِينَةً لِأَعْمَالِنَا.

اللهم صل على سيدنا محمد ﷺ ما ذكرك وذكره ﷺ الذاكرون وصل على سيدنا محمد ﷺ ما غفل عن ذكرك وذكره ﷺ الغافلون، اللهم صل على سيدنا محمد صلاة تنجينا بها من جميع الأهوال والآفات، وتقضي بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات من جميع الخيرات في الحياة وبعد الممات، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد صلاة تحل بها العقد، وتفرج بها الكرب، وتمحو بها الخطيئات، وتقضي بها الحاجات، وبارك اللهم لنا ذكرى مولد الهادي البشير واجعلنا من أحبابه وصفوة المقربين منه مجلسا يوم القيامة، المكثرين عليه صلاة وتسليما الثابتين على سنته اتباعا وتذكيرا ودلالة، واجعلها اللهم مناسبة لتثبيت الحب النبوي في قلوبنا والتشبث بعروته الوثقى، والتحلي بشمائله الكريمة، والتخلق بخصاله العظيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.