منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تدوين السنة النبوية: حقائق وشبهات

د.البشير قصري

0

تدوين السنة النبوية: حقائق وشبهات

د.البشير قصري

باحث في الفكر الإسلامي المعاصر ومقاصد الشريعة.

تقديم

اهتم العلماء قديما وحديثا بأمر تدوين السنة النبوية، فبذلوا جهودا كبيرة في تتبع مراحله، ووقفوا على الإشكالات التي صاحبت ذلك، وعالجوها بمنهج علمي غاية في الدقة، وبموضوعية لم يسبق لها مثيل، ثم نظروا إلى ما يُثار حول عملية التدوين هذه من شبهات وما يُكال من تهم، وما يُختلق من افتراءات فردوها بما لم يبق معه للشك نصيب.

واليوم تتجدد حملة التزوير والتشكيك وتشتد في إطار حرب فكرية شعواء على الإسلام والمسلمين، تقودها أمريكا وأذيالها، مدججين بالمال والإعلام، والتزييف والتدليس والقهر السياسي، لا يأبهون بحرمة النفوس المكرمة، ولا بقيمة النصوص المقدسة، وقد غرهم ما أوتوا من تيسيرات مادية وتقنية، إضافة إلى ضعف المسلمين وتخلفهم الحضاري، والحياد السلبي للمؤسسات العلمية الرسمية، فظنوا أنهم سيحققون غرضهم الخسيس، ولكن هيهات هيهات.. !!

فنظموا مؤتمرات كثيرة، مثل: «الكفار المسلمين» و«انتقاد القرآن» و«الاحتفال بالكفر» وشجعوا ودعموا مراكز بحث ودراسات في العالم العربي والإسلامي لتدفع في اتجاه تنقية التراث الديني من سنة النبي، والاكتفاء بالقرآن كمرجعية وحيدة، كأنهم “ما قرأوا أنه عبد يوحى إليه، وأنه سيد ولد آدم، إنما هو عندهم عبد أدمي بلَّغ وانتهى وولَّى”[1].

ولم يكن منهم الإقرار بقبول القرآن فوق النقد موقفا علميا مبدئيا، وإنما هو تكتيك مؤقت يسمح لهم بفهم القرآن وفق ما تمليه الأهواء والمصالح الشخصية، ومقاصد الغير المستعلي، وقد هوى في هذا المستنقع بعض المثقفين ليجمعوا إلى خسة الإلحاد دناءة العمالة.

وقد وصف القرآن حالهم وحال أساتذتهم من جنود الشيطان في سورة الأنعام ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِےٓءٍ عَدُوّاٗ شَيَٰطِينَ اَ۬لِانسِ وَالْجِنِّ يُوحِے بَعْضُهُمُۥٓ إِلَيٰ بَعْضٖ زُخْرُفَ اَ۬لْقَوْلِ غُرُوراٗۖ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَۖ وَلِتَصْغ۪يٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٕدَةُ اُ۬لذِينَ لَا يُومِنُونَ بِالَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَۖ ﴾ [الأنعام: 113-115]، ليس لهم وسيلة ولا عمدة إلا القفز على الحقائق العلمية الموضوعية وعدم الالتفات إليها، والزخرفة والتغرير واقتراف الأباطيل، لإقامة حواجز وهمية تحول بين المسلمين وبين شمولية الإسلام، وتوجيهه لجميع مناحي الحياة.

والمطلوب الشرعي إزاء هذا التزييف والتشكيك، وفاء بموجب العلم والإيمان، ودفاعا عن الإسلام، ونصرة للرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته وسنته، وخدمة للإنسانية ماض وحاضرا ومستقبلا وأن نَقرن الغضب بالحلم، والثورة بالعلم، والعقل بالنقل، لنقيم الحُجة الداحضة، ونبين المَحجة الواضحة.

وفي هذا السياق يأتي هذا البحث لعرْض أهم حقائق تدوين السنة النبوية الشريفة ومراحله، ومناقشة  بعض ما أثير حوله من إشكالات وشبهات، وما يتطلب ذلك من تأصيل وتفصيل، مُصَدِّرا ذلك ببيان منهج التعامل مع الشبهات، ومعقبا بالإشارة إلى واجبات الأمة نحو السنة اليوم، اعتمادا على منهج يولف بين التحليل والوصف والنقد.

هذا، وقد قسمت البحث إلى خمسة مطالب، إضافة إلى مقدمة وخلاصات، وهي:

المطلب الأول: تعريف بأهم مصطلحات البحث (السنة النبوية، التدوين، الشبهة)

المطلب الثاني: ضوابط في مدافعة الشبهات.

المطلب الثالث: أهم مراحل تدوين السنة النبوية.

المطلب الرابع: شبهات وردود.

المطلب الخامس: واجبات أربعة نحو السنة النبوية.

المطلب الأول: تعريف بأهم مصطلحات البحث

في هذا المطلب سأبين بإيجاز شديد الدلالة المقصودة لمصطلحات: السنة النبوية، التدوين والشبهة.

أولا: معنى السنة النبوية

السنة في اللغة: السيرة حسنة أو قبيحة، والطريقة المسلوكة.

السنة عند المحدثين: هي “كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتخنثه في غار حراء، أم بعدها”[2]، فهم يبحثون عن كل مل يتصل بالرسول القدوة والأسوة.

السنة عند علماء أصول الفقه: هي كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي[3]، فهم يبحثون عن ما يصلح أن يفيد المجتهدين والفقهاء في استنباط الأحكام، قال الشوكاني، مبينا حد السنة في اصطلاح أهل الأصول “(هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وهذا هو المقصود بالبحث عنه في هذا العلم”[4].

  • السنة عند الفقهاء:

ولها إطلاقات متعددة، حيث قيل السنة في العبادات النافلةُ، وقيل هي ما واظب النبي على فعله، مع ترك ما بلا عذر، وهناك من عبر عنها بقوله: “هي ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض”[5]، وهناك مصطلحات أخرى بينها وبين السنة عموم وخصوص، مثل الأثر، والحديث، والخبر[6]، ويعنينا هنا أوسع الإطلاقات وهو تعريف المحدِّثين، والذين جعلوها مرادفة للحديث النبوي الشريف.

ثانيا: المقصود بالتدوين

التدوين والتأليف والتصنيف تفيد أن هناك كتابا تم تأليفه بين دفتين، يعني جمع وضم وترتيب، فجمع الصحف في كتاب يُسمى تدوينا، والتأليف جمع مادة علمية، والتصنيف ترتيب ما دوِّ ن في فصول وأبواب. والحقيقة أنها مصطلحات متقاربة ينوب بعضها عن بعض، بينما إطلاق الكتابة والتقييد لا يفيد إلا مجرد الخط أو الرقم على ورقة أو لوح أو جدار[7]، ولا يخفى أن هذه العمليات الخمس تشكل نسقا يستلزم بعضه بعضا، ويُفضي بعضه إلى بعض.

ثالثا: المقصود بالشبهة

دارت مادة شبه في اللغة حول معنى المماثلة، هذا يشبه ذاك يعني يماثله في وجوه الشبه المختارة، وأيضًا فيها معنى الالتباس والاختلاط والإشكال في الفهم، أو ما شاكل ذلك، جاء في لسان العرب الشُّبْهةُ: الالتباسُ. وأُمورٌ مُشْتَبِهةٌ ومُشَبِّهَةٌ: مُشْكِلَة يُشْبِهُ بعضُها بعضاً، وشَبَّهَ عليه: خَلَّطَ عليه الأَمْرَ حتى اشْتَبه بغيره، وفي المعجم الوسيط: «الشُبْهَةُ: الالتباس، واشتبه الأمر عليه: اختلط، واشتبه في المسألة: شكَّ في صحتها»[8]

وفي الاصطلاح عرّفها الزحيلي بقوله «الشيء الغامض الذي يصـاحب أمـراً فيمتنـع تمييزه عن غيره»[9]، وقد نقل ابن حجر في فتح الباري (وقال الخطابي: المتشابه على ضربين: أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر به عرف معناه، والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله، ولا يبلغون كنهه، فيرتابون فيه فيفتنون)[10].

وأقصد بالشبهة هنا باطل يُشاب بشيء من الحق ثم يُبثُّ لغرض الفتنة والتضليل، يعني ممارسة عملية لفٍّ للباطل بقليل من الحق، مع تقليب القضية وتدقيق النظر يتعرى الباطل، وينكشف زيفه، لذلك فالباطل المحض لا يُعتبر شبهة، و”الشبهات المغمورة والاعتراضات المطمورة لا يُلتفت إليها”[11].

المطلب الثاني: ضوابط في مدافعة الشبهات

لا يستقيم عقلا، ولا يجوز شرعا، ولا يليق ذوقا أن نخالف السنة من أجل الذب عن السنة، أو أن نترك الإيمان للدفاع عنه، أو نخرج من الإسلام لحمايته، لذلك ينبغي أن نبحث عن منهاج السنة في الدفاع عن السنة، وحتى تؤتي جهود المنافحة عن سنة رسول الله أكلها، وتجر مساعي الإساءة والتدليس خيبتها، لا بد من الانضباط بأنوار القرآن والسنة والتي من شأنها أن تعصم من ردود الأفعال المنحرفة، على هدي قوله تعالى: ﴿اَ۪دْفَعْ بِالتِے هِيَ أَحْسَنُ اُ۬لسَّيِّئَةَۖ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 97].

إذن نبحث عن التي هي أحسن، عن السبيل الأقوم والهدى الأفضل، وقد تم التصريح بهما في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿اِنَّ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانَ يَهْدِے لِلتِے هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ)[12]. وتحقيقها يتوقف على مدى الالتزام بالضوابط المعرفية والأخلاقية والمصلحية المبينة فيما يلي:

أولا: ضوابط معرفية منهجية

  • تقرير الحق قبل ذكر الشبهة: فالأصل في الكلام الاعتقاد وليس الانتقاد، لا تذكرُ الشبهة ابتداء واستقلالا، فالبداية تكون بتبيين الهدى بأدلته وبراهينه النقلية والعقلية، ثم يجيء الجواب عن الشبهات الواردة عقب التقرير والتأصيل، فهذا محمد قطب صاحب الكتاب الذائع الصيت «شبهات حول الإسلام» ينتقد منهجه في تأليفه، ويدلنا على البديل الذي غفل عنه بقوله: “إن المنهج الصحيح هو عرض حقائق الإسلام ابتداء لتوضيحها للناس، لا ردا على شبهة، ولا إجابة عن تساؤل.. وإنما من أجل البيان الواجب”[13].
  • الاحتجاج بمحكمات الشريعة وهو منهج قرآني، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اَ۬لذِےٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ اَ۬لْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٞ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ اُ۬لْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا اَ۬لذِينَ فِے قُلُوبِهِمْ زَيْغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ اُ۪بْتِغَآءَ اَ۬لْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران: 7]. لذلك ينبغي ترسيخ الحضور القرآني في جميع قضايانا، وفي مقدمتها الفكرية والعقدية.
  • لا تزول الشبهة عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت، فكثير ما يكون لقالب الشبهة اللفظي أو البلاغي أو النفسي تأثير كبير في إحداث حالة القبول بتلك الشبهة، وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتطلب معايشة للواقع، ومعرفة أحوال الناس، فالقلوب ضعيفة والشبه خطافة.
  • المحامي عن السنة الذابُّ عن حماها كالمجاهد في سبيل الله تعالى، يُعِد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة، فالتعامل مع الشبهة يتطلب البحث والتأمل قبل الإزالة.

ثانيا: ضوابط أخلاقية تربوية

  • الاستعانة بالله سبحانه واستمداد توفيقه.
  • تجنب السباب والشتائم وبذاءة القلم واللسان، والحرص على نظافة الألفاظ، لأن مجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد.
  • تجنب البغي والعدوان وتحري العدل والإنصاف.
  • تحقيق اليقين، ترسيخ الإيمان من أنجع سبل مدافعة الشبهات، لأن تربية الأمة على الاستعلاء بالإيمان، والاعتزاز بالإسلام، ولزوم السنة، يحقق منعة وسلامة من الشبهات، فالشبهات تعلق بالقلوب الضعيفة والنفوس المنهزمة، “إنما الرد الحقيقي على خصوم الإسلام هو إخراج نماذج من المسلمين تربَّت على حقيقة الإسلام”[14]
  • لا يُزجر كل سائل تَعْرضُ له شبهة، ولا يُهمل من وقع في حيرة، وإنما حاجته أكبر إلى علم ينشرح به الصدر، تقوى به الحجة وتستنير به البصيرة، وتسكن عنده النفس.

ثالثا: ضوابط  مصلحية مقصدية

  • النقد إذا أجري على الوجه المعروف لا يُستنكر، “فالاعتراض إذا كان معقولا لا ينكر، بل قد يُحمد عليه صاحبه ويشكر”[15]، قال بعض علماء الأصول: “إن في الأحاديث ما لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنه لا يمكن حملها على ظاهرها، لكونه خلاف البرهان، وغير ظاهرها بعيد عن فصاحته صلى الله عليه وسلم”[16].
  • تقَصُّدُ كل الشبهات وإثارتها وتتبعها عمل غير مشروع ولا مقدور، “فالخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات لا نهاية لها، ولا يمكن استقصاء ما يرد على النفوس من وساوس الشيطان”[17]، وإنما المدافعة للشبهات التي يضل بها بعض الناس. يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: (من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر التنقل)
  • كشف الشبهات وإن كانت صورتها دفاع، فحقيقتها ينبغي أن تكون هجوما على المرجعيات الفكرية للبيئة والحضارة المنتجة والحاضنة للأراجيف والأباطيل والشبهات.
  • من لم يرفع الإشكالات، ويدفع الشبهات لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يحمِلُ هذا الِعلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ)[18].

المطلب الثالث: مراحل تدوين السنة النبوية

سخر الله تعالى لصيانة الإرث النبوي الشريف رجالا من الثقات الأثبات المتقنين من الحفاظ والمحدثين والعلماء الجهابذة، طبقة بعد طبقة، جيلا بعد جيل، فكانوا حراسا أمناء لهذا الكنز بعناية فائقة، وحرص شديد لا مثيل له في التاريخ، “وبسبب تلكم الجهود في خدمة السنة النبوية رواية ودراية، قد تواجد لنا اليوم تراث ضخم غزير في عشرات المصنفات والكتب المطبوعة والمخطوطة، حتى أصبحت الأمة تمتلك بحق أغنى مورد للعلم عرفته البشرية باختلاف مللها ونِحلها”[19].

فطيلة الخمسة عشر قرنا لا يخلو قرن ولا زمان -وحتى الأمكنة والبلدان الإسلامية- من أعلام متخصصة ومؤلفات متنوعة تخص السنة النبوية حفظا وتحقيقا وتدقيقا وتعليقا وجمعا، واختصارا وتخريجا واستدراكا ونقدا، وشرحا وتعليما وتدريسا وتدوينا ونشرا وغير ذلك. وسأكتفي بعرض مختصر لأبرز مراحل تدوين الإرث النبوي، وهي:

أولا: التدوين الشخصي

وأقصد به تقييد أبواب من الأحاديث وأطراف منها، وقد وقع ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء، وعصر التابعين، فكان من الصحابة من يأخذون السنة حفظا، ومنهم من يكتبونها لفظا، ومنهم يجمع بين اللفظ والحفظ كعبد الله بن عمرو بن العاص.

ومن ذلك رسائله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأطراف والولاة فقد كانت من إملائه صلى الله عليه وسلم ، ومنه ما كتبه لأهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومنها كتابه عن الصدقات وكان عند أبي بكر، ومنها كتابه في نصاب الزكاة وكان عند عمر، وكتابه إلى أهل اليمن بأنواع الفقه وأبواب مختلفة في الزكاة والديات، ومنها طلبه تقييد أسماء من نطق بالشهادة عام الحديبية، حيث كان يضمنهم ما يشبه قوائم المسلمين حسب أسبقيتهم إلى الإسلام والهجرة والنصرة[20].

وقد استقصى محمد مصطفى الأعظمي في دراسة له تحت عنوان «دراسات في الحديث النبوي» زهاء خمسين صحابيا كتبوا الحديث أو كُتب عنهم، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عمرو بن حزم، وذكر ما يزيد عن خمسين التابعين عُرفوا بالكتابة، أو كُتب عنهم، منهم أبان بن عثمان، وإبراهيم النخعي، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الأنصاري، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير.

ويتحدث المؤرخون لهذه الفترة، عن صحف الصحابة، (يعنون بها كراريس الكتب التي تجمع فيها الأحاديث)، مثل صحيفة عمر بن الخطاب في الصدقات، وصحيفة علي بن أبي طالب، والصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو، وقيل إنها كانت تضم نحو الألف حديث، نقل الإمام أحمد بن حنبل في مسنده معظمها، وغيرها كثير[21].

وخلاصة الأمر “أن كتابة الحديث وجمعه وتدوينه كانت متصلة الحلقات خلال القرن الأول الهجري وإلى بداية عهد التدوين في منتصف القرن الثاني كما شاع عند الباحثين”[22]، وعلى هذا اتفقت كلمة جمهور العلماء.

ثانيا: التدوين الرسمي

لقد تناقل الصحابة والتابعون بكامل الحرص والاهتمام واستشعار الأمانة العلمية حفظا وفهما وتقييدا في الصحف في أحيان كثيرة، من غير تفكير في جمعها وتصنيفها حسب أبواب أو مسانيد حتى أوائل القرن الثاني، حيث أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بكتابة الحديث.

كان الهدف من هذا المشروع العمري جمع السنة وحفظها من الضياع، فارسل إلى نائبه في المدينة في الإمرة والقضاء أبي بكر بن حزم قائلا: “انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء”[23]، ونفس الأمر وجهه إلى سائر الأمصار فدشن ببذلك حركة علمية تزيد مع الأيام انتشارا واتساعا، تروم الارتقاء بالسنة النبوية إلى مستوى التأليف والتدوين، انخرط فيها مع توالي العقود عدد كبير من الأئمة الحفاظ، أحصى منهم الأعظمي في دراسته السابقة الذكر مائتين وخمسين.

كان أول من دوَّن السنة وجمع مادتها محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني (ت124)، وفي هذا القرن الثاني كان التدوين للأحاديث النبوية ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم شاع بعدهم التدوين بالجمع والتبويب، إلى رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألفوا مسانيد كثيرة، وموطآت، خالية من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ولكنهم مزجوا بين صحيح الحديث وسقيمه، سواء صلح للاحتجاج أم لا، مكتفين بذكر الأسانيد، ومن أسند فما ظلم، لم يرفعوا عنك مؤنة التمحيص.

يتبين مما ذكرنا أن علماء السنة في القرن الثاني كانوا من الكثرة والحفظ والتقييد للعلم وتداول والصحائف والمدونات وشد الرحلة إلى الشيوخ لالتماس الحديث، بالقدر الوافر الذي حفظت به السنة النبوية، ونشأت معه حياة علمية نشيطة متنامية حول مدارستها واستنباط الفقه منها، برغم ما شاع في هذا القرن من الوضع والكذب على يد طائفة من الرجال حصرهم العلماء حصرا وضبطوا أحوالهم. وعلى يد علماء القرن الثاني والثالث ظهرت المصنفات الأولى من الحديث، فألفت المسانيد والموطآت وكتب الجوامع الصحاح والسنن والمستدركات والأطراف، كما وضعت قواعد مناهج التحديث ومعاجم الحديث.

ثالثا: التدوين التخصصي (العصر الذهبي)

ثم تتابع التأليف على هذا النحو إلى أن جاء الإمام البخاري فأراد أن يُجرد الصحيح ويخصه بالتأليف، فألف «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» فالعنوان يلخص مراده ويدل على علو مكانته في هذا الأمر، وسمو همته، واقتفى أثره الإمام مسلم في مصنفه «المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وبعدهما وعلى نهجهما ألف أصحاب السنن وألفت الكثير من المصنفات والمدونات ما لا يحصى عددا[24]. وقد عدد الكتاني خمسا وعشرين كتابا من كتب السنة، وقال هذه أشهرها.

استمر العطاء على هذه الوتيرة إلى نهاية القرن الرابع الهجري وفق مناهج واضحة المعالم في طرائق الجمع والترتيب، وكانت ثمرة ذلك أن ضمت المصنفات الحديثية المصنفة في هذا العصر جميع ما في المدونات التي دونها المتقدمون، وزادوا عليها ما تلقوه شفاها من شيوخهم، لقد تم في هذا العصر تقريبا جمع السنن والأحاديث من أفواه الرواة ومن الصحف والنسخ، كما تم النظر في أحوال الرواة ومراتبهم، واجتهد الحفاظ في التمييز بين الصحيح وغيره من أنواع الحديث[25]، وتم بنجاح المشروع العمري في جمع الحديث النبوي.

المطلب الرابع: شبهات وردود

في هذا المطلب سأناقش أربع شبهات ذات الصلة الوثيقة بتدوين السنة النبوية، مكتفيا بعرض الشبهة دون ذكر أسماء أصحابها (لأننا نميز ما استطعنا بين محاربة الشبهة، ومحاربة مثيريها)، ثم نأتي بما يكشف زيفها، ويبرز السقطات –بل الجرائم- العلمية والأخلاقية التي وقعوا فيها، مشيرا إلى البواعث والأغراض التي حكمتها.

1- شبهة النهي النبوي عن كتابة الحديث

وهذه من أخطر الشبه، لأن المراد منها محو السنة من الأساس، كيف ذلك؟ عمدوا إلى نصوص الوحي فاتخذوها للاعتضاد لا للاعتماد، حيث مارسوا عليها كثيرا من التعسف، فانتقوا منها ما يخدم مرادهم، وتركوا وراء ظهورهم ما لم يوافق أهواءهم، ثم فهموها كما شاءوا، وأولوها على خلاف مقتضى اللغة والعقل والشرع والتاريخ والمنطق.

زعم مثيرو الشبهات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة الحديث، وذلك في قوله: (لا تَكْتُبُوا عَنِّي، ومَن كَتَبَ عَنِّي غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وحَدِّثُوا عَنِّي، ولا حَرَجَ، ومَن كَذَبَ عَلَيَّ -قالَ هَمَّامٌ: أحْسِبُهُ قالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)[26]، وبناء على هذا النهي استنتجوا أمورا، منها:

  • أن دواوين السنة الموجودة الآن هي عمل على خلاف مراد وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فلا وثوق بها، ولا هي بحجة.
  • أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته هي لزمانه ومكانه، وامتدادها والاستمداد منها خارج ذلك الظرف الزمني والمكاني ظلم للسنة وللناس.
  • أن الذين اشتغلوا بجمع السنة وتدوينها، واهتموا واعتنوا بها تحملا وأداء، لفظا وخطا لا يبعد اتصافهم بالكذب والخطأ والنسيان.

لاحظ كيف جاروا في الحكم، وتسرعوا في كيل التهم، ولو كانوا منصفين لكشفوا عن الأحاديث المبيحة للكتابة، بل الآمرة بها -وهي أكثر عددا وأقوى صحة- ثم نظروا في وجوه التوفيق بينها، وإن عسر عليهم ذلك أرجعوه إلى من يعلم به.

رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:( قُلْتُ : يا رسولَ اللهِ إنَّا لَنسمَعُ منكَ أشياءَ نُحِبُّ أنْ نحفَظَها أو نكتُبَها قال نَعَمْ فقُلْتُ ما يكونُ في الغضَبِ والرِّضا فقال نَعَمْ فإنِّي لا أقولُ في الغضَبِ والرِّضا إلَّا حقًّا)[27]، وعنه أيضا: (قال: كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمَعُه مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أُريدُ حِفظَه، فنهَتْني قُرَيشٌ عن ذلك، وقالوا: تكتُبُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ في الغضبِ والرِّضا؟ فأمسَكْتُ، حتى ذكَرْتُ ذلك لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ فقال: اكتُبْ، فَوالذي نفْسي بيَدِه، ما خرَجَ منه إلَّا حقٌّ)[28]، وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (ما مِن أصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عنْه مِنِّي، إلَّا ما كانَ مِن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو؛ فإنَّه كانَ يَكْتُبُ ولَا أكْتُبُ)[29]، وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب، فلو سلِم قصدهم، وحسن نهجهم، وقوِي علمهم لانتهوا إلى ما انتهى إليه أهل العلم والفهم الذين قالوا في سر هذا الاختلاف بين الأمر والنهي النبويين، ومحاولة الجمع بينهما ما يلي:

  • قال بعض العلماء: نهاهم عن كتابة الحديث، خشية اختلاطه بالقرآن، وهذا لا ينافي جواز كتابته إذا أمن اللَّبس[30]، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وقد تتحقق العلة عند البعض وتسقط عند آخرين، وهذا رأي الأكثر.
  • وقيل إن النبي المعلم المربي صلى الله عليه وسلم راعى الفروق الفردية بين الصحابة؛ لأنه لا يخفى عليه تفاوت مستوياتهم في الفهم والكتابة.
  • وقيل: إن ذلك منه صلى الله عليه وسلم حكمة تربوية تراعي قاعدة التدرج، إذ يحسن لمن أخذ المجمل قبل البيان، ومراعاة الأصول مقَدَّمة على الفروع.
  • وقيل: حتى لا يتكل ذوو الذكاء والحفظ الكبير على مكتوباتهم، فيقع التصحيف للألفاظ والمعنى، ويُبتذل العلم ويُتداول خارج أهله مشوَّه المبنى والمعنى، فاقد القيمة والقامة، وقديما قيل: «لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي».
  • وقيل: بنسخ اللاحق للسابق منهما، وهذا مما يعسر إثباته[31]، وإن جاز فآخر ما كان منه وعمل به الصحابة هو جواز الكتابة.

ومما يؤكد أن النهي استثناء، مخالفته لتقريرات القرآن، والتاريخ والعقل ومعهود الناس إذ ذاك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْـَٔمُوٓاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً اَوْ كَبِيراً اِلَيٰٓ أَجَلِهِۦۖ ذَٰلِكُمُۥٓ أَقْسَطُ عِندَ اَ۬للَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْن۪يٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓاْ﴾ (البقرة285)، فإذا كان هذا الحض على الكتابة لعقود الناس والتزاماتهم فأحرى أن يكون لسنة نبيهم درءا لكل ارتياب، وتحقيقا للاستقامة على مستوى الأفراد، والعدل على مستوى المجتمعات والأمم، وأما التاريخ فقد صح ما ذكرتُ سلفا أن نحوا من خمسين صحابيا كتبوا السنة أو كُتبت عنهم[32].

هذا، وقد ذكر محمد بن إسحاق النديم في كتاب «الفهرست» في أثناء وصف خزانة للكتب رآها في مدينة الحديثة (الموصل) “لم يُر لأحد مثلها كثرة، ورأيت فيها بخطوط الإمامين الحسن والحسين، ورأيت عنده أمانات وعهود بخط أمير المؤمنين علي عليه السلام، وبخط غيره من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم”[33].

استرسلت في الكلام عن هذه الشبهة لأنها أم الشبهات التي تثار حول تدوين السنة النبوية، وقد غشي الناس جرَاءها من التضليل والتشكيك والحيرة ما غشيهم، إذ الجواب المجمل لمن قويت عنده الشبهة لا يشفي الغليل.

2- شبهة العلاقة بين صحة الإسناد وصحة المتن

لا يُنكر على الباحث في السنة النبوية سؤاله: هل صحة الإسناد تدل على صحة المتن؟ في هذا الموضع انقسم الناظرون إلى ثلاثة فرق:

  • الفرقة الأولى: فرقة جعلت جلَّ همها النظر في الإسناد فكانوا بذلك غلاة في الإثبات، اعتقدوا أن كل الرواة العدول الثقات على درجة واحدة من الفهم والضبط، وأن هذه العلامة الكاملة من الفهم والضبط ثابتة لا تتغير في الكبر والصغر، في الصحة والمرض، وغير ذلك، ولا يخفى أنه مما لا يَسلَم منه إنسان.
  • الفرقة الثانية: فرقة جعلت جل همها النظر في نفس الحديث (يعني في متنه) فإن راقها أمره حكمت بصحته، بل منهم من زعم أن «ما وافق القياس الجلي يجوز أن يُعزى إلى النبي»[34]، فهم يقلِّلون من شأن أي إسناد ولا يعيرونه كبير اهتمام، لأنهم ينسبون إلى الرواة الوهم والنسيان والغلط، ويرونه حالا مقيما أو غالبا على جميع نَقَلَةِ السنة النبوية.

“ولا يدخل في هذه الفرقة أناس ردوا بعض الأحاديث الصحيحة الإسناد، لشبهة قوية عرضت لهم أوجبت شكهم في صحتها، فقد وقع التوقف في الأخذ بأحاديث صحيحة الإسناد، فقد وقع ذلك لأناس من العلماء الأعلام المعروفين بنشر السنن، بل وقع لأناس من كبار الصحابة”[35].

  • الفرقة الثالثة: فرقة همها البحث عما صح من الحديث لتأخذ به، فهو بحثٌ مُؤْثِرٌ للحق، وهي وسط بين الفرقتين الأولى المُفْرِطَة في أمر الحديث، والثانية المُفَرِّطَة فيه[36]، وهذه مسألة مهمة دقيقة جدا، وهو أن الحديث الصحيح لا يُعرف برواية الثقات فقط، وإنما يُعرف بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة، وكل هذه الأمور وزيادة تمت مراعاتها من طرف المشتغلين بعلم الحديث دراية ورواية “ووضعوا في هذا العلم شروطا وصفات للرواة غاية في الدقة تتصل بالجوانب الأخلاقية، والذهنية، والعلمية، ولا بد من هذه الشروط مجتمعة”[37].

لهذا تجد العلماء يميزون بين الحديث الصحيح الإسناد، والحديث الصحيح بإطلاق الذي رُعيت فيه سلامة الرواة خلقا وضبطا وعلما، فتراهم ردوا أحاديث لمظنة حصول ما يُخل بالمروءة، ولا يُخدعون بصلاح الراوي إذا كانت فيه غفلة، وقد تركوا لنا عبارة تكشف عن عظمة منهجهم «فلان تُرجى دعوته، ولا تُقبل شهادته» وأيضا عبارة «لأن نرد حديثا صحيحا خير من أن نقبل حديثا موضوعا».

تلقف أهل الريب والتشكيك موقف الفرقة الثانية وذهبوا به إلى أبعد حدٍّ، بعد انتقاء ما يخدم أغراضهم من الأحداث والأخبار، ثم غض الطرف عن غيرها، فكانت دعواهم إلى عدم قبول أي حديث، صح سنده أم لم يصح، حتى نعرض متنه على محكِّمات سبعة، زعموا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يردون الأحاديث لأجلها، وهي:

  • مخالفته للنص القاطع (القرآن خاصة).
  • مخالفته المقاصد الكلية للشرع.
  • التميز بين الثابت والمتغير.
  • تغليب العقل على النقل.
  • تقديم المصلحة على حرفية النص.
  • الأخذ بالحكمة والسياق.
  • النظَر إلى الأحكام في سياقها التاريخي[38].

وسأضرب مثالا لتناول أمِّنا عائشة الفقيهة الصديقية رضي الله عنها لبعض الأحاديث مبينا كيف وظفوها جهلا أو تجاهلا، لغرض التشكيك وإثارة الفتن، وتعطيل الشريعة، وإبطال مفعولها الإيجابي في حياة الناس، وهذا ما سماه أحد الباحثين «التحييد العملي للوحي»[39]، والبيان في الآتي:

حديث أول: عن عائشة أم المؤمنين، قالت: (لَو رأَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ما أحدَثَ النِّساءُ بعدَهُ لمنعَهُنَّ المساجدَ)[40]،

حديث ثان: (إن الميّتَ ليُعذّبُ ببكاءِ أهلهِ عليهِ)[41]،

حديث ثالث: عن عائشة رضي الله عنها: (أنَّه بلَغَها أنَّ ابنَ عُمَرَ يُحدِّثُ عن أبيه عُمَرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: المَيِّتُ يُعذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِه عليه، فقالَتْ: يَرحَمُ اللهُ عُمَرَ، وابنَ عُمَرَ، فواللهِ ما بِكاذِبَينِ ولا مُكَذَّبَينِ ولا مُتَزَيِّدَينِ، إنَّما قال ذلك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في رَجُلٍ مِن اليَهودِ، ومَرَّ بأهْلِهِ يَبكونَ عليه، فقال: إنَّهم لَيَبكونَ عليه، وإنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ لَيُعذِّبُه في قَبرِه)[42].

حديث رابع: (إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ أَهْلِهِ عليه فذُكِرَ ذلِكَ لعائشةَ فقالَت: وَهِلَ -تعني ابنَ عمر- إنَّما مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ على قبرٍ، فقالَ: إنَّ صاحبَ هذا ليُعذَّبُ وأَهْلُهُ يبكونَ علَيهِ ثمَّ قرأت: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)[43]، هذه أحاديث عوَّل عليها أهل الزيغ  لرد الأحاديث التي لا توافق هواهم، فلم يفهموا من تلك المرويات الصحيحة إلا أن عائشة (رضي الله عنها) رفضتها وردَّتها لمخالفتها مقاصد الشريعة، ولأنها غلبت العقل على النقل، والمصلحة على الالتزام بحرفية النص، وأخذت بالحكمة والسياق … وهنا أشير إلى حقائق خمسٍ تدفع ما يرِد من وهْم:

أولا: الأمر لا يتعلق برَدِّ الخبر لاتهام الراوي بالكذب، وإنما ظنته وَهِلَ أي نسي وخلط، كما صرحت به في الحديث الثالث، وعلى كلٍّ فهو خلافٌ بين العلماء الأثبات والرواة الثقات، وله بابه في علمي الحديث والأصول.

ثانيا: هذا من فقه عائشة رضي الله عنها، وفهمها لهذه المسألة وقد خالفها في ذلك صحابة وعلماء، وفي تعليق بعض العلماء على الحديث الأول المتعلق بمنع النساء من الخروج إلى المساجد قالوا: “لكنه صلى الله عليه وسلم لم ير ولم يمنع” وقالوا أيضا: “ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من عائشة بما عليه النساء، ومما سيكُنَّ عليه، ولكنه-مع ذلك- لم يمنع المرأة من الخروج إلى المسجد”.

ثالثا: الأمر الذي ينقضه العقل من كل وجه، ويبطله على كل حال، ويكون عنده مستحيلا من كل جهة فمُحال أن يأتي به الإسلامُ، وإنما أتى بمُجَوَّزات ومحارات[44] العقول لا بمُحالاتها.

رابعا: هناك فرق كبير على مستوى الفهم والقصد، أي العلم والعمل، بين الشك في صدور الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين ترك الحديث مع العلم بصحته.

خامسا: العلماء بحثوا في الحكمة والمصلحة وقعدوا لها قواعد، وقرروا أن البحثَ عنها يكون لبيان فضيلة التشريع دفعا إلى العمل به، وليس للدعوة إلى تركه. فأولى المقاصد تعظيم النصوص الشرعية، بإتيان الأوامر واجتناب النواهي، والإذعان إلى الوحي.

وجدير بالذكر في خضم هذا النقاش أن ننبه إلى أن المحدثين والفقهاء الأصوليين قد خصّوا هذه القضية بمباحث مطولة في مؤلفاتهم، منهم الشيرازي في اللمع، والحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، والغزالي في المستصفى، والفخر الرازي في المحصول، والقرافي في تنقيح الفصول، وطاهر الجزائري في توجيه النظر وغيرهم كثير، وأكتفي بذكر عبارة القرافي التالية: “الدال على كذب الخبر خمسة، وهو منافاته لما عُلِمَ بالضرورة أو بالنظر، أو الدليل القاطع، أو فيما شأنه أن يكون متواترا ولم يتواتر، وكقواعد الشرع، أو لهما جميعا كالمعجزات، أو طُلب في صدور الرواة أو كتبهم بعد استقرار الأحاديث فلم يوجد”[45].

3- شبهة منع الخلفاء الراشدين رواية الحديث

والغرض من هذه الشبهة هو التقليل من السنة والأحاديث المتداولة، احتياطا إن فشلوا في تحييدها وإنكارها، ولذلك تجد مثيري الشبهات يزعمون أن الخلفاء الراشدين سلكوا نهج نبيهم (صلى الله عليه وسلم) فمنعوا كتابة الحديث، وأنكروا على رواته، وأتوا بوقائع اعتبروها أدلة تثبت دعواهم، وتؤسس لمرادهم، ومما ذكروا:

  • واقعة1: جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ فسأَلَتْه مِيراثَها فقال ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ وما علِمْتُ لكِ في سنةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم شيئًا فارْجِعي حتى أسألَ الناسَ فسأل الناسَ فقال المغيرةُ بنُ شعبةَ حضرتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم أعطاها السُّدُسَ فقال هل معك غيرُك فقام محمدُ بنُ مَسلمةَ الأنصاريُّ فقال مِثْلَ ما قال المغيرةُ بنُ شعبةَ فأنفَذَه لها أبو بكرٍ[46].
  • واقعة2: أنَّ أبا موسَى الأشعريَّ جاء يستأذنُ على عمرَ بنِ الخطابِ، فاستأذن ثلاثًا ثم رجع، فأرسل عمرُ بنُ الخطابِ في أثرِه، فقال : ما لَك لم تدخلْ ؟ فقال أبو موسى : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ : الاستئذانُ ثلاثٌ، فإنْ أُذِن لك فادخلْ وإلا فارجعْ، فقال عمرُ : ومَن يعلمُ هذا ؟ لئنْ لم تأتِني بمَن يعلمُ ذلكَ لأفعلنَّ بكَ كَذا وكَذا، فخرج أبو موسَى حتى جاء مجلسًا في المسجدِ، يُقالُ له : مجلسُ الأنصارِ، فقال : إني أخبرتُ عمرَ بنَ الخطابِ، أنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ : الاستئذانُ ثلاثٌ، فإنْ أُذِن لك فادخلْ وإلا فارجعْ، فقال : لئنْ لم تأتِني بمَن يعلمُ هذا لأَفعلَنَّ بك كَذا وكذا، فإنْ كان سمِع ذلك أحدٌ منكم فليقُمْ معي، فقالوا لأبي سعيدٍ الخدريِّ : قمْ معَه، وكان أبو سعيدٍ أصغرَهم، فقام معَه، فأخبر بذلكَ عمرَ بنَ الخطابِ، فقال عمرُ بنُ الخطابِ لأبي موسى : أما إنِّي لم أتهمْك، ولكن خشيتُ أنْ يتقوَّلَ الناسُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ[47].
  • واقعة3: [عن علي] كُنتُ إذا سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حَديثًا نفعَني اللَّهُ بهِ بما شاءَ أن ينفعَني منهُ، وإذا حدَّثَني غيرَهُ استَحلفتُهُ، فإذا حلَفَ لي صدَّقتُهُ، وحدَّثَني أبو بَكْرٍ، وصَدَقَ أبو بَكْرٍ، قالَ : قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : ما مِن عبدٍ مؤمنٍ يُذنِبُ ذَنبًا فيَتوضَّأُ فَيُحسِنُ الطُّهورَ، ثمَّ يصلِّي رَكْعتينِ فيستَغفرُ اللَّهَ تعالى إلَّا غَفرَ اللَّهُ لَهُ ثمَّ تلا وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ[48].

من هذه الوقائع وأضرابها استنبط أهل الزيغ أن الصحابة الكرام لا يعتدون إلا بما تواتر من الأحاديث، وعابوا على المكثرين من الرواة، وأنهم لم يعملوا بحديث الآحاد، والأحاديث المتواترة قليلة جدا، وهو ما يترك فراغات كثيرة في التشريع تُملأ بالآراء المتناغمة مع المنتوج الثقافي والحضاري السائد حسب زعمهم، وبذلك توهموا رد الحديث وذم الإكثار من الرواية، ونسبوا ذلك وَهْما لا حقيقة إلى كبار الصحابة وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الأربعة.

وقد رّد العلماء هذا الافتراء، ودفعوا الوهم والريب، وأنشطهم في ذلك ابن حزم لما عقد فصلا في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» للرد على من ذم الإكثار من الرواية، فطالبهم بتعريف حد الإكثار، وإلا فهم لا يدرون ما ينكرون، وسألهم هل الرواية خير أم شر؟ ثم تساءل إذا كان الإكثار شرا، فأين الخير؟! أفي التقليد أم في التحكُّم بالرأي؟!

وبعد نقاش عريض ومفيد أفصح عما استقر عليه رأيه في هذه المسألة، بقوله: “والحق أن الخير كله في التفقه في الآثار والقرآن وضبط ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حض على أن يُبلَّغ عنه، وهذا هو التفقه والنذارة التي أمر الله بها”[49]، وفي حديث مشهور مستفيض قال النبي صلى الله عليه وسلم (نَضَّرَ اللهُ امرَأً سَمِعَ مَقالتي فوعاها، فأدَّاها كما سَمِعَها، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى من سامعٍ)[50]، وهذا يُبْعِد دعوى أن يكون توجُّهُ الأصحاب ومرادُ الشارع تقليل الرواية والتضييق عليها، وإنما الحقيقة الواضحة هي تَثَبُّتُ الصحابة والسلفِ في أمر الحديث وعنايتُهم به، حتى لا يتقوَّل المتقوِّلون عن رسول الله، وشددوا على من ظنوه تهاوَنَ في ذلك، لأنه مظنةُ الخطأ، والخطأ في الحديث عظيم، فواجب على المحدِّث أن يتورع فيما يِؤديه.

فإن قيل: لم يقبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة، ولم يقبل عمر بن الخطاب حديث أبي موسى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدري، ولم تقبل عائشة خبر ابن عمر أن الميت لا يُعذب ببكاء أهله، ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين في السهو في الصلاة حتى شهد معه أبو بكر وعمر، فالجواب أن أبا بكر لم يردّ خبر المغيرة في ميراث الجدة، وإنما طلب غيره معه تثبتا وزيادة للتأكد، وذلك لا يقتضي رد الخبر كما جاء في القرآن نظيره عن إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ أَرِنِے كَيْفَ تُحْيِ اِ۬لْمَوْت۪يٰۖ قَالَ أَوَلَمْ تُومِنۖ قَالَ بَل۪يٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِےۖ﴾ [البقرة: 259]، مع أنه حجة أيضا على قبول أبي بكر خبر الآحاد لأن خبر الاثنين آحاد بالإجماع، وما فعله عمر بن الخطاب هو سد للذريعة لئلا يتجرأ الناس على التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر يُعتبر من المكثرين فقد روى ما يزيد عن خمسمئة حديث.

هكذا ترى أن ما جاءوا به من شهود لهم صارت عليهم، إذ أثبتت رواية الصحابة للحديث واهتمامهم به، وأكدت قبولهم وعملهم بأحاديث الآحاد بشروط الصحة، وعلى هذا أجمعت الأمة وتمسكت وتماسكت، يقول صاحب تفسير أضواء البيان “وأما الإجماع فقد اشتهر بين الصحابة الرجوع إلى الآحاد من غير نكير، ومن تتبع وقائعهم في ذلك حصل له العلم بأنه لا مخالف منهم في ذلك”[51]، فماذا بقي لأصحاب الشبهات أن يختلقوا؟ ومن يقتنع بترهاتهم؟ ولكن للأسف لكل ساقطة لاقطة..!!

4- شبهة الطعن في دواوين السنة: صحيح البخاري أنموذجا

التشكيك في دواوين السنة هو من السبل التي راهن عليها محاربو السنة النبوية، فقد عمدوا إلى بث سمومهم صوب كتاب صحيح البخاري، لِما له من رمزية علمية قوية، ومكانة كبيرة لدى المسلمين، وكانوا يمنُّون النفس أن لو يظفروا من ذلك بشيء يستندون عليه لإقناع المسلمين باستحالة تمييز صحيح الأحاديث من سقيمها، ولكن أنى لهم ذلك، فقد خابوا وخسروا ورجعوا صفرا، وتلقته الأمة بالقبول، واعتنت به أشد عناية، واعتبرته أصح الكتب بعد كتاب الله.

وقد اعتمد  أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ) منهجا علميا دقيقا واستفرغ لذلك جهده، وبذل فيه وقته (ست عشرة سنة)، وأفنى له عمره مستعينا بالله متوكلا عليه. واسم كتابه، يلخص مقصودَه ومنهجه، «الجامع الصحيح المسنَد المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُننه وأيامه»[52]، فعُلم من قوله الجامع أنه لم يخصّه بصنف دون صنف، ولهذا أورد الأحكام والفضائل والأخبار والأدب والرقائق وغيرها، وعُلم من قوله الصحيح أنه ليس فيه شيء ضعيف عنده[53]، وقوله المسند يعني تخريج الأحاديث التي اتصل إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو مقصوده الأصلي [54]، وأما قوله المختصر فدَلَّ على أنه لم يستوعب جميع الصحيح، ولم يلتزم بذلك بل كما قال البخاري نفسه “لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر”، وكان شرطه فيه أن يكون إسناده متصلا، وهو أن يسمع كل راوٍ من شيخه فلا يكتفي بالمعاصرة، بل لابد من ثبوت اللقاء بين الشيخ والتلميذ ولو مرة واحدة، وأن يكون الراوي متصفا بصفات العدالة ضابطا متحفظا، سليم الذهن قليل الوهم، من غير شذوذ أو علة قادحة.

وقد اختُلف في عدِّ أحاديث صحيح البخاري، ومن أجود الأقوال قول من قال “والذي تحرر لي أنها بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون حديثا (7397)، وبغير المكرر من المتون الموصلة ألفان وست مئة وحديثان (2602)”[55].

وجدير بالذكر أن العلماء الكبار أصحاب الشأن في الأمر تناولوا صحيح البخاري خدمة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالدراسة والحفظ والعلم والتعليم، والمستدركات والمستخرجات والشروحات، والتمحيص والنقد أيضا، فانتقدوه من جهة الأسانيد ومن جهة المتون وأجيب عن ذلك، ثم انتقد ثم أجيب[56]، مرارا وتكرارا حتى استقر نظرهم على صحة وسلامة جمهور أحاديث الصحيح مما يوجب الرد، وأجمع أهل العلم بالحديث على ذلك، وهذه شهادة فحول علماء الأمة، ومنهم ابن تيمية رحمه الله الذي كتب مقالتين[57] جوابا عن سِؤال: هل أحاديث الصحيحين تفيد اليقين؟ فانتهى في الأولى إلى أن: “خلاصة ما يتعلق الغرض به في هذه المقالة أن أكثر متون الصحيحين معلومة متيقنة، قد تلقاها أهل العلم بالحديث بالقبول والتصديق، وأجمعوا على صحتها”[58]، وفي خلاصة المقالة الثانية قال: “وخلاصة ما يتعلق به الغرض في هذه المقالة أن جمهور ما في البخاري ومسلم من الأحاديث مما يُقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله”[59]، فالخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقا له، أو عملا بموجَبه يفيد العلم عند جماهير السلف والخلف.

وخلافا لإجماع الأمة، وبطرا للحق، جاء أغمار في هذا الزمان يزعمون الانتساب إلى شرف العلم والعقل، وهم أخس مرتبة من الجهال يتتبعون القبيح لاستخراجه من ظهراني الحسن، ويوسمون الصحيح بالسقم.

وقد تنوعت أساليب الهجوم على البخاري والطعن في صحيحه[60]، فجاءوا مدججين بأسلحة الكذب والتزوير، والزخرفة والتأويل، والجرأة على الحق من جميع الجهات، فاختلقوا افتراءات وشبهات كثيرة، بمبررات مختلفة قد يجمعها تجديد التراث الإسلامي، وتخليص وإنقاد المسلمين من العوامل المعيقة لنهضتهم وتقدمهم وتنميتهم ..!! وفيما يلي بيان موجز[61] لبعض ذلك، وقد جعلته قسمين اثنين: مضمونية وفنية.

أولا: شبهات مضمونية، حيث زعموا أن متون صحيح البخاري متناقضة وتنطوي على مخالفات صريحة لأحكام القرآن الكريم، وإساءات للنبي صلى الله عليه وسلم بإيراده ما يقدح في شخصه وعصمته وأخلاقه، ومثلوا لذلك بجماع الحائض، وحكم الزاني المحصن والمرتد، وإباحة الحيل وغيرها، ولا يكلفون أنفسهم عناء النظر في أجوبة العلماء على ما بدا لهم تعارضا، ولا محاورة تلك الأجوبة بالنقد العلمي الموضوعي، لأن الغرض هو صناعة بلبلة فكرية لدى المسلم العامِّي وزعزعة ثقته بالصحيح.

ومن مكرهم أيضا محاولتهم العبث بأحاديث النبي صلى الله عليه سلم من أجل انتهاك قدسية جنابه الشريف، “حيث يعمدون إلى بعض أحاديث البخاري التي تتعلق بشخصه صلى الله عليه وسلم وحياته الخاصة مع أزواجه مثلا، فينشرون ذلك بين العامة على وجه مريب وبشرح سطحي بعيد كل البعد عن حقيقة مضمونها، لكي يتم لهم خدش حياء المؤمن من نبيه، أو التقليل من تعظيمه في قلبه، أو تكذيب ما جاء في الصحيح[62]، وإذا كذَّبْتَ الصحيح فبما تعرف عظمة النبي؟! -باعتباره مصلحا اجتماعيا حقيقيا وليس أسطورة- ماذا قال؟ وماذا فعل؟ فالقول والفعل هما المظهران الخارجيان للوجود الإنساني، لا أريد هنا تكثير وتفصيل الأمثلة[63]، فدونكم صحيح البخاري، وشروحه الكثيرة القيمة المعتبرة، فاقرأ منها طالبا للحقيقة تنكشف لك زيوف الادعاءات، وتهافت الشبهات، وفيما ذكرته قبلُ جواب عن هذه الشبهة قبل عرضها.

ثانيا: شبهات فنية، حاولوا من خلالها النيل من بعض رجال البخاري، والتنقيص من منهجه ببيان محدوديته وعدم فاعليته، ووظفوا أحيانا أسلوب السخرية والاستهزاء ببعض ملابسات تأليف البخاري للصحيح، ومن ذلك استغرابهم وتشكيكهم في كثرة حفظه، وإنكارهم وتكذيبهم لاغتساله واستخارته لكل حديث قبل تضمينه في الصحيح.

نعم كان البخاري يحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومئتي ألف حديث غير صحيح، وهناك من كان يحفظ أكثر من ذلك بكثير، ولا غرابة بعد الفهم، لمن لم يجعل نفسه منتهى ومقياس الكمال في كل شيء، ومن يعلم أن ذلك فضل الله يِؤتيه من يشاء، وفيما يلي سأبسط قولا يزيل الاستغراب أو على الأقل يخففه.

نقل عن الإمام أحمد أن أبا زرعة الرازي واسمه عبيد الله بن عبد الكريم الرازي (ت264هـ) قد حفظ سبع مئة ألف حديث، ونقل عن مسلم أنه قال: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة[64]، وحول هذا يدور ما رُوي من قدر حفظ الحفاظ، “فكان أقل ما يمكن أن يحفظه المتعاطي لعلوم الحديث وحفظه عشرين ألفا حديث، أما الحد الأقصى من الحفظ فقد ذكروا أن الإمام أحمد بن حنبل (241هـ) كان يحفظ سبعمائة وخمسين ألف حديث، وذكر الحافظ النيسابوري في المدخل أن الواحد من المحدثين الحفاظ كان يحفظ نحو الخمسمائة ألف حديث”[65]، وقد عقب على هذه الأعداد الهائلة المثيرة للاستغراب والارتياب الشيخ عبد الحي الكتاني، فقال: رحم الله الحافظ البيهقي فقد أزال غمة، ورفع عن الدين أكبر وصمة بهذه الإفادة التي شرح فيها هذه المقالة، فإن كثيرا من المتفقهين الآن يقولون مع تكفل الله بالدين أين هذا المقدار من السنة الآن؟ فهل لم يدون؟ إلى أن قال على لسان البيهقي: “فمرادهم بهذا العدد العديد طرق الحديث الواحد العديدة ورواياته المتنوعة، وقد يكون الحديث واحدا، ولكن باعتبار طرقه واختلاف ألفاظه وتعدد من رواه يعد الحديث الواحد بالمائة، لأنهم كانوا يقولون لو لم نكتب الحديث من عشرين وجها ما عرفناه”[66]، وهكذا بعملية رياضية بسيطة إن قَسمت على عشرة صارت السبعمائة ألف سبعين ألفا، وإن قمست على عشرين صارت خمسة وثلاثين ألفا، وعلى المائة صارت سبعة آلاف حديث.

والمهتم بهذا الأمر ينبغي أن يعلم أن كل طريق من طرق الحديث الواحد يُعتبر حديثا، وكل قول من أقوال الصحابة والتابعين في اللفظ الواحد يُعتبر حديثا، مثلا في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْـَٔلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اِ۬لنَّعِيمِۖ﴾ [التكاثر: 8]، يقول ابن الجوزي في تفسير كلمة النعيم عشرة أقوال، (يعني عشرة أحاديث)، وفي كلمة الماعون ستة أقوال[67]، وهكذا.

وقد سمعت أحدهم يقول طاعنا في قول البخاري إنه يغتسل ويصلي ركعتين قبل أن يكتب أي حديث، أنه أجرى عملية حسابية تبعا للسنوات التي قضاها في تأليفه وعدد الأحاديث، فخلص إلى أن ذلك مستحيل[68]، ولو تجردنا لبيان الحق والصواب، لدلتنا عليه عملية رياضية بسيطة جدا: (16×365⁚2602=2,24) ( 5840عدد الأيام التي قضاها البخاري في تأليف صحيحه مقسومة على 2602عدد أحاديثه بدون تكرار) النتيجة يومان وخمس ساعات لكل حديث، وهي كافية لفعل ما ذُكِر، هذا دون إغفال بركة الله للمتقين.

والحال أن مزية صحيح البخاري ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، لا ينكرها إلا غُمْرٌ يُزري بنفسه وهو لا يشعر، والعلماء إنما فتحوا هذا الباب لأرباب النقد والتمييز، الذين يرجحون ما يرجحون بدليل صحيح، مبني على القواعد التي قررها المحققون في هذا الفن، وأما المموهون الذين يريدون أن يجعلوا الصحيح سقيما، والسقيم صحيحا بشبه واهية جعلوها في صورة الأدلة، فينبغي الإعراض عنهم، مع ردِّ الشُّبه التي يُخشى أن تعلَق بذهن من يريدون أن يوقعوه في أشراكهم.

المطلب الخامس: واجبات أربعة نحو السنة النبوية

قد يستاء المسلمون لما تتعرض له السنة النبوية من شبهات وتضييق، وتجميد، وتنقيص وتعطيل وغير ذلك من صنوف الإساءة وإثارة الشبهات، ولكن يبقى الأمر الأهم هو الإقرار وعدم إغفال ما عليهم من واجبات حيالها، وأصولها أربعة، وهي المعرفة الراسخة، والممارسة الواعية، والدعوة الحانية، ثم الحماية الوافية.

الواجب الأول: المعرفة الراسخة

وأقصد بها تعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ثلث العلم، بل شطره، وهي عاصمة من الزيغ والضلالة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إني تاركٌ فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتابَ اللهِ، وسنتِي)[69]، واجب أن نبذل من جهدنا وأوقاتنا وأموالنا في تعلم وتعليم سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، كما فعل السلف الصالح الذين أوقفوا حياتهم خدمة للسنة النبوية، فتركوا الأهل والأحباب وفارقوا الأوطان، وواجهوا المخاطر وتحملوا المشاق في سبيل ذلك، فكيف نتعرف على الله ونحن نجهل سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف نعبد الله على الوجه الصحيح؟ كيف نحذر البدع والضلالات من دون معرفة راسخة؟ ورسوخ المعرفة بالسنة النبوية يتوقف على أمرين اثنين:

الأول: التثبت والتمحيص حتى لا يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله أو يفعله، وقد تهيأ للأمة اليوم علم مصطلح الحديث وعلم التخريج، مما ييسر مهمة تناول المدونات الحديثية المخطوطة أو المطبوعة بالفحص، ويُقترح إنشاء مؤسسة علمية تقوم بهذه المهمة لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة والموضوعة[70].

الثاني: حسن الفهم، ويُستفاد من جهود الأسلاف في هذا الباب، حيث أسسوا علوما جليلة مثل علم غريب الحديث، وعلم مختلف الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب ورود الحديث، والمقترح اشتغال أهل التخصص على موسوعة فقه السنة لتقريب السنة إلى الأمة، ونسجل هنا صرخة القرضاوي: “إن السنة في حاجة إلى شروح جديدة تجلي الحقائق وتوضح الغوامض، وتصحح المفاهيم، وترد على الشبهات والأباطيل، مكتوبة بلسان الناس ومنطقهم في هذا العصر لنبين لهم”[71].

والواقع أن كثيرا من المسلمين يعانون جهلا فظيعا منكرا بالسنة النبوية عوامهم وخواصهم، فتجد منهم أساتذة وأصحاب شهادات عليا في مختلف التخصصات يعانون فقر وجفاف معرفي، بل قد تجد منهم من يعادي بعض السنن وينتقدها ويستهزأ بها جهلا أو تكبرا، وهو يظن نفسه مفكرا وباحثا ومثقفا، فيا لهفي على زمان ينتسب فيه إلى شرف الفكر والثقافة جاهل خائن..!!

الواجب الثاني: الممارسة الواعية

يقترن في الفطر السليمة العلم بالعمل إلى درجة لا يتصور معها انفكاك، فالعمل بالسنة تابع للعلم بها، إذ العلم بلا عمل فسوق، والتحدي الأكبر أن تتغلل السنة في حياة المسلم الخاصة والعامة، فالتمسك بالسنة والعمل بها خير وبركة، ويعظُم فضله في هذا الزمان الصعب، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنَّ مِن ورائِكم أيامَ الصَّبرِ، لِلمُتَمَسِّكِ فيهنَّ يومئذٍ بما أنتم عليه أجرُ خمسين منكم، قالوا، يا نبيَّ اللهِ أو منهم ؟ قال، بل منْكم)[72]،  “وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “إنَّ من وَرائِكُم” أَيْ: قُدَّامَكُم مِنَ الأَزْمانِ الآتيَةِ، أو خَلْفَكم من الأُمورِ الهاويَةِ “زَمانَ صَبْرٍ” أَيْ: أيامًا لا طَريقَ لكم فيها إلَّا الصَّبْرُ، أو أيَّامًا يُحمَدُ فيها الصَّبْرُ والمُرادُ بالزَّمانِ: هو الذي يَغلِبُ فيه الفِتَنُ، وتَضعُفُ شَوْكَةُ المُسلِمينَ، “لِلمُتَمَسِّكِ فيه”، أي: لِمَنْ صَبَرَ على التَّمسُّكِ بدِينِه واعْتَصَمَ به، “أَجْرُ خَمْسينَ شَهيدًا منكم” يَتَضاعَفُ له أجْرُه بأَجْرِ خَمْسينَ من شُهَداءِ الصَّحابَةِ، وهذا مِنْ عِظَمِ بَلاءِ هذا الزَّمانِ الذي يَجِدُ المُسلِمُ المُسْتَمْسِكُ بدِينِه كالقابِضِ على جَمْرةٍ من نارٍ، لهذا على المسلم أن يكون واعيا بذلك، فالحياة بالإسلام وللإسلام، علم وعمل، عبادات ومعاملات، مجاهدة وجهاد، هجرة ونصرة في زمن الفتن شأنها عظيم وأجرها كبير.

الواجب الثالث: الدعوة الحانية

بعد تعلم السنة والعمل بها يقع على عاتق المسلم واجب ثالث، وهو الدعوة إليها وتعليمها وبثها بين الخلائق بشرطي العلم والحكمة، مستغلين كل مناسبة وفرصة، مع العناية الكبيرة بتأليف القلوب وتوحيد الجهود، رحمة بالخلق وشفقة عليهم، والاحتراز من النعرات الطائفية والرعونات النفسية، مهتديا بالنور القرآني ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْۖ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ  وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْۖ  وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْۖ  وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُۖ  وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْۖ ﴾ [المدثر: 1-7].

الواجب الرابع: الحماية الوافية

مع تثبيت السنة النبوية وتشغيلها بإيقان وإتقان في نفوس المؤمنين ومجتمع المسلمين، من خلال العلم والعمل والتعليم والدعوة يأتي واجب رابع مصاحب لكل ذلك وهو تحصين ما شُيد وحماية ما بُني، بتخليصها من البدع المنكرة، ودفع الشبهات المثارة حولها، وحفظ نقائها وصفائها وفاء لما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مهمة العلماء الدعاة المربين، تطبيقا لحديث (يحمِلُ هذا الِعلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلينَ)[73].

خلاصات وتوصيات

في ختام هذه الجولة البحثية والتي أثارت أسئلة أكثر مما قدمت أجوبة، ونبهت على مداخل معالجة موضوع على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية، أجدد التركيز على ما يلي:

  • لا شك أن اهتمام الطلبة بالسنة النبوية دراسة وقراءة لها، واعتناء العلماء بها تدريسا وتعليما، وانشغال الباحثين بها تأليفا وتحقيقا، يكون ضربة قاسية توجَّه إلى أعداء السنة المعاصرين، تطفئ كثيرا من آرائهم السخيفة، وشبهاتهم الفاسدة.
  • إن النتيجة التي يخرج بها الدارس للسنة النبوية هي أن الأولوية اليوم للنظر في فقه السنة الثابتة، والدراسة لمتونها على ضوء توجيهات القرآن ومقاصد الشريعة الإسلامية، وضرورة تصنيف موضوعات السنة النبوية الشريفة بما يناسب هذا العصر، مع الحرص على شموله لجميع الحاجات الإنسانية المعاصرة.
  • تحميل الأنظمة والحكومات في البلاد العربية والإسلامية مسؤولية الدفاع المتواصل عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وإلحاق هذا العمل في أعمالها الدبلوماسية.
  • الإسلام قرآن وسنة بهما معا كان، وبهما يبقى، بهما أقام السلف –وفي مقدمتهم الصحابة الكرام- صلاتهم، وأدوا زكاة أموالهم، وحجوا بيت الله الحرام، وعلى هديهما أسسوا أُسَرَهم ونظامهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

مراجع البحث ومصادره

  1. توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري الدمشقي، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى المحققة ببيروت، 1995م.
  2. أصول الحديث: علومه ومصطلحه، محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، ط1، 1998م، بيروت.
  3. إرشاد الفحول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق أبي محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتب الثقافية، دار الفكر، الطبعة السابعة، 1997م.
  4. شبهات حول الإسلام، محمد قطب، دار الشروق، ط23، 2001م.
  5. جدل العقل والنقل في الفكر الإسلامي في الفكر القديم، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1992م.
  6. نثر الورود على مراقي السعود، محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق وإكمال تلميذه محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، دار المنارة، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثالثة، 2002م.
  7. تجديد التراث الإسلامي، كتاب جماعي، تنسيق وتقديم رشيد عموري، مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، 2019م.
  8. المدخل لدراسات السنة النبوية، يوسف القرضاوي.
  9. القرآن والنبوة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م.
  10. واجبات الأمة نحو السنة، جلال راغون، مجلة البيان، العدد 177، سنة 2002م.
  11. تدوين السنة النبوية وتطور التصنيف والتأليف فيها عبر القرون: عرض تاريخي موجز، السيد عبد المجيد الغوري، معهد دراسات الحديث الشريف، ط1، 2017م.
  12. مدافعة الشبهات، عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مجلة البيان، العدد 269، 2010م.
  13. تدوين الحديث النبوي في عصره الذهبي، بديع السي اللحام، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 676، 2021م.
  14. حقائق الإسلام بين الجهل والجحود، عبد المجيد صبح.
  15. مآلات الخطاب المدني، إبراهيم بن عمر السكران، دار الحضارة، الطبعة الثانية، 2016م.
  16. شرح تنقيح الفصول، أحمد بن إدريس القرافي، دار الفكر، دمشق، 2004م.
  17. مقام النبوة بين تأصيلات العلماء وشبهات العلمانيين، عدد خاص لجريدة السبيل، العدد 225، نونبر 2016م.
  18. التراتيب الإدارية، عبد الحي الكتاني، تحقيق عبد الله الخالدي، دار الأرقم، بيروت الطبعة الثانية.
  19. مبدأ التدوين، عبد الحي الكتاني.
  20. دراسات في الحديث النبوي، محمد مصطفى الأعظمي.
  21. الموقع الإلكتروني الدرر السنية، والمكتبة الشاملة.

[1] – القرآن والنبوة، عبد السلام ياسين، دار لبنان للطباعة والنشر، ط1، 2010م، ص54.

[2] – أصول الحديث: علومه ومصطلحه، محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، ط1، 1998م، بيروت، ص14. وانظر: توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري الدمشقي، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى المحققة ببيروت، 1995م، ج1، ص37 ما بعدها.

[3] – أصول الحديث، محمد عجاج الخطيب، ص14.

[4] إرشاد الفحول، محمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق أبي محمد سعيد البدري، مؤسسة الكتب الثقافية، دار الفكر، الطبعة السابعة، 1997م، ص68.

[5] – إرشاد الفحول، الشوكاني، ص68.

[6] – انظر: توجيه النظر إلى أصول الأثر، ص37 وما بعدها.

[7] – انظر: تدوين السنة النبوية وتطور التصنيف والتأليف فيها عبر القرون: عرض تاريخي موجز، السيد عبد المجيد الغوري، معهد دراسات الحديث الشريف، ط1، 2017م، ص25. 

[8] – انظر المكتبة الشاملة.

[9] – وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية في المعاملات المدنية والأحوال الشخصية، محمد الزحيلي، دار البيان، دمشق، 1982م، ج2ص756.

[10] – انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، محمد بن علي بن حجر العسقلاني، ج8/ص55.

[11] – مدافعة الشبهات، عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مجلة البيان، العدد 269، 2010م، ص6.

[12] – رواه مسلم في صحيحه، رقم 867. وانظر موقع الدرر السنية على الانترنيت.

[13]شبهات حول الإسلام، محمد قطب، دار الشروق، ط23، 2001م، ص8.

 

[14] – شبهات حول الإسلام، محمد قطب، دار الشروق، ط23، 2001م، ص8.

[15] – توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري الدمشقي، ج1، ص332.

[16] – توجيه النظر، طاهر الجزائري، ج1، ص333.

[17] – انظر: مدافعة الشبهات، عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف، مجلة البيان العدد 269، 2010م، ص6، وما بعدها.

[18] – أخرجه البزار (9423)، والطبراني في «مسند الشاميين» (599).

[19] – تدوين السنة النبوية وتطور التصنيف والتأليف فيها عبر القرون، سيد عبد المجيد الغوري، معهد دراسات الحديث الشريف، ط1، 2017م، ص12.

[20] – انظر: مبدأ التدوين، عبد الحي الكتاني، وانظر: دراسات ي الحديث النبوي، محمد مصطفى الأعظمي.

[21] – ذكرها الخطيب البغدادي في «تقييد العلم».

[22]  جدل العقل والنقل في الفكر الإسلامي في الفكر القديم، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1992م، ص305

[23] – انظر: توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، ج1، ص48.

[24] – انظر: توجيه النظر، مرجع سابق، ج1، ص49 وما بعدها.

[25] – تدوين الحديث النبوي في عصره الذهبي، بديع السي اللحام، مجلة الوعي الإسلامي، العدد 676، 2021م، ص10 وما بعدها.

[26] رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، رقم  .3004

[27] – الطبراني، المعجم الأوسط، 2/153.

[28] أخرجه أبو داود (3646)، وأحمد (6802) واللفظ له.

[29] – صحيح البخاري، 113.

[30] – توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، مرجع سابق، ج1/ص45.

[31] – يذكر العلماء شرطين لإثبات النسخ، وهما: أولا: اختلاف الحكمين مع استحالة الجمع بينهما بأي وجه، ثانيا: تصريح اللاحق بإبطال الحكم السابق أو عدم سريان العمل به، تمييزا له عن الاستثناء، والتخصيص، والتقييد وغيرها.

[32] – يُنظر: دراسات في الحديث النبوي، محمد مصطفى الأعظمي. ومبدأ التدوين، عبد الحي الكتاني.

[33] – نقلته عن توجيه النظر في أصول الأثر، طاهر الجزائري، ج1/ص53.

[34] – انظر تفصيلات وتمثيلات لهذه الفرق لدى طاهر الجزائري في كتابه توجيه النظر في أصول الأثر، الجزء الأول، صفحات من 191 إلى 208.

[35] – توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، ج1/ص194.

[36] – توجيه النظر، ج1/ص207.

[37] – حقائق الإسلام بين الجهل والجحود، عبد المجيد صبح، ص54.

[38] – حقائق الإسلام بين الجهل والجحود، عبد المجيد صبح، ص230. وقد خصصه للرد على مزاعم أربعة من “المشبِّهة”

[39] – مآلات الخطاب المدني، إبراهيم بن عمر السكران، دار الحضارة، الطبعة الثانية، 2016م، ص25.

[40] – أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، 3/ 184

[41] أخرجه البخاري (1286)، ومسلم (928) مطولاً، عن عبد الله بن عمر.

[42] أخرجه البخاري (1289)، ومسلم (932) باختلاف يسير.

[43] أخرجه أبو داود (3129) واللفظ له، وأخرجه البخاري (1288)، ومسلم (929) باختلاف يسير.

[44] – محارات العقول أي ما تجعل العقل في حيرة لا يخرج منها إلا بالتسليم وهو من مقتضيات الإيمان، لأن لإدراك العقل حدود كسائر الحواس، فسبب زيغ بعض الفرق غلوهم في التنقير بالعقول في الغيبيات، وتقديمها على مضامين المرويات.

[45] – شرح تنقيح الفصول، أحمد بن إدريس القرافي، دار الفكر، بيروت، لبنان، 2004م، 2/140.

[46] – أخرجه أبو داود (2894)، والترمذي (2101)، وابن ماجه (2724)، وأحمد (18009)، والنسائي في «السنن الكبرى» (6340).

[47] – انظر: الاستذكار، ابن عبد البر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2000م، 7/485.

[48] – أخرجه أبو داود (1521)، والترمذي (406)، والنسائي في (10250)، وأحمد (56) واللفظ له.

[49] – انظر: توجيه النظر، طاهر الجزائري، ج1/71.

[50] – كشف الخفاء للعجلوني، 2/423، وروي بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة.

[51] – نثر الورود على مراقي السعود، محمد الأمين الشنقيطي، تحقيق وإكمال تلميذه محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، دار المنارة، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الثالثة، 2002م، ص388.

[52] – توجيه النظر إلى أصول الأثر، ج1، ص220

[53] – قلت عنده تحرزا من مواضع قد انتقدها عليه غيره من العلماء كابن حزم والدارقطني وغيرهما، وقد أجيب عنها.

[54] – وما وقع من غير هذا فإنما هو عرض وتبع.

[55] – نقله القاضي زكرياء الأنصاري تلميذ الحافظ ابن حجر في شرحه لألفية العراقي المسمى: فتح الباقي على ألفية العراقي. وانظر توجيه النظر، ص233.

[56] – ولا شك أن هذا سيحرك فضول كل باحث لمعرفة تفصيل ما انتُقِدَ على البخاري في الصحيح، لذلك أدعوه إلى قراءة صفحات طويلة ماتعة مفيدة من كتاب توجيه النظر حيث بسط مؤلفُه كلَّ ذلك بسطا، مقرونا بإجابات لا تقل روعة وبيانا، تُظهر بوضوح عظمة علماء الإسلام واتساع أفقهم العلمي وعمق نظرهم الفكري، وشعارهم بلا مواربة ولا دوران إذا ظهر الدليل فإليه المسير، والحق أحق أن يُتبع،  ومكانة الأشخاص لا تخرم قداسة المبادئ.  

[57] – انظر المقالة كاملة في مجموع فتاوى ابن تيمية، أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي، ج18/ص48

[58] – توجيه النظر، ج1/ص324.

[59] – نفسه ص327.

[60] – ينبغي التمييز بين النقد –من أهله- للصحيح بعرض مروياته على ميزان الجرح والتعديل، والقواعد والضوابط المعمول بها في هذا الفن، إذ لا عصمة إلا لنبي، وبين الادعاء والطعن وتزوير الحقائق.

[61] – وقد تولى علماء وباحثون ومراكز علمية الذب عن البخاري وصحيحه، ومن آخر ما اطلعت عليه، كتاب جماعي أصدره مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، تحت عنوان: صحيح البخاري بين نقد المحدِّثين ونقد دعاة تجديد التراث الإسلامي، تنسيق وتقديم رشيد عموري، 2019م.

[62] – انظر: مقام النبوة بين تأصيلات العلماء وشبهات العلمانيين، عدد خاص لجريدة السبيل، العدد 225، نونبر 2016م. ص3 وما بعدها.

[63] – انظر: القرآنيون وزيف افتراءاتهم على صحيح البخاري، لمياء أحمد عبد الدايم نصر الله، ضمن كتاب جماعي «صحيح البخاري بين نقد المحدِّثين ونقد دعاة تجديد التراث الإسلامي»، مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات، تنسيق وتقديم: رشيد عموري، 2019م. فقد ذكرت أمثلة عديدة وردودها مفصلة صفحات من 43 إلى 78 .

[64] – توجيه النظر، ج1/ص41.

[65] – جدل العقل والنقل، في مناهج التفكير الإسلامي، محمد الكتاني، الفكر القديم، ص317. بتصرف يسير.

[66] – التراتيب الإدارية، عبد الحي الكتاني، تحقيق عبد الله الخالدي، دار الأرقم، بيروت، الطبعة الثانية، ج2/ً204

[67] – انظر:  تفسير زاد المسير، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، دار ابن حزم، المكتب الإسلامي، 2009م.

[68] – مشكلة الرياضيات والعلوم الحقة عموما عندما تحكمه الأهواء وتقوده السياسات، يصدق فيه قول أحد الرياضيين معرفا الإحصاء بأنه: “الكذب بالأرقام”.

[69] – إسناده جيد، أخرجه مالك في « الموطأ » (2/899) بلاغاً.

[70] – واجبات الأمة نحو السنة، جلال راغون، مجلة البيان، العدد 177، سنة 2002م، ص12.

[71] – المدخل لدراسات السنة النبوية، يوسف القرضاوي، (بدون طبعة ولا تاريخ) ص.210

[72] –  صحيح، أخرجه المروزي في «السنة» (33)، والطبراني في «الأوسط » (3121).

[73] – أخرجه أبو نعيم في “معرفة الصحابة” (732)، والبيهقي (21439) باختلاف يسير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.