منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2

عبد الصمد الخزروني

0

اليقظةُ الرّوحية

التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى

مَعنى اليقظة الرّوحية ح2

عبد الصمد الخزروني

 

اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1

 

معنى اليقظة

اليقظة الانتباه، وهي عكس النوم، وضدّ الغفلة. فكأن الذي يعيش تائها وحائرا وألعوبة في يد الشيطان والنفس والهوى من دون التفكير في حالته العادية وما تحتاجه من تحول وصحوة وتغيير شخصٌ نائم، أو على الأقل غافل ومُغفّل. شخص يمضي في طريق حياته من غير هدف ولا غاية، يقضي أيامه من غير التهمّم بما يجب، ومن غير الاهتمام بما هو مطلوب. يُضرب المثل لهذه اليقظة بالموقف الذي يقفه القطّ وهو يترصد الفأرَ أمام فتحة جُحر ينتظر متى يخرج لينقضّ عليه. إن القطّ لا ينام ولا يغفل ولا يسمح لعينيه أن ترمشا حتى الرمشة الواحدة من شدة الانتباه. وكذلك يكون من أراد أن يعيش اليقظة في انتباه دائم من أن يُخدع من قبل نفسه أو الشيطان أو الدنيا أو قرناء السوء.

اليقظة الروحية تتحدّد بالفارق بين الليل والنهار، وبين الظلمة والنور، وبين النوم والانتباه. وتتحدد بالانتقال بين الأضداد، من السلبية إلى الإيجابية، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الأسوأ إلى الأحسن، ومن الظلمات إلى النور، ومن القعود الخامل إلى الجهاد الفاعل، ومن العمل الطالح إلى العمل الصالح. وتتحدّد بالجمع بين الثنائيات، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين مصير الفرد ومصير الأمة، بين العمل الدنيوي والعمل الأخروي، بين الاهتمام الروحي والاهتمام المادي. فهي تبدأ بالسعي لتحقيق الذات وتنتهي بتجاوزها للتفكير في ذوات الآخرين الذي هو نكران الذات. هكذا تكون اليقظة الروحية الكاملة.

 ثم إن كل يقظة روحية تسبقها أزمة روحية، وهي حالة غير عادية يجدها الإنسان الذي لم يعد راضيا عن ذاته وحالته، وعن الطريق الذي يسير فيه، وعن الأعمال التي يقوم بها. فتتناسل الأسئلة المحرِقة والمحرجة الكبرى على ذهنه وعقله تتعلق بماهية وجوده في الحياة، وبماهية مصيره بعد الموت. تلك الأسئلة التي استثقل طرحَها الكثيرُ من المفكرين والفلاسفة، لما يجدونه عند طرحها من حرج. والتي قلّما يطرحها الإنسان العادي على نفسه لما أصاب عينيه من غشاوة حجبت عنه الرؤية الصحيحة للحقائق والأشياء. أسئلة: من أنا؟ ومن أين جئتُ؟ ولماذا جئتُ؟ وإلى أين سيُذهب بي في النهاية؟

إذا فهمنا أن الدِّين كما علّمه لنا سيدنا جبريل عليه السلام في حديثه المشهور، وتلقّاه عنه الصحابة رضي الله عنهم تلقيا مباشرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو إسلام وإيمان وإحسان، فإن اليقظة الروحية هي ارتقاء في مدارج هذا الدين ومراتبه من إسلام لإيمان لإحسان. وحين يبلغ المرتقي في مدارج الدين ومراتبه المقامات العليا منها تصبح يقظتُه الروحية يقظة إحسانية. ويصبح الإحسان بكل معانيه يغطي كل أقواله وأعماله العبادية والعادية والمعاملاتية.

قيل عن اليقظة

من الذين كتبوا عن اليقظة شيخ الإسلام الهروي رحمه الله في كتابه “منازل السائرين”، إذ يقول في تعريفها: “القَومة لله هي اليقظة من سِنة الغفلة، والنهوض عن ورطة الفترة. وهي أول ما يسْتنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه. وهي على ثلاثة أشياء: لحْظُ القلب إلى النعمة، على اليأس من عدّها، والوقوف على حدّها، والتفرّغ إلى معرفة المنِّة بها، والعلم بالتقصير فيها”[1]. وقد أصّل لها انطلاقا من قوله تعالى: [قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى] (سبأ:46). فجعل معنى القومة لله: هو نفسه معنى اليقظة.

أيضا من الذين تحدثوا عن اليقظة الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، إذ خصّص لها فقرة في كتابه “الإحسان” تحت عنوان “التوبة واليقظة”. فجعل من أولى خطوات التربيةِ التوبةَ ثم اليقظةَ. وقسّم التوبة إلى قسمين:

الأول: التوبة الفردية من الذنوب والمعاصي. ويكون فيها للأبوين المسلمين الصالحين دور مهم في تحقيقها. فإن لم يكن للأبوين استعداد، أو ليس لديهم ما يعطيان من الصّلاح، فوصية الله أن يتبع الإنسانُ الراغب في التوبة سبيلَ من أناب إليه. باعتبار المنيب درجة فوق التائب، ولديه من الصلاح ما يفيد به التائب. والأوّاب درجة فوقهما، وتكون للأنبياء والرّسل عليهم الصلاة والسلام.

الثاني: التوبة الجماعية من القعود وعدم نصرة قضايا الأمة، والتوبة من التّخلف عن محطات النّصرة ومواقف الجهاد كانت الأمة أحوج ما تكون إلى من ينصرها فيها ويدافع عنها. فهذه التوبة الجماعية قلّما يُرشَد إليها الناس ويُشجّعون عليها. فلا غرو أن تكون غائبة من أذهان الناس ومن على منابر من يخطب في الناس. يقول الله تعالى: [وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون] (النور:31).

وأكّد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في نفس الفقرة أن الجمع بين التوبة الفردية والتوبة الجماعية هو ما كان يميّز جيل الصحابة رضوان الله عليهم. فهم كما كانوا يتوبون عن الذنوب والمعاصي، يتوبون في نفس الوقت عن التخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى، وعن عدم النصرة لدين الله، وعن ترك الهجرة إلى الله ورسوله. ولكن بعد الانكسار التاريخي بانتقال الحكم من الخلافة إلى الملك أصبحت التوبة تتم فقط في بعدها الفردي بينما الجماعي أُدخل في عداد المسكوت عنه. لأن إثارة هذا النوع من التوبة وتذكير الناس بها حتى تكون لهم المقدمة الصحيحة لليقظة الكاملة لا يُعجِب الحاكم والمسؤول. وبهذا يكون من فقه التجديد إعادة الجمع بينهما. يقول رحمه الله تعالى مؤكدا على دور صحبة المنيبين في تثبيت التوبة على طريق السلوك: “توبة من شرك أو نفاق على خطى حكيم منيب سائر إلى الله مُحب لله محبوب ليست كتوبة من معصية خوفا من عقوبة الآخرة. أنْ تُحبّ عبدا لا تحبه إلا لله، وأن تتبعه وتتخذ قلبَه المنوّر قنطرة لقلبك، حركة لا تقف بك عند الدوران في العقد والنّكث، ما عاهدتَ اللهَ عليه بالأمس تنقضُه اليوم. حركة مع “من أناب” إلى الله تسير بك، تضع قدمك على أول الطريق”[2].

إن ما يدعو إليه الوعاظ والخطباء وينصحون به من توبة ورجوع إلى الله تعالى من على المنابر والشاشات مطلوب لكنه لا يرقى إلى أن يكون طريقا إلى اليقظة الروحية. لأنها دعوة ونصيحة لا تحملان ما يكفي من الإرادة التي تدفع بالمستمع إلى التحول الحقيقي. ولذلك حتى وإن لامس بعض كلامهم شغاف قلوب الناس، إلا أنه سرعان ما يختفي أثرُه، ويبقى الكلام في الأخير مجرد صيحة في واد.

طريق اليقظة الروحية توفيق من الله قبل كل شيء، لكنه سلوك تُقطع فيه المسافات وتُقتحم فيه العقبات، وتُرتقى فيه الدرجات، فإن لم تكن الصحبة الصالحة حاضرة في بداية الطريق وعلى طوله يصعب التنبؤ بحصول اليقظة الروحية الكاملة المطلوبة أو عدم حصولها.

مجالات اليقظة

ومما تجدر الإشارة إليه أن مفهوم اليقظة ارتبط بمجموعة من المجالات الحيوية. نذكر منها اليقظة الفكرية، اليقظة الأخلاقية، اليقظة السياسية، اليقظة الاجتماعية، وكل أنواع هذه اليقظة تشير إلى الانتباه المطلوب والواجب تُجاه المجال المرتبطة به. فمثلا إذا قلّبنا في صفحات كتب التاريخ نجد الحديث عن اليقظة الفكرية، وقد نُسب إليها مدارس وتلاميذ وطلبة، ساهمت بشكل من الأشكال في الإصلاح، لكنه لم يكن إصلاحا عميقا كما يجب، بل كان شكليا ينحصر في المظاهر غالبا، ولم يكن شاملا بل كان جزئيا يقتصر على الفكر فقط. ولم يكن أصيلا بل كان دخيلا يعتمد في أحد طرفيه على التجربة الغربية خصوصا.

وهذا النوع من اليقظة الفكرية كانت تجمع بين التيار الإصلاحي الذي تزعمه جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ورشيد رضا وعلال الفاسي وغيرهم رحمهم الله تعالى. وبين التيار العلماني الذي تزعمه قاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وغيرهما. هؤلاء وغيرهم زعموا إدخال إصلاحات على المجال الديني والسياسي والاجتماعي. لكنّ النتائج التي حصدتها الأمة من هذه الإصلاحات كانت عبئا عليها لافتقادها لأسباب القوة التي تتمثل في العمق والأصالة والشمولية.

أما اليقظة الروحية التي انتسبت إلى الصحوة الإسلامية فيما بعد، فهي كانت تمتلك كل أسباب القوة. وقد ساهمت بشكل كبير في إيقاظ الأمة وإحيائها، ربما البعض سيقول إن تلك اليقظة للأمة لم تدم طويلا لكثرة من يعاديها ويتربص بها، وربما البعض الآخر سيقول إنها لم تكن كاملة شاملة بالشكل المطلوب لكثرة التحديات التي تواجهها، لكنها في الأخير يقظة روحية مُهمة توارثتها الأجيال تلو الأجيال لتحافظ على الإرث المعنوي الروحي، إلى أن يبعث الله تعالى في كل فترة زمنية من يحمل المشعل من جديد ليقظة روحية جديدة ومتجددة لدين الأمة ولإيمان أفرادها.

ثم إن التاريخ يحكي دائما على أن اليقظة الروحية هي من تكون الأكثر أثرا في الأمة من اليقظة الفكرية، لأن الأولى تتوجه بالأخصّ إلى مركز الوحدة الإنسانية وهو القلب، بينما تتوجه اليقظة الفكرية بالتحديد إلى الآلة التابعة للقلب، وهي العقل. وبكلّ تأكيد اليقظة التي تتوجه إلى العقل لا تكون بمنأى عن الوقوع في الخطأ، لأنها تُقدّم العقل عن النقل، والرأي عن الوحي. فكان من أصحاب اليقظة الفكرية خاصة دعاة التحديث المغرّبين الذين أعطوا للعقل أكثر مما يستحق، فكان فيهم من يحمل أفكارا كانت تُعارض ثوابت الأمة في روحها. يقابل هذا الصنف الدعاة “السّلفيين” الذين ألغوا العقل والاجتهاد وأعطوا للحرفية النصّية أكثر مما تستحق. وبهذا الفهم الحَرفي للنصوص قدّموا عن الإسلام صورةً وجد فيها دعاةُ التغريب مادة دسمة فتحت لهم الشهية لنشر أفكارهم الغريبة وترويجها على أوسع نطاق.

اليقظة الروحية تؤمن بالفقه الجامع الذي يوازن بين الكل، ويجعل من الكتاب والسنة المرجع الذي يستند إليه، وعنه يصدر وإليه يرجع، والمركز الذي يدور عليه باب الاجتهاد الجماعي والتجديد الكلّي في تطور الحياة وما يفتح الله به على عباده من مستجدات ونوازل.


[1]ابن القيم الجوزية، مدارج السالكين ج1، ص 141 -140 .

[2]– ياسين عبد السلام، الإحسان، ص:122.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.