اليَقظةُ الرُّوحيةُ:التّحول الكاملُ من أجل حَياةِ المعْنى|| تجلّيات اليقظة الرّوحية ح12 ما قبل الأخيرة
عبد الصمد الخزروني
اليَقظةُ الرُّوحيةُ
التّحول الكاملُ من أجل حَياةِ المعْنى
تجلّيات اليقظة الرّوحية ح12 ما قبل الأخيرة
بقلم: عبد الصمد الخزروني
الأسرار والأنوار
نؤمن بأنه بداخل كل إنسان جعل الله تعالى أسرارا روحية كما جعل على ظاهره أسرارا بدنية، فاكتشف الإنسان ما على الظاهر من أسرار بدنية بفضل الرّياضة حتى صارت حركاتُه محطّ إعجاب كلّ الناس. فلو سعى هذا الإنسان بنفس الإرادة والهمّ لاكتشف ما بداخله من أسرار روحية عن طريق التّربية والسلوك، ولتجلّى له وللناس من الأنوار التي أخفاها الله فيه العجب العجاب. ففي كل يوم تُظهر الروحُ لصاحبها الأسرار، لا يدركها إلا من كان له اهتمام بروحه آناء الليل وأطراف النهار. والذين نقرأ عن أسرارهم المتجلية في أنوار المحبة والجمال والأخلاق والمعرفة والذوق والسلام، كلهم كانت لهم مع التربية الروحية صولات وجولات، وجلسات وخلوات، ومجاهدات ووقفات.
والباحث في سيرة الصحابة الكرام رضي الله عنهم سيدرك بوضوح معاني هذه التجلّيات النورانية. فهم النماذج الرائعة والخالدة في اليقظة الروحية وتحقيقهم لمقام الإحسان، وفي التحول العميق من الجاهلية للإسلام، وفي السلوك الكامل بالجمع بين السلوك الفردي والجماعي، الروحي والجهادي. ذلك أن التربية النبوية العظيمة التي تعرّضوا لها هي من أهّلتهم ليكونوا كذلك، ففتحوا قلوب العباد وخضعت لحكمهم كل الممالك والبلاد.
وفي حديثنا عن اليقظة الروحية وعن اقتفاء الأثر، وحتى نكون نماذج زماننا لا محيد لنا عن التعرّض لما تعرضوا له رضي الله عنهم من تلك التربية النبوية المنهاجية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا حارثة رضي الله عنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمنا حقّاً، قال: “يا حارثة، إن لكل حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟”. قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى ربي عز وجل على عرشه بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعّمون، وأهلِ النار في النار يُعذّبون. فقال له:” عرفتَ فالزم”. وفي رواية:(” أبصرتَ فالزم”، وفي أخرى “أصبتَ فالزم”)، ثمّ قال: من أحبّ أن ينظر إلى عبد قد نوّر الإيمان في قلبه فلينظر إلى حارثة“[1]. هذا الحديث يُبرز لنا كيف ارتقى وتحوّل سيدنا حارثة رضي الله عنه من مستوى التخلّي عن الدنيا وما فيها بالالتزام بمعاني الإسلام، إلى مستوى التحلّي بفضائل الإيمان، إلى مستوى التجلّي بظهور أنوار الإحسان.
الفنّ والعِلم
لليقظة الروحية تجليات فنية تعبّر عن التحول الكامل من أجل حياة المعنى، نقف عند بعضها بشيء من الحديث المقتضب، وإلا فهي معان وإشارات أكثر مما هي كلمات وعبارات، هي مشاعر وجدانية أكثر مما هي أحاسيس مادية، هي لمسات فنية أكثر مما هي اكتشافات علمية، في الأخير هي أسرار داخلية تجلّت في أنوار خارجية.
تحت فقرة بعنوان “الفنُّ والعلمُ” من كتاب ” الإسلام والغرب” لمؤلفه علي عزّت بيجوفيتش رحمه الله، يتحدث فيها عن العلم والفن وما يميّز بعضهما عن الآخر. يقول: “العلم يسعى إلى اكتشاف القوانين واستخدامها، أما العمل الفني فإنه يعكس النظام الكوني دون أن يستفسر عنه”[2]. نرى لابد من بعض التفصيل والشرح لهذه العبارة حتى تُفهمَ من طرف الجميع. فالفن والعلم عند الكاتب علي عزت رحمه الله مفهومان لا يمكن إرجاعهما إلى أصل مشترك، فالفن ينتمي إلى العالم الإنساني، أما العلم فينتمي إلى العالم المادي. في الفن لمسة شخصية، وفي العلم لمسة طبيعية.
الفنّ معرفة الإنسان بالنظر في باطنه وفي زواياه الخفية وأسراره الباطنية، قضيته الجوهرية: المصيرُ الإنساني، وغربتُه في هذا الكون، وموتُه، واقتحامُه لهذه العقبات التي تحول دون تحقيقه ليقظته الروحية. بينما العلم معرفةُ الطبيعة بوسائل التّفكير والتحليل والملاحظة وإجراء التجارب في عالم المادة. ولما كان الفنُّ هو الإبداع في صناعة الإنسان فهذا العمل لا يقوم به إلا شخصية الفنّان المبدع، لأنه عمل كامل لا يتجزأ. لكن العلم لما كان ملائما للتحليل والتقسيم والتفصيل فهو عمل يقوم به الفريق، لأنه عمل يتكون من أجزاء.
حتى يتضح الفرق بين المفهومين الفن والعلم أكثر يحاول الكاتب أن يذكر إلى جانب ما سبق لكل مفهومٍ خصائصَه التي تجعله ينتمي إلى عالم مستقل عن الآخر. فمن خصائص الفن: الروحانية والصدق والبحث عن الحقائق الصادقة والإبداع في إنشاء الجديد. ومن خصائص العلم: المادية والدقّة والصحة في البحث وتحليل الأشياء واكتشاف كل ما هو موجود.
وفي سياق توضيحه أيضا للاختلاف الجوهري الموجود بين الفن والعلم يورد نماذج من الفنانين والعلماء عرفهم التاريخ، فعلى سبيل المثال: شكسبير يمثل الفن ونيوتن يمثل العلم، ودوستويفسكي يمثل الفن واينشتاين يمثل العلم.
نستخلص من كلام الرجل رحمه الله أن الفنّ له ارتباط وثيق بالدين، وبالتالي باليقظة الروحية أيضا في بُعد التجلّي. فهما يشكلان وحدة متكاملة على ضوئها فقط يمكن الإجابة عن لغز الوجود ومعناه، عن وجود الإنسان والكون والحياة. فالحب، والجمال، والشكر، والتفكر، والإبداع، والانسجام، كلها تجليات فنية لليقظة الروحية.
تجلّيات اليقظة
إن لليقظة الروحية في نهاية هذه التجربة الشخصية الرائعة تجليات كثيرة، تعبّر عن الحالة الروحية العالية التي يعيشها صاحبها. ويمكن أن نذكر من هذه التجليات على سبيل العدّ لا الحصر ما يلي:
تجلّي الحب والجمال: فصاحب اليقظة يعيش حالة من الحب الغير المشروط، فهو يحب الجميع. لأن هذا الحب من صميم دينه ومن أصول إيمانه. وله إحساس عال بالجمال في كل شيء سواء كان معنويا أو ماديا. لأنه يعرف أن من تمام الكمال إدراك الجمال.
تجلي الإبداع والفن: صاحب اليقظة بسبب روحانيته العالية يقدم على الإبداع في أقواله فلا ينطق إلا بالحكمة، وفي أعماله فلا ينجزها إلا بإتقان كبير. وقد يتفنن في أمور تدهشك، مثل الرسم، الرياضة، الشعر، الموسيقى، النظام، الهدوء، التوازن.
تجلي التفكر والشكر: صاحب اليقظة يحب التفكر والتأمل في الأمور والعواقب لأنها تلهمه في حياته، ويكثر من شكر الله تعالى في كل لحظة على نعمه الظاهرة والباطنة، ويعبر عن ذلك باللسان والقلب والجوارح.
تجلي الانسجام والتناغم: صاحب اليقظة يعيش الانسجام مع الكون لأنه جزء منه، ويشكل بتناغمه مع الأجزاء الأخرى أغنية جميلة يردّد الكونُ صداها بالتسبيح لا يسمعها إلا أصحاب القلوب المُسبِّحة معه لله تعالى.
تجلي المرونة والتسامح: صاحب اليقظة كل أمور حياته مرنة، يوافق القدر فيوافقه القدر. شعاره: “دعها فإنها مأمورة”، فهو مُلهَم، لا يترك الأمور تحدث أمامه من غير أن يتأملها ويعتبر منها. وهو أيضا مُتسامح لأن التسامح هو الاختيار النهائي بالنسبة للشخص الذي يريد ويستطيع أن يعيش حياة المعنى.
قصة وعبرة
كان رسام يرسم لوحة فنية فيها الطبيعة وبين ثنايا الطبيعة رسم فتاة جميلة. فبينما هو كذلك إذ خرجت الفتاة من اللوحة وراحت تمشي وهي تشاهد المناظر الطبيعة التي حوله. فقال لها: أيتها الفتاة لمَ خرجت من اللوحة؟ فأجابته: لأرى العالم الحقيقي. فقال لها: من رسمكِ أليس هو الفنان؟ فقالت له: ومن أبدع في رسم الفنان؟ فأدرك الرسام أن ما يبدعه على اللوحة من رسوم ما هو إلا تجلّ ليقظة داخلية نابعة من الإحساس بالإبداع الإلهي الذي رسمه هو قبل أن يرسم اللّوحة.
[1]– رواه الإمام ابن حبان رحمه الله، وقيل الحديث في سنده ضعف.
[2] – الإسلام بين الشرق والغرب، ص:141.