التربية وأثرها في توجيه الإنسان
بقلم: محمد ياسر منصور
كاتب وباحث سوري
التربية عمل اجتماعي يرمي إلى توجيه الفرد والجماعة وإرشادهم. وهي كفالة مادية ومعنوية للأطفال واليافعين على أن يشتد عودهم، وتهذب طباعهم، وتنمي مواهبهم، وإلى أن يصبحوا صالحين للسير في طريق الحياة، وخدمة الوطن، والمساهمة في بنائه، والحفاظ على استقلاله.. وذلك من وراء أسرة صالحة، وبيت معمور بالمثل الصالح.
والتربية الناجحة هي التي تؤهل الفرد إلى مجابهة مشاكل الحياة برباطة جأش، وإيمان بالتغلب عليها، من وراء فهم تلك المشاكل فهماً صحيحاً ، وحَلّ عُقَدِها بصبر وأَناة، إلى أن تستجيب للحلول المعقولة، والسير بالممكنات سيراً حكيماً ينسجم مع المصلحة العامة، ولا يتنافى مع مصلحة الفرد، إلاَّ في حالات الطوارئ كالحروب، والويلات والمصائب العامة…
في مثل هذه الحالات، تتنازل الأفراد والجماعات عن المنافع الفردية ، لتصرف هَمّها في تحقيق المصلحة العامة التي فيها سلامة الجميع واستمرار حفظ كَيان المجتمع.
لذلك كان غَرَض التربية الإنساني، توحيد الأهداف والمفاهيم ورَسم خطَّة شاملة يسير عليها الجميع بقناعة وإيمان ، لا بالضغط والإكراه . فالتربية المتسلِّطة التي تُبنى دعائمها على فَرض إرادة معيَّنة تخلق جيلاً مكتوماً يسير بجسمه في الصفوف ، وتتطلع روحه لى آفاق أوسع تستجيب فيها الظروف إلى تحقيق الأهداف الصحيحة والغايات النبيلة، وبهذا تتميَّز التربية الموجَّهة الذاتية من التربية المتسلِّطة التي تَقسر الفرد والمجتمع على خطط مرسومة تستهدف غاياتها بوسائل العنف والإكراه. بينما التربية الذاتية تُوصِل المجتمع إلى أهدافه السامية عن طريق القناعة ، حيث يُؤمن كل فرد من أفراده ، بأنه واصل بعد مدة من الزمن، إلى شروط حياتية أحسن يتمتع فيها بِبَحبوحة ورَغَد، وعزَّة وكرامة، ويتفاهم مع من حوله من أقارب وأصدقاء، ومواطنين بأبسط وسائل التفاهم وأيسرها.
ولا شك في أن المؤسستين الرئيسيتين ، اللتين تعنيان بالتربية هما البيت والمدرسة. ففي البيت يُخلَق الطفل، وتتعهده والدته بعطفها وحنانها ورعايتها، فتؤمِّن له الغذاء والكساء وتسهر على صحته لكي ينمو ويترعرع تحت رايتها إلى أن يدبّ على الأرض، ثم يدرج ويستقيم ويصبح طفلاً. وما أن يبلغ السادسة من عمره إلاَّ وتُسلِّمه أمه إلى المدرسة لِتُتمِم ما بَدَأت به الأم، ورحم الله من قال:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَّهـا أعددتَّ شعباً طيِّبَ الأَعراقِ
الأمُّ أستاذُ الأساتذة الأُولى بَلَغتْ مَآثرهُم مَدى الآفـاقِ
إذن فنقطة انطلاق التربية تُعيِّنها الأم؛ وترسم أول فرع من منحنى هذا الخط الطويل الأمد. فإذا أَحسنَت التوجيه، وغَذَّت وليدها بمبادئ التربية الصحيحة، ونَحَت شعوره نحو الخير، شَرِبَ الوَليد لَبَنَيْن وتَغذَّى بِغذائَيْن أَحدهم لجسمه والآخر لنفسه.
تدفع الأم وليدها إلى المدرسة، في السِّن السادسة كما ذكرت، وتراقب ذَهابه إليها وعودته منها بقلق واهتمام زائدين، كأن جزءاً من قلبها يطير ويعود صباح مساء، وتشرع المدرسة بحياكة الثوب التربوي الذي سَتُسبِلَهُ على الجسم المَوكول إليها. فتتولى تهذيبه بتلقينه المبادئ الإنسانية والألفة والتعاون، وتثقيفه بالمعارف ، وهدايته بتفتيق مداركه الروحية وتوجيها نحو عالم علوي يهدهد الآمال الجميلة، ويندِّد بالأهداف الضارة؛ وتُعاِون الأم المثقَّفة وَلدها على اقتحام الصعوبات في دراسته، وتشجِّعه على الاجتهاد، وتسهر معه لتخفِّف عنه وَطأة الدَّرْس، وتفتح له مَغالِق الصعوبات التي تعترض سبيله.
ويظل الطفل في هذه المرحلة من الحياة متنقِّلاً بين المدرسة والأم في وسط مثالي بعيد عن واقع الحياة، يجد فيها أسمى التفكير الإنساني، ويطَّلع على أحسن إنتاج المعرفة، ويُوجَّه نحو أرفع المبادئ وأَصلَحها.
وهنا يتساءل المرء، هل نجحت الأم والمدرسة في تَوجيه مَن تَكَفَّلَتا ، وهل تَمكَّنَتا من إعدادهم ليكونوا مواطنين صالحين؟.
يظهر ، لأوَّل وَهلة ، أن الجواب إيجابي . وأن كلاًّ من الأم والمدرسة قامتا بواجبهما نحو الفرد والمجتمع. ولكن الحقيقة غير ذلك ، فالجهود المبذولة في سبيل التربية شيء، والنتائج التي تَجنبها منها شيء آخر. لأن هذه الجهود المبذولة في كِلتا المؤسستين قد تذهب سُدى خصوصاً إذا كان الطفل الذي كان موضوع هذه الجهود ليس لديه من المواهب ما يؤهِّله لأن يستجيب لها.
إن وظيفة التربية الأساسية هي صقل وتهذيب ، وهداية وإرشاد، وتفتيق المواهب الفطرية الكامنة في نفس الطفل، فهل تستطيع الوسائل الحاضرة تحقيق هذه الغايات؟.
وإذا تحقَّقت كلياً أو نسبياً في النواحي العلمية، فهل تتحقق في النواحي الخُلُقية والنفسية؟. إن المواهب الفطرية مِنحَة تَهِبُها الطبيعة لكل فرد من أفراد المجتمع الإنساني. وهذه المنحة لم يتأمَّن فيها مفهوم العدالة ، حتى بين الأخوة الذين يعيشون تحت سقف واحد.
ومَرَدّ ذلك يعود إلى أبعد من الوسائل المادية التي يؤمِّنها الوالدان لأولادهم على السواء. بل قد يعود إلى ما قبل ميلاد الطفل وفتح عينيه للنُّور.
لقد ذهب بعض العلماء إلى أن مواهب الإنسان الفطرية وخصائصه الجسدية موروثة تتصل بأبعد أُصوله. وقد أَخذَ بهذا المبدأ كثير من الأطباء والمربِّين وأَيَّدوه. إلاَّ أن الواقع يتناقض مع هذه النظريات، فالأخوة الذين خُلقوا من نفس الوالدين لا يتساوون خُلُقاً وخَلْقاً، وقوَّةً وضعفاً. جَمالاً وقُبحاً ، ذَكاءً وبَلادة، نشاطاً وخُمولاً ، بل يختلفون في كل هذا اختلافاً كليَّاً . وهنا يقف المُربِّي حائراً أمام التباين العظيم الذي يميز الأخوة بعضهم عن بعض، ويُباعد بين مَواهبهم ومؤهَّلاتهم.
فهذا أَخ جدِّي رَزين، أَريب لَبيب، تتفتح أمامه مغالق المُدركات وصَعب المشكلات، ويسير في طريق المعرفة قدماً يقطع مراحلها بنشاط وإقدام، ويتخطَّى عقباتها بِفَوز باهر ونجاح تام.
وذلك أَ خ سخيف بَليد، خَمُول كَسُول، يقف في كل منعطف مَنهوك القوى، طائر اللُّبّ . لا يثبت على عمل، ولا يهتدي إلى النور إلاَّ بالحثّ والإكراه. وبعد عَثرات متكررة . وفَشل يتلوه فَشل. وقد يترك المدرسة يائساً منها راغباً عنها. ويدخل مدرسة الحياة خالي الوِفاض، فارغ الجُعبة من كل ما قرَّرته مبادئ التربية من زاد ، لِلفَوز في ميادين الحياة الشاسعة.
وذلك أَخ ضاحك ساخر، يبتسم للحياة مهما تجهَّمت في وجهه، فلا يأبه لها، ولا يهتم بتهديدها ووعيدها، يعبث بالنُّظُم والقوانين الموضوعة ، ويستمدّ سلوكه من أنانيته وجشعه، فَيُحرِّم الحلال ويُحلِّل الحرام، ويخلق لنفسه بنفسه تشريعاً يرضى عنه، ويسير عليه وِفقَ هواه، وطَوع رغباته الجامحة وميوله المُفرطة.
وأَغرب من هذا كله أن هؤلاء الأخوة الثلاثة عاشوا في منزل واحد، رضعوا من ثدي واحد ، وتغذُّوا من طعام واحد، وتلقُّوا توجيهاً موحَّداً ودَرسوا في مدرسة واحدة. ورافقوا أتراباً متشابهين في انسجامهم أو اختلافهم. ثم ولىَّ كلٌّ منهم وُجهةً ارتضاها لنفسه ورَسمها لِخَطوه ، واتَّبعها في سَيره.
فماذا كان عمل التربية الموحَّدة، حتى أدَّت إلى هذه النتائج المتنافرة؟. إنني أعتقد جازماً ويوافقني الكثيرون على اعتقادي هذا، بأن التربية فشلت فشلاً ذريعاً في عملها، إذا كان ما تهدف إليه ، صنع مواطنين متساوين في الثقافة والمؤهلات والخدمات العامة. فالنماذج الثلاثة التي قَدَّمُتها لا يمكن أن تكون وليدة عمل التربيةوحدها. بل قد تتنصَّل التربية من تَبِعَات هذا الإنتاج المتفاوت الذي صدر عن معاملها. أفلا ينبغي إذن, أن نبحث عن الأسباب البعيدة التي سَبَقَت التربية وشَلَّت عملها، وكذَّبت مقدِّماتها وأَفسدت نتائجها؟.
إن رأيي الشخصي في هذه المشكلة العويصة ، قد يبدو غريباً لأول وهلة، فهو يرجع إلى ما قبل ميلاد الطفل الذي كان ثمرة الحب المتبادل بين الزوجين. إن هذا الحب يختلف قوَّةً وضعفاً بحسب العواطف المتبادلة بينهما، وبحسب الظروف التي أَلَّفَت بين قلبيهما ليشتركا في إيجاد مخلوق جديد من نَسلِهما.
فَلِكَي تكون ثمرة هذا الحب ناضجة تتوفر فيها أسباب الحياة الكاملة وتُؤتي أُكُلها الطيِّب في كل حين، يجب أن يكون الزوجان متمتعين بأسباب الصحة البدنية، وبنفس لا تشوبها شوائب الإزعاج أو الكَدَر.
فإذا كانت العوامل النفسية التي شُحنَ بها الزوجان قبل اتحادهما إيجابية كان الوَليد، على ما أعتقد ، موفَّقاً في خَلْقه وخُلُقه، وإذا كانت على عكس ذلك لا نستغرب إذا جاء الوَليد مُشوَّهاً أو ناقصاً أو مَعتوهاً.
فالتربية تتعهَّد الطفل لتنمِّي مواهبه، ومَلَكاته العقلية وتصقلها وتجلو ما جَلَّلها من صَدأ ، وليس في مقدورها أن تَهِبَ هذه المَواهب أو تخلق هذه المَلَكات. فالطفل معدوم المحاكمة لا تستطيع التربية أن تولدها فيه. والطفل الغَني المَواهب تستطيع التربية أن تُنظِّم محاكمته وتُوجِّهها وتدفعها في الطريق السَّوي. بالوسائل المقرَّرة والأساليب التجريبية الناجحة. والطفل الغني الشعور تستطيع أن تخلق منه شاعراً أو أديباً ، وليس في مقدور التربية أن تصنع من متحجِّر الشعور شيئاً من هذا القَبيل.
وخلاصة القَول أن التربية تستقي من مَعينها الأوَّل الذي يتفجَّر من رباط الوالدين والشُّعور الذي جَمَعَ بينهما وأَلَّفَ بين قلبيهما. فَوَليد الحب غير وَليد الحاجة الغريزية، ووَليد الصحَّة غير وَليد الضَّعف ووَليد الرَّخاء غير وَليد الضِّيق والحُرمان.
ولكن هل في مَقدور أية جمعية من جمعيات البَشَر أن توفر للزوجين شروطاً متساوية من العاطفة، والصحة، واليُسر لتحصل على نَسلْ متساو في البنية والمواهب؟. إن هذا لم يتم إلى الآن، ولا أقول لن يتم، حتى في أرقى الأمم وأغناها؛ ولا في تلك التي توفَّرت عندها شروط العدالة الاجتماعية في أبعد حدودها؛ولا في الأمم التي كَفِلَت تربية المَواليد في مؤسساتها الحكومية لتمنحهم حقوقاً متساوية من التعهُّد والمَلاحظة والعناية.
ولكن هل معنى ذلك أن التربية أَفلَسَتْ، وأنه ليس في مقدورها أن تضع شيئاً لتحسين إنتاجها وتنمية عدد المتفوقين مِمَّن تتولى أَمرهم وتعمل على توجيههم وإرشادهم؟.هنا يأتي الجواب حتماً بِالنَّفي. فالعالَم الإنساني يسير في مراحله التقدمية إلى الأمام. وقد قَطعَ بِالفعل ، في هذه الميادين أشواطاً بعيدة نَقَلَت الإنسان على توالي الأجيال من حالته الابتدائية،ومن عِيَشةٍ هي أقرب إلى عيشة الحيوان، إلى حالة نَراها ونَحياها. فالمواهب الإنسانية التي استطاعت أن تبني المدن والأمصار، وتقطع الفَيافي وتمخر البحار وتركب مَتن الريح وتُسابق الصوت في سرعته، والنور في إشراقه؛ وتنقل على موجات الأثير ألحان الموسيقى وآراء الحكماء ؛ وتَصِل الراحل بالمقيم، والبعيد بالقريب، هي وَليدة التربية وفِعل التربية. وليس من الإنصاف الجحود بفضل التربية، فتلك سنَّةٌ سَنَّها الله لعباده عن طريق الأديان.والأنبياء هم الأساتذة الأول في التربية والهداية والإرشاد، ثم تَلاهم الحكماء والعلماء والبلغاء والمفكرون، وتابَعوا خُطاهم في التعليم والتوجيه والإرشاد حتى بَلَغَ البشر ما بلغوه من معالم الحضارة والمدنية، وسخَّروا القوى الطبيعية لخدمة بَني الإنسان .
ولكن ليس البحث هنا في فَضل التربية، وفيما تُسديه لبني الإنسان من إحسان، فهذا أمر لا يختلف فيه إثنان. ولكن البَحث فيما إذا كانت التربية تستطيع أن تمنح خطوطاً متساوية لجميع الناس. وإمكانيات متكافئة وبالتالي شروطاً حياتية موحدة، وتمحو آثار الأرستقراطية الفكرية والعلمية لتنزع الغِلّ والبغضاء من نفوس الناس بعضهم من بعض، وتُخفِّف من غَلواء المتخلِّفين على المتقدمين، ومن المُتعَبين على المرتاحين، وتَنزع أطماع الأقوياء بحقوق الضعفاء، وتَحول دون تَعَدِّي المتسلِّطين على العزَّل والمستضعَفين.
المراجع المعتمدة :
1 – الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي – مصطفى القاضي وآخرون – دار المريخ (1981) م .
2 – أضواء على التربية في الإسلام – علي القاضي – دار النصار – القاهرة (1979) .
3 – مدخل إلى الإرشاد التربوي والنفسي – دار إيلاف هل – انكلترا (1993) م.
4 – القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر – عبد المجيد ابن مسعود – سلسلة كتاب الأمة – العدد (67) الدوحة ، يناير (1999) م
5 – الأهداف التربوية تصنيفها وتحديدها السلوكي – علم الدين عبد الرحمن الخطيب – مكتبة الفلاح – الكويت ، (1998) م .