منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منطق التحول في القرآن الكريم: كيف يصنع القرآن التغيير في الإنسان؟

عيد محمد عبد الغني

0

منطق التحول في القرآن الكريم:

كيف يصنع القرآن التغيير في الإنسان؟

بقلم: عيد محمد عبد الغني

يمثل التغيير في الإنسان أحد المحاور المركزية في الخطاب القرآني؛ فالقرآن لا يتوجه إلى الإنسان بوصفه وعاءً للمعلومات، وإنما يخاطبه باعتباره كيانًا متكاملًا تتفاعل فيه المعرفة والتصور والوجدان والإرادة والسلوك، وينعكس ذلك كله على علاقته بنفسه ومجتمعه وواقعه.

ومن ثم فإن أثر القرآن لا ينبغي أن يُفهم في حدود ما يقدمه من معارف أو أحكام، وإنما في ضوء قدرته على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، وإعادة ترتيب منظومته الفكرية والقيمية، ثم تحويل ذلك البناء الداخلي إلى ممارسة وفاعلية وإصلاح.

ويقصد بـ «منطق التحول» في هذا المقال: النسق الذي تنتظم فيه مستويات الخطاب القرآني وآلياته في نقل الإنسان من حالة إلى أخرى، بحيث ينتقل أثر الخطاب من الوعي إلى التصور، ومن التصور إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الإرادة، ومن الإرادة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الفاعلية. ولا يراد بهذا الترتيب إثبات مراحل خطية جامدة؛ إذ تتداخل هذه المستويات وتتفاعل، وقد يبدأ التحول من أحدها ثم يستدعي بقية المستويات.

وبناءً على ذلك، يمكن دراسة منطق التحول القرآني من خلال ستة مستويات متكاملة في بناء الإنسان: بناء الوعي، وبناء التصور، وبناء الوجدان، وبناء الإرادة، وبناء السلوك، وبناء الفاعلية.

أولًا: بناء الوعي وإخراج الإنسان من الغفلة

  • النموذج القرآني

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

تكشف الآية عن أن الخطاب القرآني يبدأ بإحداث حالة من الانتباه لدى الإنسان؛ فالقرآن لا يفترض أن مجرد سماع الخطاب أو قراءته يؤدي بالضرورة إلى الانتفاع به، وإنما يدعو إلى التدبر بوصفه فعلًا معرفيًا يتجاوز استقبال الألفاظ إلى فحص المعاني واستحضار دلالاتها.

ويتكرر هذا الاستدعاء في مواضع كثيرة من القرآن، من خلال ألفاظ العقل والتفكر والتدبر والاعتبار والنظر. قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

وهذا يكشف عن وظيفة منهجية للخطاب القرآني تتمثل في تحرير الوعي من حالة التلقي السلبي، ودفع الإنسان إلى ممارسة النظر في نفسه وواقعه ومصيره. فالتحول لا يبدأ بمجرد إضافة معرفة جديدة، وإنما يبدأ حين يصبح الإنسان قادرًا على مراجعة ما اعتاده من أفكار ومواقف، وإدراك ما يحيط به من دلالات.

ومن هنا يمثل بناء الوعي المستوى الأول في حركة التحول؛ لأنه يهيئ الإنسان للانتقال من مجرد إدراك الوقائع إلى إعادة النظر في التصورات التي تحكم تعامله معها.

ثانيًا: بناء التصور وإعادة تشكيل الرؤية

  • النموذج القرآني

قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79].

إذا كان بناء الوعي يوقظ الإنسان إلى ضرورة النظر والمراجعة، فإن بناء التصور يتجه إلى إعادة تشكيل الرؤية التي يفسر الإنسان من خلالها وجوده والعالم من حوله.

والقرآن لا يعالج السلوك منفصلًا عن التصورات التي تقف وراءه؛ لأن طريقة الإنسان في التعامل مع الأشياء ترتبط بما يعتقده عن حقيقتها وقيمتها وموقعها في منظومة الوجود.

ولهذا يعيد القرآن بناء تصور الإنسان عن الله والكون والحياة والإنسان والقيم والمصير. فهو ينقل مركز التعلق من المخلوق إلى الخالق، ويعيد تحديد مفهوم القوة والقيمة والنجاح، ويجعل التقوى معيارًا للتفاضل، والعبودية غايةً حاكمة لحركة الإنسان.

قال تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وهكذا ينتقل الإنسان من الوعي بضرورة التغيير إلى امتلاك رؤية جديدة تمكنه من تفسير ذاته وواقعه تفسيرًا مختلفًا. ولذلك فإن بناء التصور يمثل مرحلة جوهرية في منطق التحول؛ إذ لا يمكن أن يستقيم السلوك بصورة مستقرة إذا بقيت المرجعيات التي تنتجه على حالها.

ثالثًا: بناء الوجدان وترسيخ المعنى

  • النموذج القرآني

قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50].

لا يكتمل أثر التصور بمجرد استقراره في الذهن؛ إذ يحتاج المعنى إلى أن ينتقل من دائرة الإدراك إلى دائرة الوجدان حتى يصبح قادرًا على التأثير في الاختيار والسلوك.

ويكشف النموذج القرآني عن بناء وجداني متوازن يجمع بين الرجاء والخوف، ويصل المعرفة بالخشية، والتذكر بالإنابة، واستحضار النعمة بالشكر، واستحضار المسؤولية بالعمل.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.

وتظهر هنا إحدى الخصائص المنهجية المهمة في الخطاب القرآني، وهي أنه لا يفصل بين العقل والقلب، ولا يجعل المعرفة غاية مستقلة، وإنما يسعى إلى تحويل المعرفة إلى معنى وجداني يغير علاقة الإنسان بما عرفه.

ومن ثم فإن بناء الوجدان يمثل المستوى الذي تتحول فيه الحقيقة من معلومة يدركها الإنسان إلى قيمة يشعر بمقتضاها، فيصبح أكثر استعدادًا لتحويلها إلى اختيار إرادي.

رابعًا: بناء الإرادة وتحويل المعنى إلى التزام

  • النموذج القرآني

قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8].

يكشف الخطاب هنا عن الانتقال من حضور القيمة في الوعي والوجدان إلى تحويلها إلى التزام إرادي. فالقرآن لا يكتفي ببيان قيمة العدل، وإنما يستدعي المؤمن إلى القيام به وتحمل تبعاته.

وهذه النقلة تمثل عنصرًا حاسمًا في عملية التحول؛ لأن الإنسان قد يعرف الحق ويقتنع به ويتأثر به، ثم لا يملك القدرة على الالتزام بمقتضاه. ولذلك يتجه الخطاب القرآني إلى بناء الإرادة من خلال الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والتكليف وتحمل المسؤولية.

ويظهر في هذا المستوى اهتمام القرآن بمقاومة الهوى، والصبر، والثبات، والمبادرة، وتحمل المشقة في سبيل المبدأ.

فالغاية ليست أن يمتلك الإنسان قناعة صحيحة فحسب، وإنما أن تتحول هذه القناعة إلى قرار واختيار والتزام. ومن هنا تمثل الإرادة حلقة الوصل بين البناء الداخلي للإنسان وبين ظهوره في ميدان العمل.

خامسًا: بناء السلوك وتجسيد القيم في الواقع

  • النموذج القرآني

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 277].

يبرز اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن بوصفه نموذجًا واضحًا لانتقال المعنى من المجال الداخلي إلى المجال العملي.

فالقيمة التي استقرت في التصور والوجدان، واتخذت الإرادة قرارًا بالالتزام بها، ينبغي أن تجد صورتها في السلوك. ولهذا لا يعزل القرآن العبادة عن الأخلاق، ولا الاعتقاد عن المعاملة، ولا صلاح الفرد عن مسؤوليته الاجتماعية.

فالعبادات تعيد تنظيم علاقة الإنسان بربه، والأخلاق تضبط علاقته بالآخرين، والأحكام تنظم معاملاته، والتكاليف الاجتماعية توسع دائرة المسؤولية من الذات إلى الجماعة.

وبذلك يصبح السلوك في المنهج القرآني تجسيدًا للبناء الداخلي، وليس مجرد استجابة خارجية لأوامر منفصلة عن تكوين الإنسان.

وهنا يظهر معيار مهم في فهم التحول القرآني؛ فنجاح عملية البناء لا يقاس فقط بما يحدث في الفكر أو الوجدان، وإنما بما يتركه ذلك من أثر قابل للملاحظة في السلوك والممارسة.

سادسًا: بناء الفاعلية والانتقال إلى الإصلاح

  • النموذج القرآني

قال تعالى في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28].

يمثل مؤمن آل فرعون نموذجًا للانتقال من البناء الفردي إلى الفاعلية في المجال العام؛ فالإيمان الذي استقر في داخله لم يبقَ تجربة شخصية معزولة، وإنما أنتج موقفًا تجاه واقع يراه محتاجًا إلى الإصلاح.

ويكشف هذا النموذج أن التحول القرآني لا يستهدف صناعة فرد صالح بمعزل عن محيطه، وإنما يسعى إلى بناء إنسان قادر على تحمل المسؤولية والمبادرة والمساهمة في إصلاح الواقع.

ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

كما تقدم قصة يوسف عليه السلام نموذجًا آخر للفاعلية؛ فقد انتقل أثر البناء الإيماني الذي ظهر في صبره وعفته وثباته إلى تحمل المسؤولية وإدارة الأزمة والمساهمة في حفظ المجتمع من آثار المجاعة.

ومن هنا يمثل بناء الفاعلية الامتداد الطبيعي لبقية مستويات البناء؛ إذ يتحول الإنسان من متلقٍ للخطاب إلى حامل لأثره، ومن مصلح لذاته إلى مساهم في إصلاح محيطه.

منطق التحول في البناء القرآني للإنسان

يكشف تتبع هذه المستويات عن أن القرآن لا يتعامل مع التغيير بوصفه تعديلًا منفصلًا في سلوك الإنسان، وإنما باعتباره عملية بناء متكاملة تبدأ من الداخل وتمتد إلى الخارج.

فبناء الوعي يحرر الإنسان من الغفلة، وبناء التصور يعيد تشكيل رؤيته، وبناء الوجدان يمنح المعنى حضوره النفسي، وبناء الإرادة يحول المعنى إلى التزام، وبناء السلوك يجسد الالتزام في الواقع، ثم يأتي بناء الفاعلية ليجعل أثر الإنسان متجاوزًا لذاته.

وهذه المستويات ليست مراحل ميكانيكية متتابعة؛ فالقرآن قد يجمع بينها في خطاب واحد، وقد يبدأ التحول من مستوى وجداني أو سلوكي ثم يعيد الإنسان إلى مراجعة تصوره ووعيه. ولذلك فالأدق فهمها بوصفها دوائر متفاعلة داخل عملية بناء واحدة.

وتتجلى أهمية هذا البناء في أن القرآن لا يعالج مظاهر الخلل بمعزل عن أصولها، وإنما يتجه إلى إعادة بناء الإنسان الذي ينتج السلوك والموقف. ومن ثم فإن التغيير في السلوك لا ينفصل عن التغيير في الرؤية، والتغيير في الرؤية لا ينفصل عن التغيير في الوجدان والإرادة.

ويأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] في سياق يؤكد مركزية ما في النفس في حركة التغيير، من غير اختزال للتغيير الاجتماعي في العامل الفردي وحده.

وبذلك يظهر منطق التحول في القرآن بوصفه انتقالًا متكاملًا من بناء الإنسان إلى تفعيل أثره؛ فالقرآن لا يكتفي بتغيير ما يعرفه الإنسان، وإنما يعيد تشكيل ما يراه، وما يشعر به، وما يريده، وما يفعله، وما يسهم به في محيطه.

خاتمة

يكشف النظر في مسار الخطاب القرآني أن التغيير الذي يصنعه القرآن في الإنسان لا ينحصر في نقل المعرفة، ولا يقف عند حدود توجيه السلوك، وإنما يقوم على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بحيث تتغير نظرته إلى نفسه، وإلى العالم، وإلى غايته في الحياة، ثم تنعكس هذه التحولات على إرادته وممارسته وعلاقته بالآخرين.

ومن هنا تتكامل دوائر التحول القرآني؛ إذ يبدأ بإثارة الوعي، ثم بإعادة بناء التصور، وتعميق المعنى في الوجدان، وتكوين الإرادة، وترجمتها إلى عمل، ثم تجاوز أثر الفرد إلى مجال الإصلاح والشهادة على الناس. وهذه الدوائر لا تعمل في صورة مراحل جامدة أو متعاقبة بالضرورة، وإنما تتفاعل داخل البناء القرآني لتكوين شخصية قادرة على الاستجابة للحق وتحويله إلى واقع.

وتبرز خصوصية المنهج القرآني في أنه لا يعالج مظاهر الانحراف بمعزل عن جذورها، بل يتجه إلى منابعها في التصور والقلب والإرادة؛ ولذلك كان إصلاح الإنسان في القرآن مدخلًا لإصلاح الواقع، وكانت صناعة الفرد جزءًا من صناعة الأمة.

وعلى هذا الأساس، فإن دراسة منطق التحول في القرآن تفتح مجالًا لفهم جانب مهم من فاعلية الخطاب القرآني، يتمثل في قدرته على الانتقال بالإنسان من الإدراك إلى الاقتناع، ومن الاقتناع إلى العزم، ومن العزم إلى العمل، ومن العمل الفردي إلى الإسهام في الإصلاح؛ وهي حركة متكاملة تجعل القرآن مصدرًا لبناء الإنسان القادر على حمل الهداية وتجسيد آثارها في الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.