منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || عَقبات في طريق التّحول ح6

عبد الصمد الخزروني

0

اليَقظةُ الرّوحية

التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى

عَقبات في طريق التّحول ح6

بقلم: عبد الصمد الخزروني

ذكرنا في الحلقة الخامسة أهم مراحل التحول والتي أجملناها في ثلاثة، وهي: التحول الوجودي، التحول الطموحي، والتحول النوعي. في هذه الحلقة السادسة سنذكر أهم العقبات الواقفة في الطريق والمانعة من السلوك.

نذكر من هذه العقبات التي تَحُول دون الإقبال على عملية التحول أو حدوثها والتي تحقق للإنسان اليقظة الروحية في حياته ثلاثة لها أثر كبير ووقع خطير في منع حدوث العملية:

الأولى عقلية: تتمثل في الفلسفة الوضعية المادية التي أصبحت تسيطر على أسلوب التفكير في المجتمع الحديث. مُنطلقها أنّ ما لا تدركه الحواس غير موجود. وما دام أن الغيب لا تدركه الحواس فهو غير موجود. ومَنطقها أن ما لا يستطيع العلمُ إثباته والاستدلالَ عليه يظل مجرد أساطير وأوهام. وعندما تكون القضية مرتبطة بمعنى الإنسان ومغزاه من حياته فإن تناوله بالبحث ليس إلا مضيعة للوقت أو مجرد خزعبلات.

يَكشف لنا الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله حقيقة هذه العقبة العقلية في كتابه “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى”، فيشير إلى أن العقل باعتباره آلة ينبغي أن تخدم القلب وتخضع له فهو بين أمرين، إما أن يخضع لسيادة الوحي عن اختيار وطواعية ورضا، إذ ذاك يتحرر من الأوهام والأغلال ويرتقي ليكون عقلا مؤمنا مُلهَما ومُسدّدا في كل خطواته، وإما أن يخضع لسيطرة الهوى عن تحكم وإكراه فيصير عقلا معاشيا مكبّلا بالقيود التي لا تزيده إلا حيرة وتيها. حتى وإن كان هذا العقل علوميا وفيلسوفا فإنه يبقى في النهاية مُستعبدا من طرف هواه مادام محجوبا عن حقائق الغيب التي جاء بها الوحي.

ثم يؤكد الإمام عبد السلام رحمه الله إلى جانب هذا أنه فقط بالوحي حين يجلس العقل إلى منبره ليسمع ويتدبر ويتفكر يمكن له أن يؤدي وظيفته الفكرية والعلمية في هذا الكون والحياة، ويلتزم كذلك في هذه الوظيفة بحدوده التي تمنعه من الطغيان. ويعتبر الإمام رحمه الله أن هذه التلمذة عن الوحي تحرير له من عدة ذهنيات. من أهمها:

*الذهنية التقليدية المتراكمة فينا منذ قرون.

*الذهنية التبعية للغالب.

*الذهنية التبسيطية المركبة على نفسية راضية عن ذاتها.

*الذهنية الذرّية التي لا ترى أن هناك ارتباط بين الشريعة والحياة.

يقول رحمه الله تعالى: “بداية التركيب العقلي للمسلمين البداية الصحيحة (…) أن نصل شرايين العقل بواردات القلب ليتمكّن العقل المسلم من كل أنواع القدرة العلمية والتكنولوجية والخبرة التنظيمية في كل المجالات دون أن يتنازل عن استقامته الفطرية”[1].

فخضوع العقل للقلب وتلمذته عن الوحي هو السبيل لتحرره حتى ينخرط عن وعي في عملية التحول وبالتالي اليقظة الروحية. أما اعتداده بنفسه وتمرّده عن كل ما يرتبط بالوحي فهذا يجعل منه عقبة كأداء أمام أي تحول نحو اليقظة الروحية.

والثانية نفسية: تتمثل في الأنانية التي أصابت الإنسان نتيجة امتلاك الأشياء والتعلّق بها وطلب المزيد منها. مع العلم أنه كلما ملكتَ في حياتك من الأشياء أكثر كلما فقدتَ من “المعنى” أكثر. وقد انتبه “إريك فروم[2]” إلى هذا الفقدان للمعنى نتيجة تضخيم “الأنا” في كتابه “الإنسان المستلب”. وقد أطلق عليه مفهوم “الاستلاب”، وأشار إلى أن هذا الاستلاب يتمّ على مستويات عدة، وعلى رأسها استلاب وعي الإنسان والزج به في عوالم استهلاكية خيالية يكون فيها مجردا من عقله وذكائه ومرغما على الاستهلاك الأعمى.

ويذهب في تحليله هذا إلى أنه كلما قوّينا مبدأ الامتلاك على حساب مبدأ الوجود كلما عشنا الحروب والويلات في هذا العالم الذي لم يعرف في تاريخه الطويل فترة أعنف وأبشع مما نعيشه حاليا. ولذلك حفاظا على مبدأ الوجود حاول “فروم” العمل في المجتمع من أجل تغييره نحو الأحسن عن طريق تحرير أفراده من كل القيود التي يفرضها مبدأ الامتلاك والتي تحول دونهم والوصول إلى إنسانية أكثر إنسانية. وهي ما عبرنا عنه بالتحول من أجل تحقيق المعنى السامي للحياة.

في كتاب آخر لإريك فروم تحت عنوان “فن الوجود”، يذكر فيه أنه حتى يتجاوز الإنسان هذه النزعة في التملك التي تُضخّم فيه الأنانية للحصول على كل شيء وطلب المزيد، والتي رسخها فيه الإعلام بكل وسائله، يطرح مبادرة مهمة إلى اختراق بنية الملكية في وجود الإنسان حتى يتعافى منها. وذلك بإتباع الخطوات التالية:

أولا: القدرة على إدراك تلك الأنانية التي تحرم الإنسان وتمنعه من العطاء والبذل والتعاون والحب والعمل الجماعي.

ثانيا: القدرة على إدراك جذور النّزعة التملّكية، مثل الإحساس بقلة الحيلة، والخوف من الحياة، وعدم الثقة بالآخرين. أن هذه الجذور إنما قام بزرعها في نفسيته منظمات وشركات تُخطط لهذا صباح مساء.

ثالثا: القدرة على إحداث تغييرات في الممارسة، بأن يتعود الإنسان بتدرج على تقاسُم أشياء يملكها مع الآخرين. وبالتخلي عن أشياء أخرى لا يضر فقدانها. ومن الأمور التي ينبغي التخلي عنها وهي لا تقل أهمية عن الأشياء، بعض العادات والأفكار المألوفة السّلبية.

بهذه الخطوات سيكتشف الإنسان أن خوفه من فقدان ذاته بفقدان بعض الممتلكات أو عدم امتلاكها أساسا بدأ يتلاشى. وأن ذاته الحقيقية بدأت تظهر في الوجود، وأن ثقته بنفسه سوف تنمو إلى حدّ لا يجد سعادته إلا في خدمة الآخرين والتعاون معهم.

الثالثة مجتمعية: العيش في بيئة أو وسط ليس له علاقة بموضوع التحول وبقضية اليقظة الروحية قد يقف عقبة أيضا في طريق الإنسان، وذلك باستحضاره لأحكام الناس وأقوالهم وإشاراتهم بمجرد أن يتميز عنهم في طبيعة سلوكه، وفي طريقة تفكيره. فيصبح الإنسان محتلا محكوما من قبل غيره فاقدا لاستقلاليته.

الحل هو أن يتجاهل الآخر ويقتنع بمدى شرعية وصحة العمل الذي يقوم به ولا يفرض ذلك على الآخرين فيعادونه، الأحسن أن يترك الواقع يُثبت للناس صوابية سلوكه وتفكيره.

في خلاصة القول فإن هذه العقبات الثلاثة: العقلية المتمثلة في اعتداد العقل بنفسه، والنفسية المتمثلة في تضخم الأنا، والمجتمعية المتمثلة في العادة الجارفة، إن لم يتمكن الإنسان بالتغلب عليها وتجاوزها بإرادة المقتحم المجاهد الصابر سيبقى دائما خاضعا لقيودها وملتزما بحدودها.

يُحكى أن أحد التجار أرسل ابنه لكي يتعلم سر السعادة لدى أحكم رجل في العالم. مشى الفتى أربعين يوما حتى وصل إلى قصر جميل على قمة جبل، فيه يسكن هذا الرجل الحكيم الذي يقصده. وهناك وجد جمعاً غفيرا من الناس يزدحم على الباب. انتظر الشاب لساعتين. وعندما حان دوره، دخل الشاب إلى الحكيم وقال له بأنه جاء ليتعلم منه سرّ السعادة. ولما سمع الحكيم من الشاب سبب المجيء إليه، أجابه: “إن الوقت لا يتسع الآن لتعليمك سرّ السعادة، لكن قبل أن يحين الوقت، قُمْ بجولة داخل القصر لتستمتع، وعُد بعد ساعتين لمقابلتي.” وأضاف الحكيم وهو يقدم للفتى ملعقة صغيرة فيها قليل من الزيت: “أمسك هذه الملعقة في يدك طوال جولتك، واحذر أن يضيع منها الزيت.”

أخذ الفتى يصعد سلالم القصر ويهبط مثبتاً عينيه على الملعقة كي لا يضيع منها الزيت. وفي الأخير رجع إلى الحكيم فسأله: “هل رأيت السجاد العجمي في غرفة الطعام؟ ما رأيك في الحديقة الجميلة؟ وهل استوقفتك المجلدات النادرة في مكتبتي؟” ارتبك الفتى واعترف له بأنه لم ير شيئا من القصر أو محتوياته، فقد كان همه الأول والأخير ألا يضيع الزيت من الملعقة! فقال الحكيم: “حسنا، ارجع وتعرّف على معالم القصر، فلا يمكنك أن تعتمد على شخص لا يعرف البيت الذي يسكن فيه”.

عاد الفتى ثانية ليتجول في القصر، وهو ينظر إلى الروائع الفنية الجميلة المعلقة على الجدران، ويشاهد الحديقة والزهور الجميلة، وعندما رجع إلى الحكيم قص عليه بالتفصيل ما رأى. فسأله الحكيم: “جيد، ولكن أين الزيت الذي طلبت منك أن تحافظ عليه”. نظر الفتى إلى الملعقة فرآها شبه فارغة. فقال له الحكيم: “تلك هي النصيحة التي أستطيع أن أسديها إليك والدرس الذي يمكن أن أعلمك إيّاه: اعلم أن سرّ السعادة هو أن تتجول في الدنيا وترى عجائبها، وتستمتع بما أبيح لك، ولكن في نفس الوقت أن تحافظ على ما يجب عليك أن تحافظ عليه من سلامة القلب وطهارة الروح”.

الحكاية في الأخير تُعلّمنا درسا في التوازن بين الباطن والظاهر، بين الروح والجسد، بين الدنيا والآخرة. اليقظة الروحية أن تحافظ على الكل ولا تخسر أحدهما على حساب الآخر.


[1]– عبد السلام ياسين، الإحسان ج1، ص:98.

[2] – إريك فروم (1900 -1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت، وهو الابن الوحيد لوالدين يهوديين أرثوذكسيين، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. من أعماله: الهروب من الحرية (1941) التحليل النفسي والدين (1950)، اللغة المنسية : مدخل إلى فهم الأحلام والقصص الخيالية والأساطير (1951)، المجتمع العاقل (1955)، رسالة سيجموند فرويد: تحليل لشخصيته وتأثيره (1959)، أزمة التحليل النفسي: مقالات عن فرويد وماركس وعلم النفس الاجتماعي (1970)، تشريح نزوع الإنسان إلى التدمير (1973)، كما حرر كتبا، بأقلام كتاب كثيرين.

 

اليقظة الروحية؛ التحول الكامل من أجل حياة المعنى|| مقدمة حول الحلقات ح1

اليقظةُ الرّوحية:التّحولُ الكامِلُ من أجل حَياةِ المعْنى || مَعنى اليقظة الرّوحية ح2

اليَقظةُ الرّوحية: التّحولُ الكامل من أجل حياة المعنى || دواعي اليقظة الروحية ح3

اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى|| معنى التّحول ح4
اليَقظةُ الرّوحية: التّحول الكاملُ من أجل حَياة المعنى || مراحل التّحول ح5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.