منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كتابة الدين وتوثيقه بين الأقارب (2) كتابة الــديْـن وتوثيقه

الدكتور أحمد الإدريـسي

0

كتابة الدين وتوثيقه بين الأقارب(2) كتابة الــديْـن وتوثيقه

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـسي

 

كتابة الــديْـن وتوثيقه (1) أحكام كتابة الدين

 

إن توثيق الدين بين الأقارب ليس عيبا ولا مكروها، لأن التوثيق لا يعني انعدام الثقة بين طرفي المعاملة، ولكنه وسيلة شرعية لحفظ الحقوق وتفادي النزاعات بين الناس وخاصة بين الأقارب.

       والائتمان الوارد في قوله تعالى: “فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ”،(البقرة:282)، إنما “يكون بعدم توثيق الدين بالكتابة أو الشهود أو الرهن. ولكن في هذه الحال يُحتاج إلى التقوى والخوف من الله، ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته”[1].

أولا: التأكيد على كتابة الدين.

       ورد التأكيد على كتابة الدين في نصوص كثير، وما يدل على هذا التأكيد:

1- ضمان مصلحة الشاهد (وقد يكون قريبك) المادية والمعنوية فلا يغرم ولا يتهم إن صدق في شهادته: “وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ” (البقرة: 282).

2- في ءاية المداينة أوامر متكررة بالإشهاد على الدين، ومنها؛ فليكتبْ… فاكتبوه…. وليكتبْ بينكم كاتب بالعدل… وليُمْلِل…

3- وصف المولى عز وجل الكتابة أن التوثيق بكل أشكاله أقسط وأعدل وأبعد عن الشك، وأدل على صدق الشهادة وحماية الحقوق: “ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا” (البقرة:282).

4- أمر المدين أن يُملي على الكاتب؛ “وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ”، لأنه إن أملى فهو مقر، والإقرار أقوى من الادعاء (في حالة ما إذا أملى الدائن)، وفي ذلك احتياط لضمان حق الدائن.

5- أنَّ الله تعالى آثر الإشهاد في البيع والشراء، ولو خلا من الكتابة ما دامت تجارة حاضرة وصل كل من البائع والمشتري فيها إلى حقه، ضماناً للمستقبل وتجنباً لخلاف متوقع، فلم يوجب الكتابة في التجارة الحاضرة التي يأخذُ منها المشتري البضاعة ويدفعُ للبائع ثمنها، وكلٌّ وصلَ إلى حقه، فقال عز وجل: “إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا”.

ثانيا: كتابة الدين وتوثيقه بين الأقارب

رأينا أن توثيق الدين وكتابته هي وسيلة شرعية وقانونية لحفظ الحقوق ومنع النزاعات، كما جاء في ءاية المُـداينة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حثّ على كتابة الدّين، وقد رأينا الحكمة من ذلك.

وتزداد أهمية كتابة الدين وتوثيقه، ويزيد التأكيد عليه بين الأقارب من خلال ما يلي:

– الامتثال لأمر الله تعالى: الكتابة أعدل عند الله وأقوم للشهادة وأبعد للشك، حتى لو كان المبلغ صغيراً أو بين الإخوان والأرحام.

– اتباع السنة؛ فقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم عامَلَ غيره ووثق ديونه بالرهن، ومنه ما روي عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد (متفق عليه).

– أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى إثبات الحقوق بالشهود والبينة عند التنازُع (ولو كان من الأقارب)، كما قال للأشعث بن قيس رضي الله عنه في خصومة: “شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُكَ” (رواه مسلم).

– حفظ الحقوق حتى لا تكون عرضة للضياع، لكثرة النسيان، أو وقوع التدليس والمغالطات، والاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله عز وجل.

– حفظ الود: عند توثيق الديون نحافظ على العلاقة بين الأقارب.

– الحفاظ على صلة الرحم: قد تتسبب الديون غير الموثقة في قطيعة الرحم وضياع الحقوق بسبب النسيان أو الجحد أو الموت.

ثالثا: ضمان حق ورثة الدّائن وخاصة الضعفاء منهم:

إذا مات المدين ولا دليل على الدين فمن يوصل الصغار وكبار السن إلى إرثهم من أبيهم إن كان ديناً لم يكتب ولم يوثق؟ ولاسيما إذا لم يُوص المدين بدفعه، ولم يذكره في وثائقه، أو ذكره وكان الورثة للمدين لا يخافون الله، حيث يخفون كلَّ دليل لديهم وينكرون حق ورثة الدائن.

والدائن المفرط يظلم ورثته ويتركهم عالة محتاجين يسألون الناس، ولو احتاط وامتثل أمر الله، وكتب الدين، ووثقه على المدين، وتركَ دليلاً بيد ورثته لتركهم أغنياءَ لا يسألون الناس.

خاتمة:

مع كل ما رأينا فإنه تجوز المداينة بلا توثيق عند وجود الأمانة، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم جواز الاقتراض من غير كتابة أو إشهاد عند الثقة والأمانة، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع أعرابياً في فرس ولم يكن بينهما بيّنة من كتاب أو إشهاد، مما يدل على أن التوثيق للإرشاد وحفظ الحقوق ليس واجبا في كل الحالات.

إلا أن القضاة والعدول والمحامون ينصحون بتوثيق العقود بإحدى الطرق؛ الكتابة، أو الإشهاد، أو الرهن، وأكدوا أن أكثر الحقوق التي تضيع هي التي لم تُكتب ولم توثق بعقد تتوفر فيه شروطه، من أجل إزالة الشكوك والخصومات، وقطع النزاعات، وحفظ الحقوق، فقال تعالى: “وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ” (البقرة:281).

لذلك نخشى أن تضيع الحقوق من تفريط الدائن وإهماله لكتابة الدين وتوثيقه، خاصة حقوق الضعفاء من الورثة؛ (الصغار أو كبار السن أو غير العاقل)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنك أن تذرَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”.

والحمد لله رب العالمين.


[1]– يُـنظر: تفسير السعدي الصفحات: 168-172 (بتصرف).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.