المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (10)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الثالث: ثنائية العدل والإحسان.. ميزان الاستقامة المنهاجية
المبحث الثالث: سيرة الصمود ووثائق الصدع بالحق.. من “الإسلام أو الطوفان” إلى “مذكرة القرن”
1 – رسالة “الإسلام أو الطوفان”: الزلزال الدعوي والمخاطرة الوجودية
لم تكن رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي وجهها الإمام عبد السلام ياسين إلى ملك البلاد عام 1974 مجرد نصيحة عابرة أو ورقة سياسية ضمن سياق المعارضات التقليدية، بل كانت “هزة أرضية” فكرية وروحية في مشهدٍ سياسي كان يغلي بالصراعات الدامية والتقلبات العنيفة والاختيارات الإيديولوجية المتصادمة. في هذه الوثيقة التاريخية الفذة، تجلت خصال “الصدق” و”الجهاد” في أسمى صورها وأخطر تجلياتها؛ إذ لم يكتفِ الإمام بنقد الأعراض الجانبية للأزمة، بل نفذ بجرأة منقطعة النظير إلى “جوهر الأزمة” مطالباً بـ “التوبة الشاملة” والعودة الصادقة إلى منهاج النبوة في الحكم الرشيد وتوزيع الثروة بالعدل.
إن فرادة هذا الموقف تكمن في أن الإمام كتبه بمداد الروح واليقين، واضعاً حياته وحريته ومستقبل أسرته على كف القدر، في وقت كانت فيه المعارضات السياسية “الجافة” تتأرجح بين الصدام المسلح العقيم أو المهادنة النفعية الضيقة. لقد قدمت الرسالة نموذجاً فريداً لـ “العدل” الذي لا يداهن، و”الإحسان” الذي لا ينعزل في الزوايا، حيث خاطب السلطان بلغة القرآن وذكر بمسؤولية الوقوف المهيب بين
يدي الله، محطماً بذلك “جدار الخوف” الذي كبل العقول والضمائر لعقود طويلة. إن هذه الرسالة هي التي قادت الإمام إلى غياهب الاعتقال لسنوات في مشفى المجانين (في محاولة لكسر رمزيته) ثم السجن بلا محاكمة، لتكون أول “وثيقة معمدة بالمعاناة” في مسار المنهاج، تثبت أن الرجل لا يبيع دينه بعرض من الدنيا، وأنه يمتلك “المروءة” الإيمانية التي تجعله يضحي بالمنصب الإداري الرفيع والجاه الاجتماعي المرموق مقابل كلمة حق عند سلطان جائر، مما أعطى لخطابه “سيادة أخلاقية” ومصداقية تاريخية لم تتوفر لغيره من المشتغلين بالشأن العام، وجعل من الرسالة مانيفستو حركي يربط المصير الفردي بالمصير الجماعي للأمة
2 – “مذكرة لمن يهمه الأمر” وبناء المتن المنهاجي وسط المحنة: من “المنهاج” إلى “الإحسان”
مع تتابع السنين وتراكم المحن، لم ينكسر عزم الإمام ولم تتبدل لغته المبدئية، بل ازدادت نضجاً وعمقاً بصدور “مذكرة لمن يهمه الأمر” عام 2000، والتي وجهها للملك الجديد، مؤكداً فيها على نفس الثوابت الجوهرية: العدل والشورى والكرامة ورد المظالم.
إن هذه المذكرة، وما تبعها من “رسائل إلى الأمة”، كانت تعبيراً عن “النفس الطويل” في المدافعة؛ فالإمام لم يكن ينشد “انقلاباً” تقنياً يغير الوجوه، بل كان يسعى لـ “تحول بنيوي” شامل يبدأ من أعماق تربية الفرد ليصل إلى صلاح المؤسسات. ولعل أعجب ما في سيرة الإمام هو قدرته الفذة على “التأليف النوعي” الغزير في خضم التضييق والملاحقة والحصار؛ فبينما كانت أجهزة الدولة تحاول خنق صوته، كان هو يعكف على بناء “صرح المنهاج” كتاباً وراء كتاب، صاغ من خلالها “بوصلة متكاملة” للأجيال. فمن كتاب “المنهاج النبوي” الذي وضع فيه القواعد الحركية والتنظيمية، إلى موسوعة “الإحسان” التي غاص فيها في لطائف السلوك التربوي، وصولاً إلى “تنوير المؤمنات” و”محنة العقل المسلم”.
إن هذه الغزارة لم تكن ترفاً معرفياً، بل كانت “استجابة قدرية” لأسئلة الأمة المعقدة، حيث كتب هذه المجلدات الضخمة وهو ملاحق أو محاصر، ليعطي درساً بليغاً في خصلة “العمل والعلم”؛ فالمؤمن المنهاجي لا تكسره الظروف المادية، بل يطوعها لخدمة رسالته الكبرى. إن كل سطر في هذه الكتب يحمل بصمة “المعاناة واليقين”، مما جعلها تتجاوز كونها “كتباً فكرية” لتصبح “زاداً جهادياً” يربي في الشباب روح الصمود والمصابرة، وبذلك تحول جسد الإمام المحاصر في بيته بسلا إلى “مركز ثقل” روحي وفكري، يثبت للعالم أن الفكرة الحرة لا يمكن سجنها خلف الجدران، وأن صدق الموقف هو أمضى سلاح في مواجهة جبروت الجبر التاريخي، محققاً معجزة “الجمع بين البيان والتبيان” في زمن الصمت المطبق.
3 – برهان الموقف: الزهد في المنصب والوظيفة انتصاراً لميثاق العدل
إن الحديث عن “العدل والإحسان” في فكر الإمام ياسين يظل ناقصاً، بل ومجتزأً، ما لم نربطه بـ “الزلزال السلوكي” الذي أحدثه الإمام في مساره الشخصي، محطماً بذلك صورة “المثقف الانتهازي” أو “الشيخ المنكفئ” على مصالحه؛
فقد كان بإمكان الرجل، وبحكم موقعه الإداري الرفيع كمفتش ممتاز بوزارة التربية الوطنية، أن يرتقي بيسر في مدارج المناصب السياسية والإدارية العليا للدولة، وأن يعيش حياة الرفاهية والمكانة الاجتماعية المرموقة التي توفرها مثل هذه الرتب في مغرب السبعينات والثمانينات. لكن الإمام، وبيقين المحسن الذاكر المستشرف لدار البقاء، رأى في “المنصب” قيداً ثقيلاً يحول بينه وبين الجهر بالحق، وفي “الامتيازات” حجاباً كثيفاً يمنعه من معاناة آلام المستضعفين ومشاركة المظلومين همومهم، فآثر بوعي تام أن يقذف بنفسه في أتون المواجهة الصريحة مع الاستبداد، ضارباً عرض الحائط بكل الإغراءات المادية التي يسيل لها لعاب النخبة المداهنة.
هذا التخلي الإرادي عن “جاه الدولة” لم يكن زهداً بارداً أو انعزالياً , بل كان “انحيازاً استراتيجياً” لمبدأ العدل، وإعلاناً صريحاً بأن “الاستقامة المنهاجية” تقتضي التحرر المطلق من قبضة “المخزن” (بمفهومه السياسي والمالي المستتبع ) ليكون الصوت خالصاً لله وللأمة. إن هذا الموقف هو الذي شرعن دعوته وبوأها مكانة الصدارة في قلوب الناس؛ إذ رأوا فيه رجلاً ترك الدنيا وهي مقبلة عليه، واختار السجن والحصار وهو قادر على تجنبهما بكلمة مداهنة واحدة، مما جعل من خصلة “البذل والصدق” واقعاً معاشاً يراه الجميع رأي العين، وحول “المنهاج” من حبر مسطور في الكتب إلى دمٍ وروح وموقف تاريخي صلب لا يقبل المساومة، ليثبت أن “العدل” ليس مجرد تنظير للآخرين، بل هو تضحية بالذات أولاً في سبيل الحق العام.
4 – بين “سكينة الزاوية” ومكابدة الميدان: تحطيم رتابة التدين الانسحابي
ولم تكن تضحية الإمام بالمنصب الإداري والجاه الوظيفي هي الوحيدة في مساره الحافل، بل أتبعها بتضحية “روحية” و”اجتماعية” لا تقل عنها خطورة وأثراً، وهي تضحية “المشيخة” والوراثة المضمونة في الزاوية القادرية البودشيشية. لقد كان الإمام عبد السلام ياسين التلميذ المقرب والبارز لشيخه العارف بالله العباس بن المختار، ومن ثم للشيخ حمزة، وكان مهيأً بفضله وعلمه ومكانته ليكون قطباً من أقطاب “التصوف الطرقي” المريح، يحيط به المريدون بالتبرك والخدمة، وينأى بنفسه عن ضجيج السياسة وملاحقات الأمن في سلام ووئام مع السلطة. لكن الإمام، بفرادة وعيه ونفاذ بصيرته، أدرك أن “الإحسان” الذي لا يثمر “عدلاً” هو إحسان أعرج ناقص، وأن “الذكر” الذي ينسى حقوق المظلومين وأوجاع المستضعفين هو ذكر قاصر لا يجاوز الحناجر.
لذا، فقد اختار “المعنى” على “المبنى”، وانتقل بشجاعة من “التصوف الفردي” الوجداني الضيق إلى “السلوك الجهادي” الجماعي الرحب، رافضاً بصرامة أن يحول التصوف إلى “أفيون” يخدر الشعوب أو أداة لتثبيت الأمر الواقع الظالم. إن هذا “الخروج” من الزاوية نحو المجتمع، ومن “الحال” الفردي نحو “القومة” الجماعية،
هو الذي أدى إلى التضييق عليه حتى من رفقاء الدرب القدامى، لكنه أثبت به أن “الرجل القومة” هو الذي لا يكتفي بإصلاح باطنه وتصفية قلبه، بل يسعى بكل جهده لإصلاح القالب الاجتماعي والسياسي برمته وإقامة القسط.
وبذلك، قدم الإمام درساً عملياً بليغاً في أن “العدل والإحسان” ليسا مجرد شعار لتنظيم حركي، بل هما “عقد وجودي” وقعه الرجل بمداد التضحية، مفضلاً أن يكون “صوتاً للحق” خلف القضبان على أن يكون “شيخاً للبركة” تحت ظلال الرضى السلطاني، محققاً بذلك النموذج الاستثنائي للعالم الرباني الذي يجمع بين “حال الصوفية” و”قال الفقهاء” و”فعل المجاهدين”، ومنتزعاً لفكره صفة “الوراثة النبوية” الحقة التي تجمع بين ذكر الله ومدافعة أعداء الله.
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (6)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (7)