منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)

 

المبحث الرابع: ثمرات المحضن.. من يقظة الروح إلى صناعة التاريخ

  1 – الميلاد الجديد: اليقظة الإيمانية والتحقق بمقام الإحسان

         تعد أولى وأعظم وأجل ثمرات هذا المحضن المنهاجي الرباني هي “ميلاد المؤمن” من جديد؛ خروجاً حقيقياً من رقدة الغفلة المظلمة التي تكتسح القلوب، إلى فضاء “اليقظة القلبية” الفسيح التي تبصر الحقائق بنور الله وتدرك مآلات الأمور بوعي إيماني. حيث ينتقل الفرد بفضل الصحبة الصادقة والمجالسة الهادفة من حالة “الإسلام الوراثي” البارد والمظاهر الجوفاء التي لا تتجاوز حدود الطقوس الرسمية، إلى حالة “إيمان الطلب” المتوقد الذي يحرق الشبهات العقلية والشهوات النفسية في أتون الشوق المضني إلى وجه الله الكريم.

 إن الثمرة الفردية في مدرسة الإمام ياسين ليست مجرد طمأنينة نفسية سلبية أو هدوء أعصاب ينشد الخلاص الذاتي بعيداً عن صراعات الواقع، بل هي “ثورة باطنية” شاملة تُعيد صياغة كيان الإنسان من جذوره ليصبح طالباً للمعالي، لا يرضى بمقام دون “الإحسان” غايةً قصوى، ولا يقبل بسوى “الشهود” والرضوان مقصداً ومراداً. مما يثمر في نهاية المطاف سكينةً وجوديةً راسخة وقوة نفسية هائلة تمكن المؤمن من الثبات الراسخ وسط أعاصير الفتن المتلاحقة وتلاطم أمواج “الملك الجبري” بقلب يملؤه اليقين، مصداقاً للوعد الإلهي: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].

في هذا المحضن، يتحرر المؤمن جذرياً من الخوف من غير الله، وتتحطم على صخرة يقينه كل أصنام الهوى والرهبة من الطواغيت والجبابرة، فيصبح “حراً” بالمعنى الحقيقي والعميق للحرية؛ تلك الحرية التي تبدأ من ذل العبودية للخالق لتنتهي بالتحرر المطلق من عبودية المخلوق. وهي الحالة الروحية الراقية التي يسميها الإمام بـ “الاقتحام”، حيث تغدو كل صلاة خاشعة، وكل ذكر لاهج، وكل دمعة حرى في جوف الليل، بمثابة “وقود مقدس” يغذي إرادة التغيير ويحول المؤمن من كائن “منفعل” بوقائع التاريخ وهامشي فيه، إلى كائن “فاعل” ومؤثر ومغير، مستمداً قوته الجبارة من صلته المباشرة بمن بيده ملكوت كل شيء وناصية كل جبار.

 2 –  ثمرة الفلاح الجماعي: صناعة المروءة والقومة لاسترداد كرامة الأمة

     أما الثمرة الكبرى واليانعة التي يقطفها المحضن المنهاجي على صعيد الأمة والمجتمع، فهي تحويل الآحاد الضائعة والهمم المشتتة والجهود المبعثرة إلى “نواة صلبة” وبنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً في وحدة عضوية وتلاحم إيماني فريد، لينتج عن ذلك ما يسميه الإمام “المروءة”. والمروءة هنا هي الثمرة الأخلاقية والحركية الناضجة التي تجعل

المؤمن يأنف كلياً من حياة الدعة والقعود واللامبالاة بينما تئن الأمة تحت وطأة الاستبداد والتمزق والتبعية.

     إن الجماعة المتربية في أحضان الصحبة والذكر تُنتج “إرادة جماعية” صلبة وعصية على الاختراق أو التدجين من قبل القوى المعادية، حيث تذوب الأنانيات الفردية الضيقة في بوتقة “الولاء والبراء” الإيماني السامي، لتتشكل قوة اجتماعية واعية ومنظمة تسعى بجد لانتزاع حقوق المستضعفين وإقامة موازين العدل والقسط في ربوع الأرض. إن هذه الثمرة الجماعية هي التي توفر “الحاضنة البشرية” والمادة الحيوية لمفهوم “القومة”؛ تلك الحركة التاريخية الواعية والقاصدة التي تهدف إلى كسر أغلال الحكم الجبري واستعادة رشد الخلافة على منهاج النبوة، ليس عبر صراع مادي جاف على السلطة أو استبدال ظالم بظالم، بل عبر “زحف إيماني” راقٍ يجمع ببراعة بين “طهارة الوسيلة” و”سمو الغاية”.

        إن الثمرة النهائية لهذا الكدح المنهاجي الطويل هي تحقيق “الشهادة على الناس” واسترداد الدور الريادي والحضاري للأمة، حيث يصبح صرح “العدل” السياسي والاجتماعي ثمرةً طبيعيةً وتلقائيةً لغرس “الإحسان” القلبي والتربوي، في تلاحم فريد يؤكد أن التغيير الذي نشدته مدرسة الإمام ياسين لم يكن يوماً بحثاً عن “تبديل وجوه بوجوه” أو كراسي بكراسي، بل كان سعياً حثيثاً لتمكين “الربانيين” في الأرض، ليكون الحكم لله وحده، والكرامة للإنسان المصان، والعدل هو الشريعة السائدة التي تظلل العالمين بفيض من رحمة الإسلام وهدايته الخالدة.

خلاصة الفصل الأول: التربية بوابة العمران

​      نخلص من هذا الفصل التأسيسي إلى أن المنهاج النبوي في فكر الإمام ياسين هو رحلة تبدأ من “الداخل” لتغير “الخارج”. لقد أفردنا خصلة “الصحبة والجماعة” في هذا الفصل المستقل، لأنها في فلسفة المنهاج ليست مجرد خصلة في قائمة، بل هي “الخصلة الحاضنة” والبيئة الحيوية التي لا يمكن لبقية الخصال أن تنمو أو تثمر إلا في تربتها؛ فبغير صحبةٍ حية يغدو “الذكر” رهبنةً باردة، وبغير جماعةٍ منظمة يتحول “الجهاد” إلى مغامرة غير محسوبة.

        لقد كان هذا الفصل بمثابة الحديث عن “المكان” و”المناخ” الروحاني، ليمهد الطريق أمام القارئ ليدرك أن بناء “الرجل القومة” يحتاج إلى بيئة الصادقين أولاً. وبهذا الوضوح المنهجي، ننتقل في الفصل الثاني لنفصل في “الزاد” و”البرنامج السلوكي” المتمثل في بقية الخصال العشر، لنرى كيف يتكامل البناء التربوي من خلال شعب الإيمان التي تصيغ شخصية الجندي الرباني في معراجه نحو الحق ونحو نصرة الخلق..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.