منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (6)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (6)

عبد الغني منتصر

الفصل الثاني: الخصال السلوك العشر.. برنامج الصياغة وزاد المسير

تصدير الفصل الثاني: في تلازم الخصال ووحدة المحضن والبرنامج

​     قد يتساءل القارئ لمتن المنهاج النبوي عن سر إفرادنا لخصلة “الصحبة والجماعة” في فصل مستقل، بينما جمعنا الخصال التسع الأخرى في هذا الفصل؛ والحقيقة أن هذا الصنيع لم يكن استنقاصاً من قدر خصلة دون أخرى، بل هو استجابة دقيقة للمنطق التربوي والحركي الذي أسسه الإمام عبد السلام ياسين. فـ “الصحبة والجماعة” في فلسفة المنهاج ليست مجرد خصلة في قائمة جافة، بل هي “الخصلة الحاضنة” والبيئة الحيوية التي لا يمكن لبقية الخصال أن تنمو أو تثمر إلا في تربتها؛ فبغير صحبةٍ حية يغدو “الذكر” رهبنةً باردة ومنكفئة، وبغير جماعةٍ منظمة يتحول “الجهاد” إلى مغامرة عاطفية غير محسوبة العواقب.

      لقد كان الفصل الأول بمثابة الحديث عن “المكان” و”المناخ” الروحاني، بينما يأتي هذا الفصل ليفصل في “الزاد” و”البرنامج السلوكي” التفصيلي الذي يشكل شخصية الجندي الرباني. إن الخصال العشر في كليتها هي بنيان مرصوص، يشد بعضه بعضاً، حيث تمثل الصحبة والجماعة “القاعدة” الصلبة، بينما تمثل الخصال التسع الباقية “البناء” الذي يرتفع فوقها ليحقق كمال الاستقامة وجمال السلوك وفعالية المدافعة، في تلاحم فريد بين “المدد الروحي” و”العمل الميداني”.

​المبحث الأول: معراج الأرواح.. في رحاب الذكر والصدق والتؤدة

1- ​الذكر المنهاجي: من سكون الشفاه إلى زلزال القلوب وعماد الحركة

      يمثل “الذكر” في مدرسة الإمام ياسين حجر الزاوية والقاعدة الركينة في بناء الشخصية المؤمنة المستعدة للاستخلاف، فهو ليس مجرد تمتمات باهتة باللسان أو طقوسٍ تعبدية تُمارس في زوايا الفراغ لتزجية الوقت؛ بل هو في جوهره “أكبر” الأعمال وأجلُّها وأكثرها خطورة وأثراً في مسار التغيير التاريخي، مصداقاً للبيان الإلهي القاطع: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45].

      إن الذكر المنهاجي، كما بسطه الإمام، هو ذاك الفعل الروحي العظيم الذي يزلزل كيان “الغفلة” المتراكم في الإنسان، ويوقظ الروح من سباتها التاريخي الطويل لترتبط بخالقها ارتباط “العبد” الذليل بسيده الجليل و”الجندي” المطيع بقائده الأعلى. وهو الزاد الروحاني الضروري الذي يمد المؤمن بالطاقة النورانية اللازمة لاقتحام عقبات الواقع المرير دون كلل أو تراجع.

     فالإمام لا ينشد ذكراً “درويشياً” يُفضي إلى الذهول عن شؤون الأمة وجراحات المستضعفين، بل يريد ذكراً “اقتحامياً” يشحن الإرادة ويصفي بصيرة القلب، لتكون حركة المؤمن في الميدان السياسي والاجتماعي هي في جوهرها ثمرة ناضجة لصلته الوثيقة بالله في محراب التبتل. إن الذكر هو “الحصن الحصين” الذي يحمي العاملين في حقل الإسلام من داء “الأنانية” القاتل، ومن بريق الشهرة الزائف، ومن اليأس القاتم الذي قد يتسلل للنفوس عند طول الطريق أو تأخر بوادر النصر.

      إنه “الوقود المقدس” الذي يحول العمل السياسي من ممارسة جافة وميكانيكية تتصارع على الغنائم، إلى “عبادة” خالصة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة. وبدون هذا الذكر اللطيف، يتحول التنظيم إلى جسد بلا روح، والزحف إلى حركة بلا بركة، والجهاد إلى صدام مادي بحت. فبالذكر يستمد المؤمن “المدد” الإلهي الذي يجعله يواجه الطواغيت بقلب ثابت لا يعرف الخوف، محققاً التوازن الدقيق بين نداء السماء بقدسيتها السامية ومتطلبات الأرض بضغوطها المادية، ليظل المؤمن دائماً ذاكراً لله في كل أحواله، قائماً بالقسط في كل أفعاله، لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله

       2 – الصدق والتؤدة: شرط القبول وحكمة السير في دروب المدافعة

       وإذا كان الذكر هو “الوقود” المحرك للروح، فإن “الصدق” هو “المحرك” والشرط الجوهري لقبول كل عمل عند الله وعند الناس؛ فلا قيمة لذكرٍ لاهج بغير صدق الطلب، ولا وزن لجماعةٍ لا يقوم بنيانها المرصوص على صدق الولاء المطلق لله ورسوله وللمؤمنين. الصدق عند الإمام هو “مقام التحقق”؛ أي أن يتطابق الظاهر المعلن مع الباطن المكنون، وأن تذوب “الأنا” المتضخمة في مراد الله، بحيث يصبح قول المؤمن وفعله وجيئته وذهابه كلها لله وبالله لا شريك له. وهو الاختبار الحقيقي والميزان الدقيق الذي يميز “الصادقين” الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وعضوا على النواجذ، عن الذين يبتغون بالدين عَرَض الدنيا الزائل أو جاهاً اجتماعياً فانياً.

        ويقترن هذا الصدق وجوباً بخصلة “التؤدة”، وهي الحكمة البالغة والرزانة والأناة في السير، التي تمنع المؤمن من الوقوع في فخ الطيش السياسي أو الاندفاع العاطفي غير المحسوب الذي قد يورد الحركة الإسلامية موارد الهلاك والدمار. فالتؤدة في فكر المنهاج ليست “عجزاً” مقنعاً ولا “قعوداً” مذموماً، بل هي “فقه الممكن” وبصيرة الناظر المحقق في عواقب الأمور وسنن التاريخ، وهي الضمانة الوحيدة لكي يكون الفعل الجهادي فعلاً “راشداً” ومثمراً، وليس مجرد ردة فعل غاضبة تنطفئ

جذوتها سريعاً عند أول منعطف. إن الجمع العبقري بين “حرارة الذكر” و”حرارة الصدق” من جهة، وبين “برودة التؤدة” وحكمة التقدير من جهة أخرى، هو الذي يصنع ذاك التوازن المنهاجي الفريد في شخصية المؤمن القومة؛ حيث يندفع نحو التغيير بقلب يحترق شوقاً لله ولإقامة العدالة، وعقلٍ يتدبر الخطوات بوعيٍ تاريخي وسنني دقيق، بعيداً عن الاستعجال النكد الذي يفسد الثمار قبل نضجها، ومؤمناً يقيناً بأن النصر قادمٌ بوعد الله لا محالة، لكنه مشروط بتمام التربية وكمال الإعداد ورسوخ الصدق في السراء والضراء، لتكون الحركة محكومة بالحكمة لا بالهوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.