منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (9)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (9)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

الفصل الثالث: ثنائية العدل والإحسان.. ميزان الاستقامة المنهاجية

المبحث الثاني: العدل.. أمانة الاستخلاف في مواجهة “تأليه السلطان” ونظريات “العقد الاجتماعي”

​ 1 – العدل المنهاجي: من “الحقوق المنزوعة” إلى “الأمانة الإلهية”

​      لا ينظر الإمام عبد السلام ياسين إلى العدل بوصفه “هبةً” أو “مكرمة” يمنحها الحاكم لرعاياه من باب التفضل، ولا يراه مجرد صياغة قانونية باردة تنظم الصراع بين المصالح المتضاربة والطبقات المتصارعة كما ذهبت إليه الفلسفات النفعية والمادية، بل يعتبره “أمانة الله” الكبرى والمركزية التي نيطت بعنق الإنسان المستخلف في الأرض.

      إن العدل في المنهاج هو القطب الذي تدور حوله كل الأحكام الشرعية، وهو الغاية القصوى والمقصد الأسمى الذي من أجلها أُنزلت الكتب وأُرسلت الرسل؛ استناداً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

       من هنا، يرى الإمام أن “القعود عن طلب العدل” أو الاستقالة من مدافعة الظلم هي خيانة عظمى لهذه الأمانة الإلهية، وأن السكوت عن الاستبداد هو نوع من “الشرك العملي” بالله، لأنه يُقرّ للمخلوق الضعيف بحق التشريع والتحكم المطلق والتأله الذي لا يليق إلا بالخالق الديان. إن فرادة الإمام هنا تكمن في كونه لم يقدم نموذجاً لـ “عدل مادي” قاصر يكتفي بإعادة توزيع الثروة وتحسين شروط العيش، بل قدم “عدلاً شمولياً” متكاملاً يبدأ بـ “عدل الحاكم مع المحكوم” عبر الشورى والكرامة

 والحرية المسؤولة، و”عدل الغني مع الفقير” عبر التكافل الاجتماعي المفروض شرعاً والزكاة المطهرة، و”عدل القوي مع المستضعف” عبر الحماية والانتصار للحق المهدور.

      إن هذا المفهوم الأخلاقي للعدل هو الذي يحول النضال السياسي في المنهاج من مجرد صراع على الكراسي إلى “عبادةٍ” وقربة، ومن الوقوف في وجه الطغيان إلى “جهادٍ” نبوي، ومن المطالبة بحقوق الناس المظلومين إلى “صلاةٍ” في محراب الحق المطلق، وبذلك يخرج العدل من أروقة المحاكم الجافة وأضابير القوانين الوضعية ليصبح روحاً سارية في أوصال المجتمع المؤمن، تُحيي فيه موات الكرامة وتدفعه نحو الاستخلاف الراشد.

​ 2 – مأزق “العقد الاجتماعي” الغربي: في نقد هوبز ولوك وروسو برؤية المنهاج

​    حين نقارن فلسفة العدل عند الإمام ياسين بنظريات “العقد الاجتماعي” التي شكلت وعي الحداثة الغربية وأسست للدولة الحديثة، نجد فرقاً جوهرياً وتصادمياً في “المنطلق والمسار والمنتهى”. فالفيلسوف “توماس هوبز” انطلق من رؤية تشاؤمية سوداوية للإنسان (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان) ليشرعن ظهور “اللوفياثان” أو الحاكم التنين المطلق الذي يضمن الأمن البدني مقابل سلب الإرادة والحرية، وهو ما يراه الإمام وجهاً آخر من وجوه “الملك الجبري” لكن بمسوغات علمانية براغماتية. أما “جان جاك روسو” و”جون لوك”، فرغم محاولاتهما التأسيس لمفهوم “السيادة الشعبية”، إلا أن نموذجهما ظل حبيساً للمرجعية البشرية القاصرة والنسبية التي تتقلب بتقلب الأهواء والمصالح الطبقية وتوازنات القوة، مما أدى في النهاية إلى “ديكتاتورية الأغلبية” أو سيطرة “الرأسمالية المتغولة” التي تعبد السوق.

     يرى الإمام أن هذه العهود والمواثيق البشرية -رغم نبل بعض غاياتها الإنسانية- تفتقر جوهرياً إلى “الوازع الإيماني” والرقابة الربانية التي تحمي الحاكم من داء الطغيان والمحكوم من فوضى الانفلات؛ ففي المنهاج النبوي، السيادة ليست مطلقة لا للشعب ولا للحاكم، بل هي لشرع الله المنزه الذي يحمي حقوق الجميع بضمانة “اليوم الآخر”. إن العدل عند الإمام هو “ميثاقٌ غليظ” معقود بين العباد وخالقهم قبل أن يكون مجرد عقد مصلحي بين حاكم ومحكوم؛ ولذلك فإن المؤمن المنهاجي لا يطالب بالعدل طمعاً في مغنم زائل، بل يطالب به أداءً لواجب شرعي مقدس، وهو ما يفسر الصمود الأسطوري للإمام أمام آلة القمع؛ إذ كان يرى بقلبه أن “العقد” الذي يربطه بالله يلزمه بالصدع بكلمة الحق، ولو أطبق “المتعاقدون” من أهل الأرض على الصمت والمهادنة والرضا بالهوان

3 – مواجهة “تأليه السلطان”: كسر الصنم واقتحام عقبة الاستبداد

​     يمثل الاستبداد في نظر الإمام ياسين “أم الخبائث” السياسية والاجتماعية، لأنه لا يكتفي بنهب الأرزاق وتخريب العمران، بل يعمل بمكر على “تأليه السلطان” وتحويل الشعوب المكرمة إلى “قطعان” مستلبة مسبحة بغير ذكر الله، فاقدة للإرادة والكرامة والفاعلية. لقد واجه الإمام بصلابة الفكر الذي روّج له “فقهاء البلاط” والمشرعون الذين جعلوا من الحاكم “نصف إله” أو “ظلاً لله” لا يُسأل عما يفعل، معتبراً أن الاستبداد هو الحجاب الأكبر والمانع الأعظم الذي يحول بين الناس وبين معرفة ربهم؛ فالعبد الذي يُذل للمخلوق ويخضع لغير الله يضعف استعداده الفطري للذل والخشوع للخالق.

      من هنا، كانت “القومة” ضد الظلم عند الإمام هي جوهر الدين النابض، وهي “الاقتحام” الحقيقي لعقبة النفس الأمارة وعقبة المجتمع المقهور. لم يكن الإمام يرى العدل في مجرد تغيير “رأس النظام” أو استبدال وجوه بوجوه، بل في هدم “بنية الاستبداد” العميقة التي تُشرعن الظلم وتُفقر المستضعفين وتُجهل العقول.

      إن العدل هو الذي يحول المجتمع من حالة “الرعية” المغلوبة المذعنة إلى حالة “الأمة” الشاهدة القوية، حيث لا سيادة إلا للحق، ولا كرامة إلا بالتقوى والعمل الصالح. إن الإمام في ممارسته العملية، برفضه القاطع للمساومة على حقوق الأمة وبتحديه التاريخي لرسائل الاستكبار بصرخة “العدل أو الطوفان”، قد وضع “العدل” في مكانه الصحيح كأولوية شرعية ووجودية لا تقبل التأجيل ولا المهادنة، مبيناً بجلاء أن بناء صرح “الإحسان” الفردي لا يمكن أن يرتفع أو يثبت فوق ركام من “الظلم” الاجتماعي البشع، لأن الله سبحانه كما قرر الإمام: “ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة”، وفي هذا القانون الإلهي يكمن سر بقاء الأمم وهلاكها.

​4. العدل والضريبة التاريخية: مروءة الإمام في محنة الثبات

​      إن ما يمنح تنظير الإمام للعدل فرادته ومصداقيته هو أنه لم يكتبه من أبراج عاجية أو وهو في رغد من العيش تحت ظلال السلطة، بل سطر حروفه وهو يعيش “محنة العدل” في نفسه وأهله وجماعته بتمثيل حيّ. لقد دفع الإمام ضريبة كلمته التاريخية “الإسلام أو الطوفان” عشرات السنين من عمره في السجن الانفرادي

والحصار المضروب، ليؤكد بالفعال قبل الأقوال أن المنظر الحقيقي للعدل يجب أن يكون أول المضحين في سبيله وأول المكتوين بنار الثبات عليه.

     كان بإمكان الإمام بيسر أن يلوذ بـ “صمت الفقهاء” المداهنين أو “مهادنة السياسيين” النفعيين ليحوز المناصب والمكاسب، لكنه اختار بوعي “المنهاج النبوي” الشاق الذي يربط رباطاً مقدساً بين العلم والموقف، وبين الفقه والتضحية. إن هذا الثبات التاريخي الراسخ هو الذي أعطى لفكره تلك “المصداقية الوجودية” التي تجذب القلوب؛ فالقارئ اليوم لا يقرأ مجرد نظريات جافة في “السياسة الشرعية”، بل يقرأ تجربة “رجل قومة” جسّد في كينونته خصلة “الجهاد” و”البذل” القصوى من أجل استعادة ميزان “العدل”.

       إن العدل عند الشيخ ياسين هو “مروءة” المؤمن الصادق التي تأنف من العيش الذليل في كنف الظلم، وهو “تكليفٌ قدري” يهدف إلى استعادة سيادة الأمة المغتصبة وتوزيع ثرواتها بالحق، وحماية المستضعفين من تغول الأقوياء والمترفين. وبذلك، قدم الإمام أطروحة “العدل” كجواب تاريخي حاسم على فشل المشاريع العلمانية واليسارية في المنطقة، وكبديل رباني يعيد للإنسان كرامته المهدورة وللأمة دورها المفقود في الشهادة على العالمين، في تناغم بديع يجعل من “العدل” ثمرة ناضجة لغرس “الإحسان” ودوام “الذكر”، وبدون هذا العدل يظل الإيمان دعوى لا بينة عليها، والإسلام طقوساً بلا روح.

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (6)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (7)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (8)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.