المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (8)
عبد الغني منتصر
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (8)
بقلم: عبد الغني منتصر
الفصل الثالث: ثنائية العدل والإحسان.. ميزان الاستقامة المنهاجية
المبحث الأول: الإحسان كغاية وجودية.. سؤال المصير في مواجهة عبثية المادة وانكسار التاريخ
1 – الإحسان كغاية وجودية وسؤال المصير في مواجهة عبثية المادة
ينطلق الإمام عبد السلام ياسين في تأصيله لمفهوم “الإحسان” من نقطة مركزية جوهرية يغفل عنها جلُّ المنظرين السياسيين والاجتماعيين المعاصرين، وهي “سؤال المصير” الفردي والجمعي؛ فبينما غرق الفكر المادي الحديث، بتجلياته الماركسية والليبرالية والوجودية، في تدبير شؤون “الإنسان-الآلة” أو “الإنسان-المستهلك”، وحصر سعادته في حدود رغيف الخبز أو صندوق الاقتراع، جاء الإمام ليعيد الاعتبار للبعد الأخروي باعتباره المحرك الأساس لكل فعل أرضي.
إن الإحسان عند الإمام ليس مجرد رتبة تعبدية معزولة، بل هو أن “تعبد الله كأنك تراه”،وهو الجواب العظيم والوحيد على تساؤلات الوجود الكبرى التي أرهقت العقل البشري: “من أنا؟ وإلى أين المسير؟”، فالمؤمن الذي لا يشغله لقاء الله لا يمكنه أن يثبت في ميادين العدل ولا أن يقاوم إغراءات السلطان ورهباته. وهنا يبرز الفرق الشاسع والمنفصم بين “إحسان المنهاج” وبين “خلاص” الفلاسفة الوجوديين كـ “سارتر” الذي رأى في الآخرين جحيماً وعبئاً، أو “نيتشه” الذي أعلن موت الإله ليصنع إنسانه المتفوق (السوبرمان) المرتكز على غطرسة القوة؛
فالإمام يرى أن “الإنسان المتفوق” حقاً هو الذي ينتصر على أهواء نفسه ليكون عبداً خالصاً لله، موقناً أن الدنيا مجرد قنطرة عبور لدار البقاء. إن هذا البعد الإحساني هو الذي شكل الدرع الحصين الذي حمى الإمام في سنوات سجنه الطويلة وحصاره المرير؛ فبينما كان المنظرون “الجافون” ينهارون نفسياً أمام سطوة الجلاد لأن مرجعيتهم مادية نفعية تخشى الفناء، كان الإمام يزداد طمأنينة ويقيناً، لأنه لم يكن يرى السجن ضيقاً مادياً، بل كان يراه “خلوة” مع المحبوب، محققاً بذلك مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
فالإحسان هنا هو “الاستعلاء الإيماني” المطلق على الظلم، وهو الكيمياء التي تحول المحنة إلى منحة، وتجعل من الكلمة حقاً لا يُساوم عليها، لأن عيني المؤمن مرتحلة دائماً إلى ما وراء الحُجب، حيث مقام الرضى والشهود الذي يُقزم جبروت الطواغيت مهما علا شأنهم في ملكوت المادة الفاني.
2 – جذور الانفصال: الانكسار التاريخي ونشوء “فقه التبرير” وشرعنة القعود
لا يمكن اختزال الانفصام الذي رصده الإمام ياسين بين قيمتي “الإحسان” و”العدل” في سياق المواجهة الحديثة مع الغرب؛ إذ يذهب التحليل إلى أبعد من ذلك، كاشفاً عن جرح تاريخي قديم يعود إلى اللحظة التي تحولت فيها العروة الوثقى للحكم من شورى راشدة إلى” مُلك عاضّ” يعتمد السيف وسيلة والحمية القبلية عصبية. هذا الانعطاف التاريخي الحاد وضع النخب من “العلماء والفقهاء” أمام معضلة أخلاقية ووجودية كبرى:
فإما المصادمة والمنازلة التي قد تؤدي وفق تقديرهم إلى تفتيت وحدة الأمة (بيضة الإسلام)، وإما القبول بالأمر الواقع المرير تحت شعار “درء المفسدة الكبرى”. ومع مرور الزمن، استطاب الكثير من الفقهاء هذا “القعود الاضطراري” فتحول بفعل العادة والضغط من “رخصة للضرورة” إلى “عزيمة مذهبية” تُشرعن للاستبداد وتُلبسه لبوس الدين، ونشأ ما سماه الإمام ياسين بـ “فقه السلم الاجتماعي القهري” أو “فقه الانتظار”؛ حيث تم تغليب الحفاظ على “أمن الدولة” -ولو كان ظالماً- على حساب قول الحق وصرخة العدل.
هذا الانحراف أدى إلى نوع من “العلمنة الباطنية” الصامتة في صلب الفكر الإسلامي، انفصل فيها الوازع الإيماني الإحساني عن التدبير السياسي والعدلي، وأصبح الفقيه في كثير من الأحيان مجرد “موظف” في بلاط السلطان، يفتي بما يشتهيه الحاكم مقابل الحماية والمكانة، بينما اعتزل الكثير من “الصالحين” في زواياهم وتكاياهم يبكون على ضياع الدين في غيبة عن الواقع، تاركين الميدان لسياسةٍ لا دين لها تُدبر بمكر القوة، ودينٍ لا سياسة فيه يُختزل في طقوس معزولة، وهو ما اعتبره الإمام ضرورة قصوى لـ “استئناف” المسير التاريخي لإعادة وصل ما انقطع بين محراب العبادة وميدان الشهادة على الناس، وتصحيح مسار الأمة عبر نقض “العقل التبريري” الذي قنن للقعود وصادر إرادة القومة.
3- نقد العقل التبريري: بين وهن “بيضة الأمة” وعزيمة “روح الشريعة”
لقد فنّد الإمام ياسين بصرامة واقتدار تلك الحجج الواهية التي تذرع بها “علماء القعود” عبر العصور، والذين طالما رفعوا شعار “حفظ بيضة الأمة” لتبرير السكوت عن اغتصاب السلطة وضياع حقوق المستضعفين؛ إذ يرى الإمام أن “البيضة” التي لا تحفظ “الروح” والكرامة هي مجرد قشرة جوفاء لا قيمة لها، وأن الأمة التي تضحي
بالعدل من أجل استقرار موهوم تنتهي حتماً إلى ضياع الاستقرار والعدل معاً في دوامة الاستبداد.
إن تغول “المنطق البيروقراطي الفقهي” الذي جعل من الحاكم “ظلاً لله في الأرض” لا يُسأل عما يفعل، كان هو الثغرة الكبرى والقاتلة التي نفذت منها المادية الحديثة بآلاتها التدميرية لاحقاً؛ فعندما غاب من الساحة “الإنسان القومة” الذي يجمع بين التبتل الخاشع في المحراب والصلابة المبدئية في الموقف، خلت الساحة لمنظري “المصالح المرسلة” التي أصبحت تُفصّل على مقاس المستبدين وشهواتهم. وهنا تبرز شجاعة الإمام ياسين الفكرية التي تجاوزت “عُقد التاريخ” ونقدت “التراث التبريري” الذي كبّل عقل الأمة لقرون، حيث لم يكتفِ بنقد الفلسفات الغربية الوافدة، بل أراد إعادة صياغة مفهوم “العالم” ليكون هو “الموقّع عن رب العالمين” بصدق الموقف وبذل النفس لا بزخرف القول والمداهنة.
لقد أدى الإمام ضريبة هذا الالتزام الوجودي من حريته وصحته وعمره، ليثبت للخاص والعام أن فكره ليس “حبراً على ورق” أو ترفاً فكرياً، بل هو “دمٌ يسري في عروق المواقف”، معتبراً أن “درء المفسدة” الحقيقي يكمن في استئصال شأفة الاستبداد لا في التعايش معه، لأن الظلم هو المفسدة الكبرى التي تخرّب العمران وتُفسد القلوب وتُهلك الحرث والنسل، وبدون هذا التشخيص الجريء يظل “الإحسان” ناقصاً والعدل بعيد المنال.
4 – مدرسة الإحسان ومواجهة “مثقفي الاستقالة” في العصر الحديث
وفي هذا السياق الممتد من عتمة الماضي إلى تعقيدات الحاضر، يضع الإمام ياسين فكر “الإحسان” في مواجهة حاسمة ثانية مع “المثقفين الحداثيين” الذين استقالوا من مسؤوليتهم الأخلاقية وانبهروا بالنموذج الغربي بتبعية عمياء، ظانين واهمين أن النهضة تكمن في استيراد القشور المادية مع طمس الهوية الروحية للأمة. يرى الإمام أن “الإحسان” هو الترياق الوحيد والفعال لداء “الوهن” (حب الدنيا وكراهية الموت)، وهو الداء النفسي الذي استغله المستبدون لتركيع الأمة قديماً وحديثاً وتدجين إرادتها.
فبينما كان بعض “المفكرين” يجدون في النظريات الغربية مبررات لتجاوز “الدين” بدعوى التحديث واللحاق بركب التطور، كان الإمام يصدح بقوة بأن التحديث الحقيقي والسيادة الفعلية تبدأ من “تحرير الإنسان” من قبضة نفسه وشهواته أولاً، ومن قبضة الجلاد وأنظمته ثانياً. إن “الرجل القومة” عند الإمام هو الذي لا ينفصل إحسانه القلبي وتزكيته الروحية عن جهاده الميداني ومدافعته للظلم؛ فالتصوف عنده ليس “دروشة” انسحابية أو هروباً إلى الزوايا كما أراد لها بعض
فقهاء التخدير والسلاطين، بل هو “تعبئة روحية” شاملة وإعداد للذات لاقتحام العقبة. إن هذا الثبات في الموقف، وهذا الثبات الأسطوري في المحنة وسط تلاطم أمواج الفلسفات المادية وتخاذل فقهاء التبرير، هو الذي أعطى لفكره المصداقية التاريخية والجاذبية الروحية، حيث قدم الإمام قراءة “استثنائية” أعادت الاعتبار لكرامة الإنسان بوصفه عبداً لله قبل كل شيء، ومسؤولاً عن إقامة القسط في الأرض كجزء أصيل وجوهري من عبادته وإحسانه.
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)
المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)