منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

 

المبحث الثالث: سريان الروح.. أثر المصحوب وقنوات البث

 1-  سيمياء التغيير وانتقال الحال: كيف يربي المصحوب بصمته؟

         يرى الإمام عبد السلام ياسين أن جوهر العملية التربوية العميقة لا يكمن أبداً في “شحن العقول” بالمعلومات الجافة أو حشو الذاكرة بالمفاهيم النظرية، بل في “قدح زناد القلوب” واستنهاض الهمم التي خملت تحت وطأة الغفلة، وذلك عبر وسيط بشري حي يجسد قيم الإيمان بصدقه وحاله السامي؛ ومن هنا يبرز أثر “المصحوب” كعامل حاسم في سيمياء التغيير النفسي والمصيري لدى المؤمن. إن المصحوب في مدرسة المنهاج ليس مجرد “رئيس تنظيم” يعطي الأوامر، أو “منظر فكري” يسطر النظريات، بل هو “وارث نبوي” يسري نوره في جلسائه عبر المعية والمؤانسة والصدق، فبقدر ما تكون مرآة المصحوب صافية، وقلبه موصولاً بحضرة الله، بقدر ما ينعكس ذلك الصفاء تلقائياً على “الصاحب” فيرى من خلاله حقيقة نفسه وعيوب سيره التي كانت تخفى عليه

      إن هذا الأثر الروحي يتجلى في تحول مذهل يطرأ على إرادة المؤمن؛ حيث تتبدل لديه الأولويات الكبرى، ويتحول الفتور القاتل إلى عزيمة وثابة، والشك المريب إلى يقين راسخ، والتعلق بالأغيار الفانية إلى تعلق بالواحد القهار الذي لا يفنى، وذلك عبر ما يسميه الإمام “العدوى الإيمانية” التي تنتقل بالمجالسة والمحبة العميقة.

       إن المصحوب يربي بصمته المهيب قبل نطقه الحكيم، وبالفعل السلوكي قبل القول اللساني، حيث يجد المؤمن فيه “النموذج الحي” والقدوة المجسدة التي لا تلهيها تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ولا يثنيها خوف من بطش أو طمع في عرض عن قول كلمة الحق الصراح، مما يولد لدى الصاحب قوة روحية باطنية جبارة تسمى “المروءة”. هذه المروءة هي التي تجعله يأنف من حياة الغفلة والقعود، ويندفع بشوق نحو ميادين الجهاد والمدافعة بقلب ثابت وجوارح مسخرة، موقناً أن صحبته للصادقين هي “الباب الملكي” لنيل رضوان الله وتحقيق الفلاح الحقيقي في الدارين، وهي الحصن الحصين الذي يحميه من السقوط في فخاخ النفس الأمارة بالسوء التي قد تحجب عنه أنوار الحق في زمن الفتنة والابتلاء.

 2 – قنوات البث المنهاجي: من مجالس النصيحة إلى رباطات الصدق

       لم يترك الإمام ياسين مفهوم “الصحبة” العالي عائماً في فضاء العواطف المجردة أو الخيالات الصوفية المنعزلة، بل جسده في “قنوات حركية” ومحاضن تربوية مبتكرة تضمن سيولة هذا النور وسريانه في كافة أوصال الجماعة من القيادة إلى القواعد. فابتكر الإمام ما يعرف بـ “مجالس النصيحة” و”الرباطات” لتكون بمثابة “مختبرات روحية” ومصانع لسك العملة الإيمانية وصياغة الشخصية المنهاجية المتزنة. في هذه

المجالس، التي يغيب فيها المنطق الإداري الجاف والتراتبية البيروقراطية ليحل محلها منطق “الذكر والتبتل والتذلل للخالق”،

       كان الإمام يبث “السر” في قلوب الإخوان، محولاً الجماعة من مجرد تنظيم بشري تقليدي إلى “كيان ذي روح” يسري فيه نفس واحد وقصد واحد ومصير واحد. إن “الرباط” عند الإمام هو مدرسة “الانقطاع الكامل” عن ضجيج الدنيا الفاني للاتصال التام بالحق سبحانه، حيث يتم في هذه المحاضن “تلقيح” المؤمنين ضد فيروسات الأنانية المستشرية ووهن الإرادة القاتل.

      ومن خلال هذه القنوات المفتوحة دائماً، انتقلت الصحبة من شخص الإمام إلى القيادات الربانية، ومن القيادات تغلغلت في القواعد الحركية، حتى أصبحت الجماعة في مجموعها “جماعة صحبة” تتنفس بذكر الله وتتحرك بأمره في تناغم بديع. إن هذا البث المنهاجي المنظم يهدف بالأساس إلى صناعة “الصمود التاريخي” للأمة؛ فالرجل الذي سُقي بماء الصحبة الصافي في هذه المجالس الربانية يكتسب صلابة روحية ويقيناً لا يتزعزع، يجعله لا يبيع دينه بعرض زائل من الدنيا، ولا يكسره سياط الظلم الغليظة أو إغراءات السلطان الجبري حين تلوح في الأفق.

      إنها “هندسة نبوية” دقيقة ومحكمة تضمن بقاء “الروح” هي القائدة والموجهة “للتنظيم”، فلا يتحول الجسد الحركي مع مرور الزمن إلى صنم بيروقراطي يقدس ذاته، بل يظل جسداً حياً، نابضاً بالحب في الله، ناصراً للمستضعفين بصدق، وقادراً على الزحف الواثق نحو موعد الاستخلاف بقلوب يملؤها اليقين وجوارح يحدوها الأمل المطلق في وجه الله الكريم ورضوانه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.