المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)
منتصر عبد الغني
الفصل الأول: أولوية التربية ومنطق المنهاج في صناعة الرجال
تصدير الفصل: في البدء كان القلب
يفتتح الإمام عبد السلام ياسين صرح “المنهاج النبوي” بقرار استراتيجي حاسم لا يقبل المساومة: التربية أولاً، والتربية دائماً. إن هذا الفصل ليس مجرد مدخل وعظي، بل هو تشريح لـ “فلسفة المبتدأ” في العمل الإسلامي المعاصر. يرى الإمام أن أي انشغال بالهياكل السياسية أو التفاصيل التنظيمية قبل بناء “الإنسان المؤمن” هو بناء على شفا جرف هار؛ فالقضية ليست قضية “نصوص وقوانين”، بل قضية “نفوس وموازين”. سنبحر في هذا الفصل لنكتشف كيف جعل الإمام من “تغيير ما بالأنفس” شرطاً سننياً لتغيير ما بالتاريخ، وكيف حول “اقتحام العقبة” من مفهوم تجريدي إلى برنامج عملي لصناعة “الرجل القومة” الذي يجمع بين رقة السجود وشدة الجهود.
المبحث الأول: فلسفة المبتدأ: لماذا التربية أولا
1- حتمية التغيير الداخلي: الإنسان هو المبتدأ والغاية
ينطلق الإمام عبد السلام ياسين في تشييد صرح المنهاج النبوي من يقين راسخ بأن أزمة الأمة في جوهرها وحقيقتها التاريخية ليست مجرد أزمة تدبير سياسي عابر، أو قصور في التنظير الدستوري، أو تعثر في إدارة الموارد الاقتصادية؛ بل هي قبل كل شيء، وبعد كل شيء، أزمة “إنسان” انفرطت عرى إيمانه فوهنت إرادته عن حمل أمانة الاستخلاف الثقيلة. ولذلك، يضعنا الإمام أمام حقيقة قرآنية صارمة وقاعدة سننية لا تحابي أحداً ولا تتخلف في زمان أو مكان،
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. إن هذا “التغيير ما بالأنفس” في مدرسة المنهاج ليس مجرد وعظ أخلاقي عابر أو ترف روحاني ينتهي بانقضاء مجالس الذكر، بل هو عملية “إعادة بناء شاملة” لكيان المؤمن من أساسه، تبدأ من سكون الليل الموحش بالتبتل قبل ضجيج النهار الممتلئ بالحركة، ومن عمارة القلوب باليقين الصادق قبل تشييد الهياكل بالتنظيم الدقيق.
فالإنسان عند الإمام هو المبتدأ وهو الغاية في آن واحد، وكل زحف ميداني صاخب لا يسبقه بناء حصين للنواة الصلبة من “الرجال الربانيين” هو في حقيقته زحفٌ واهن، محكوم عليه بالارتهان لردود الأفعال القاتلة أو السقوط في فخاخ الفتنن العمياء وشهوات السلطان الغلابة التي أفسدت تجارب إسلامية شتى عبر التاريخ الطويل.
إن أسبقية “التربوي” على “التنظيمي” تعني بالضرورة رفضاً باتاً لـ “التغيير الفوقي” الذي لا يغير إلا الوجوه والأسماء، بينما تظل النفس الأمارة بالسوء هي المحرك الخفي لآلة الحكم. إن المنهاج ينشط في “التغيير الجذري” الذي يبدأ بتحرير إرادة الفرد من عبودية الهوى والشيطان، لتكون هذه الإرادة الموصولة بالله هي الوقود المقدس الذي يحرك آلة المجتمع نحو العدل الشامل. فالتربية هي التي تمنح التنظيم “روحه” الوثابة وتحميه من أن يتحول مع الأيام إلى “صنم بيروقراطي” يقدس الوسيلة وينسى الغاية الكبرى، وهي الضمانة الروحية الوحيدة لكي يظل المؤمن موصولاً بربه في خضم المدافعة الشرسة؛ فلا تُفسده أضواء الشهرة، ولا يكسره ثقل الابتلاء، ولا تُغريه المناصب والمكاسب حين تلوح في الأفق، ليظل العبد عبداً لله وحده في السراء والضراء.
2 – اقتحام العقبة: من فك رقبة النفس إلى تحرير إرادة الأمة
يأخذنا الإمام ياسين في غوص معرفي ووجداني عميق لفهم معنى “الحركة التاريخية” من خلال مصطلح قرآني مركزي صبغه بصبغة المنهاج وهو “اقتحام العقبة”، مستلهماً ذلك من نبض الوحي في سورة البلد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾. إن “العقبة” في المنظور المنهاجي ليست مجرد عوائق خارجية مادية، أو أسلاك شائكة يضعها الطغاة في طريق الأحرار، بل هي أولاً وقبل كل شيء تلك “الحجب الكثيفة” من الأنانية المفرطة، والجبن الخفي، والتعلق المرضي بزخرف الدنيا، التي تمنع الروح من السمو والارتقاء نحو باريها. ولذلك، فإن “فك الرقبة” عند الإمام يبدأ من تحرير رقبة المؤمن نفسه من أسر الهوى، وسلطان الغفلة، وقيود العادات البالية؛ فالمؤمن الذي لم يذق طعم التحرر في باطنه لا يمكنه أبداً أن يحرر غيره في الظاهر، والذي لا يزال أسيراً لشهواته المخبأة لن يصمد طويلاً أمام سياط المستبدين أو إغراءات المترفين.
إن هذا “الاقتحام” هو جوهر التربية الجهادية التي تمزج ببراعة بين “تزكية الباطن” و”إصلاح الظاهر”، حيث يتحول المؤمن في هذا المحضن من كائن سلبي يستجدي الخلاص الفردي في زوايا الانعزال الباردة، إلى “فاعل تاريخي” يقتحم عقبات الواقع المأزوم بمدافعته للظلم ونصرته للمستضعفين، في هجرة مستمرة نحو الله لا تنقطع ولا تخبو بتغير الأحوال والظروف. إنها تربية تهدف بالأساس إلى إخراج “الرجل القومة”؛ ذلك الأنموذج الفذ الذي يجمع في تضاعيف شخصيته بين “رقة القلب” الخاشع في المحراب في جوف الليل، وبين “شدة البأس” والثبات في ميدان المدافعة في رابعة النهار.
وبذلك، يتحقق التوازن الدقيق بين نداء السماء السامي ومتطلبات الأرض الواجبة، مؤكداً الإمام من خلال هذا المفهوم أن تحرير الأمة من قيود “الملك الجبري” لا يمكن أن يمر إلا عبر بوابة تحرير الفرد من سطوة “نفسه الأمارة”، لتكون كل خطوة في الزحف نحو العدل هي في حقيقتها ثمرة يانعة لانتصار روحي سابق تحقق في ساحات المجاهدة والتبتل والذكر الطويل، فلا نصر في الميادين ما لم يسبقه نصر في الخلوات.