منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (7)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (7)

عبد الغني منتصر

الفصل الثاني: الخصال السلوك العشر.. برنامج الصياغة وزاد المسير

المبحث الثاني: فقه البناء والإعداد.. في رحاب العلم والعمل والسمت الحسن

1- خصلة العلم: من البصيرة بالحق إلى فقه الاستخلاف الحضاري 

       يمثل العلم في مدرسة المنهاج النبوي “النور” الكاشف الذي يبدد ظلمات الحيرة والشك، ويضبط بوصلة السير في دروب الآخرة ودقائق نصرة الأمة؛ فهو ليس مجرد تحصيل أكاديمي للمعلومات أو استظهار بارد للمتون والكتب، بل هو “العلم بالله” ومقامه أولاً، و”العلم بأمر الله” وشريعته ثانياً، و”العلم بواقع الأمة” وتحدياتها ثالثاً.

       ينطلق الإمام في تأصيله لهذه الخصلة من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]، ليؤكد أن العلم اللدني القلبي هو الأساس المتين لكل علم حركي أو سياسي، فإذا غاب نور الوحي عن العقل ضلَّ وتآه في دهاليز الفلسفات المادية الجافة. إن العلم المنهاجي هو الذي يحرر المؤمن من “الأمية القرآنية” المهلكة ويجعله فقيهاً بسنن الله في الكون والمجتمعات، قادراً على قراءة التاريخ واستشراف المستقبل بميزان الوحي الصافي.

       إن الإمام يريد “عالمَ مِلة” صادقاً لا “عالمَ دولة” أجيراً، يريد المؤمن الذي يجمع بين “فقه الأحكام” التعبدية و”فقه الواقع” المعقد، ليكون قادراً على الإجابة عن تساؤلات العصر الحارقة وتحديات العولمة والنهضة الحضارية. إنها خصلة تُربي في الجندي الرباني “البصيرة النافذة” التي تمنعه من الانخداع بالشعارات الجوفاء، وتجعله

يدرك يقيناً أن “العقبة” لا تُقتحم بجهل مطبق، بل بعلم راسخ يربط الأرض بالسماء، ويجعل من فريضة “طلب العلم” من المهد إلى اللحد عبادة مستمرة وجهاداً لا ينقطع. والهدف هو أن يكون للمؤمنين قدم صدق في بناء حضارة “الإيمان والعدل” التي تخرج الناس من ضيق الدنيا الفانية إلى سعة الآخرة الباقية، ومن جور الأديان والنحل المادية المستبدة إلى عدل الإسلام وجماله الفطري، ليتحول العلم من “ترف ذهني” إلى “قوة تغييرية” في يد المستضعفين.

2 – خصلة العمل: نجاعة الإنجاز وعبادة الإتقان في ميادين البناء

      وإذا كان العلم هو “البصيرة” المرشدة، فإن “العمل” هو التجلي الواقعي لتلك البصيرة، والبرهان الساطع على صدق الإيمان المدعى؛ ففي المنهاج النبوي، لا يُقبل إيمانٌ قعد بصاحبه عن نفع الناس وعمارة الأرض بالخير. يستدل الإمام بقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، ليرسخ في روع الجماعة أن “قيمة المرء ما يُحسنه” من عملٍ متقن يخدم مشروع الأمة الكبير.

      إن خصلة العمل هنا تعني “الاحترافية” العالية، والنجاعة الميدانية، والهروب من “داء العجز والكسل” الذي استعاذ منه النبي ﷺ صباح مساء. فالإمام ياسين يرفض بشدة ذلك “التدين الهش” الذي يكتفي بالأوراد القلبية مع تضييع الأمانات الدنيوية والمهنية؛ بل يريد المؤمن الذي يتقن فنه، ويجود صنعته، ويدير وقته بميزان الذهب الدقيق، ليكون قوة اقتصادية وعلمية وإدارية تُسهم في كسر طوق التبعية المذلة للخارج.

     العمل في المنهاج هو “جهادٌ يومي” مستمر يتجلى في الصبر على الشدائد، وفي الإبداع في الوسائل، وفي تحمل المسؤولية بصدر رحب، وهو الذي يحول “الأفكار النبوية” النظرية إلى “حقائق اجتماعية” ملموسة تمشي على قدمين بين الناس. إن الإمام يلحُّ إلحاحاً شديداً على أن يكون المؤمن “رجل عمل” بامتياز، لا “رجل كلام” وسفسطة وفلسفة، متمثلاً قول الصادق المصدوق ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. وبذلك يصبح العمل في المهنة، والعمل في التنظيم، والعمل في الأسرة، كلها “شعباً إيمانية” تصب في مجرى واحد وهو “إقامة القسط”، لتكون الأمة منتجة لا مستهلكة عالة، ومتبوعة لا تابعة ذليلة، وقائدةً لا مقودة، في تناغم بديع يجعل من حركة الجوارح تسبيحاً عملياً لله وعمارة لملكه الواسع.

3 – خصلة السمت الحسن: دعوة الحال وجمال الهوية المسلمة في وجه القبح المادي 

       تأتي خصلة “السمت الحسن” لتتوج العلم والعمل بجمال الأخلاق ووقار المسلك، وهي الخصلة التي تجعل المؤمن “رسالة صامتة” و”قرآناً يمشي” يدعو إلى الله بجاذبية “الحال” قبل قوة “المقال”. يستلهم الإمام هذه الخصلة من الهدي النبوي الذي جعل “حُسن السمت” جزءاً أصيلاً من أجزاء النبوة، مؤكداً أن المؤمن المنهاجي يجب أن يكون هيناً ليناً، وقوراً من غير كبر، ومتواضعاً من غير ذلة، يحمل في وجهه “بشر الإيمان” وفي سلوكه “رقي الإسلام”.

       إن السمت الحسن هو “الفن الجمالي” في الدعوة؛ وهو الذي يحمي المؤمن من داء الفظاظة والغلظة التي تنفر الناس من الحق وتغلق القلوب، ممتثلاً قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. في مجتمعات طغت فيها الماديات الجافة وشاعت فيها الأخلاق الهابطة والاستهلاك المسعور، يبرز “السمت الحسن” للمؤمن كعلامة فارقة و”مروءة” شاهقة، تدل على أن هذا “المحضن التربوي” يخرج رجالاً يملكون أدب النبوة ووقار الصالحين الأوائل.

      إن السمت الحسن هو الثمرة الطبيعية لـ “الصحبة” وعلامة الصدق في “الذكر”، وهو الذي يكسو العاملين للإسلام هيبةً في قلوب الخصوم ومحبةً في قلوب المستضعفين، ويجعل من الجماعة “مغناطيساً” جاذباً للنفوس التواقة للكمال. إن الناس يقرؤون في “وجهك” وسلوكك قبل أن يقرؤوا في “كتابك” أو منشورك، فإذا وجدوا صدقاً وجمالاً وطهارة أقبلوا بقلوبهم، وإذا وجدوا عبوساً وشقاقاً أدبروا. وبذلك يكتمل بهذا الثالوث (العلم والعمل والسمت) صورة المؤمن المتكامل الذي يجمع بين قوة العقل، ونجاعة اليد، وجمال الروح، فيصبح بحق “رحمة مهداة” لكل من رآه أو جالسه.

​المبحث الثالث:قوة المدافعة واستجماع الأسباب.. في رحاب البذل والاقتصاد والجهاد

1 – خصلة البذل: تطهير النفس من الشح وعمارة ميادين النصرة التاريخية

       تمثل خصلة “البذل” في المنهاج النبوي القنطرة الضرورية والحتمية للانتقال من دعوى “الإيمان اللساني” السهل إلى حقيقة “التضحية العملية” المرة، وهي الاختبار القاسي الذي تتهاوى عنده ادعاءات الكاذبين؛ إذ لا يستقيم حب الله في قلب مع “عبادة الدرهم والدينار”، ولا يستقيم طلب الآخرة مع الإمساك عن نصرة المستضعفين بالمال والنفس. ينطلق الإمام في هذا الباب من قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، ليؤكد أن البذل هو “علاجٌ كياني” لمرض الشح الوبيل الذي أهلك الأمم السابقة، وهو المدخل الوحيد لكسر طوق “الوهن” (حب الدنيا وكراهية الموت) الذي أصاب جسد الأمة بالهزال.

      فالبذل عند الإمام لا يقتصر على بذل المال الفائض فحسب، بل هو بذل “الوقت” الثمين، و”الجهد” المضني، و”العمر” الفتي، و”الجاه” المسموع، في سبيل إنجاح مشروع الله في الأرض؛ فالجندي الرباني هو من يجعل ماله خادماً لدينه، لا دينه وسيلة لجمع ماله.

     إن البذل هو الذي يغذي “بيت مال المسلمين” ومشاريع الجماعة الدعوية والاجتماعية والتعليمية، وهو الضمانة الكبرى لاستقلالية القرار الإسلامي وحريته بعيداً عن ارتهان التمويلات المشبوهة أو شروط المانحين المستكبرين. وبذلك يصبح البذل “جهاداً مالياً” يسبق في الترتيب والمشقة أحياناً جهاد النفس، وتزكيةً للروح تجعلها خفيفة الحمل، مستعدة لاقتحام العقبة الكؤود دون أثقالٍ أرضية تجذبها نحو الحضيض. البذل هو الذي يحول الجماعة من “ظاهرة صوتية” إلى “قوة مؤسساتية” قادرة على رعاية شؤون الناس ومداواة جراحهم.

2 -خصلة الاقتصاد: فقه القوة الإنتاجية وكسر أغلال التبعية للمستكبرين

      تأتي خصلة “الاقتصاد” لتكمل دائرة القوة المادية المنشودة، وهي في فكر الإمام ياسين تتجاوز المعنى الضيق لـ “التوفير” المنزلي لتصل إلى آفاق “فقه القوة الاقتصادية للأمة”. يستلهم الإمام هذه الخصلة من هدي القرآن الكريم في حسن التدبير، ومن قوله ﷺ: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”؛ ليؤسس لرؤية اقتصادية إسلامية أصيلة ترفض الاستهلاك العبثي والتبذير المفسد الذي تروج له الرأسمالية المتوحشة، وتدعو في المقابل إلى الكدح، والإنتاج، والتصنيع، والابتكار.

       إن الاقتصاد المنهاجي هو السعي الحثيث لامتلاك “أقواتنا وأدواتنا” بأيدينا، فلا كرامة ولا سيادة لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تصنع وتتحرك بما لا تخترع. يلحُّ الإمام  على أن المؤمن يجب أن يكون “رقماً إنتاجياً” صعباً في مجتمعه، ناجعاً في تدبير موارده المتاحة، محارباً بضراوة للفقر والبطالة اللذين يمثلان بيئة خصبة للاستلاب الفكري والديني وضياع المروءة.

      إن الاقتصاد هنا هو “اقتصاد القوة” الذي يحقق الاكتفاء الذاتي الكفيل بتحرير قرار الأمة السياسي من ضغوط وصندوق النقد وقوى الاستكبار العالمي؛ فالمؤمن المقتصد هو الذي يحسن استغلال الوقت والمال والجهد ليكون فاعلاً في معادلة “الشهود الحضاري”، وهو الذي يدرك بعمق أن “عمارة الأرض” جزء لا يتجزأ من عبادة الله الحق. وبذلك تتحول كل حركة في السوق، أو في المصنع، أو في المختبر، إلى “تسبيحة” في محراب البناء الإنساني، تهدف بوضوح إلى استرجاع عزة المسلمين المفقودة وصيانة كرامة المستضعفين في الأرض من نهب الشركات العابرة للحدود.

3- خصلة الجهاد: ذروة سنام الإسلام ومحرك التغيير التاريخي الشامل

     تتوج خصلة “الجهاد” خصال السلوك كلها، فهي “ذروة سنام الإسلام” والمقصد الأسمى الذي تذوب فيه كل التربية وكل الإعداد وكل الخصال السابقة؛ إذ لا معنى لصحبة، ولا ذكر، ولا صدق، ولا علم، إذا لم تثمر في النهاية “روحاً جهادية” وثابة قادرة على مدافعة الباطل وإقامة الحق والعدل. ينطلق الإمام من الوعد الإلهي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، ليؤكد أن الجهاد المنهاجي هو “حركة شاملة” لا تختزل في السلاح وحده؛ بل تبدأ بجهاد النفس (الجهاد الأكبر) لتطهيرها من رعوناتها، وتمر عبر جهاد الكلمة والبيان لمواجهة التضليل الإعلامي والفكري، وصولاً إلى جهاد المدافعة السياسية والاجتماعية لكسر نظام “الجبر” الجاثم وإقامة نظام “الشورى والعدل” الموعود.

      إن الجهاد عند الإمام ليس انفعالاً طائشاً أو عنفاً أعمى يخدم الأجندات المشبوهة، بل هو “بذل للمستطاع” بذكاء، وتدبير، ورؤية استراتيجية، وهو التزامٌ بميثاق الله الغليظ لنصرة دينه وإعلاء كلمته. إن المؤمن لا يعيش لنفسه الضيقة، بل يعيش لأمته الكبيرة، وجاهزٌ دوماً للتضحية بأغلى ما يملك ليرى راية الإسلام خفاقة بالعدل والرحمة والجمال.

       إن الجهاد هو الذي يمنح الجماعة “هويتها الكفاحية” ويجعل منها رقماً صعباً لا يلين أمام الضغوط الأمنية أو الإغراءات السياسية، وهو الضمانة لعدم انحراف التربية نحو “الدروشة” السلبية أو “القعود” الانعزالي. فالمؤمن المجاهد هو الذي يجمع في تلاحم عجيب بين رقة القلب في الذكر، وصلابة الإرادة في الميدان، محققاً بذلك النموذج النبوي الكامل الذي غير وجه التاريخ، وممهداً الطريق للموعود النبوي باستخلاف الأمة وتمكينها في الأرض بعد قرون من الانكسار والتبعية، ليكون الدين كله لله.

​خلاصة الفصل الثاني: كمال الشخصية وتمام العدة

​      نصل في ختام هذا الفصل إلى أن “الخصال العشر” ليست مجرد قائمة أخلاقية للتهذيب الفردي، بل هي “برنامج صياغة” متكامل لصناعة الإنسان التاريخي. لقد رأينا كيف تآزرت خصال الباطن (الذكر والصدق) مع خصال العقل (العلم والتؤدة) وخصال الحركة (العمل والبذل والاقتصاد والجهاد) لتشكل في مجموعها “الجندي الرباني” القادر على اقتحام العقبة. إن هذه الخصال هي “الزاد” الذي يحمله المؤمن في رحلته داخل “المحضن” (الصحبة والجماعة). وبعد أن استكملنا رسم ملامح هذه الشخصية التربوية، يضعنا المنهاج أمام السؤال الكبير: كيف تتحول هذه “الطاقات الفردية” المتربية إلى “قوة تنظيمية” زاحفة؟ هذا ما سنبسط القول فيه في الفصل الثالث عند حديثنا عن “هندسة التنظيم وقوانين الجماعة المنهاجية”.

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (4)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (5)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (6)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.