منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

عبد الغني منتصر

0

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (3)

بقلم: عبد الغني منتصر

 

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي(1)

المنهاج النبوي.. استرداد المعنى وانبثاق العمران الأخوي (2)

 

المبحث الثاني: كيمياء المحضن الجامع.. في رحاب الصحبة والجماعة

1 – الصحبة هي المفتاح: من إيمان العادة إلى إيمان الطلب

      يرى الإمام عبد السلام ياسين، بيقين من ذاق وعرف، أن المدخل الوحيد والضروري لكسر طوق الغفلة الجاثم على القلوب هو “الصحبة”، وهي مفهوم مركزي يتجاوز بمراحل ضوئية حدود الزمالة المهنية أو الرفقة العابرة؛ ليكون بمثابة “الرابطة القلبية الوجودية” التي تربط المؤمن بمصادر النور والصدق في هذه الأمة. إن الفلسفة المنهاجية هنا ترفض قاطعةً فكرة “التربية الفردية الجافة” التي تعتمد فقط على تكديس المعلومات من بطون الكتب أو تتبع المحاضرات دون “معية حية” ومجالسة للصادقين. فالمؤمن في مدرسة المنهاج يحتاج ضرورةً إلى “معدٍ إيماني” يقدح زناد قلبه ويوقظ كوامن فطرته التي طمرتها ركام الجاهلية، تماماً كما اقتبس الصحابة الكرام إيمانهم الحي من فيض النبوة وصحبتها المباركة.

      إن الصحبة هي “كيمياء التحول العظمى” التي تنقل العبد من ضيق “إيمان العادة” والوراثة الباردة والمظاهر الجوفاء، إلى رحابة “إيمان الطلب” والكدح والشوق المضني إلى وجه الله عز وجل. إنها معراجٌ روحي يبدأ بالتتلمذ القلبي على يد الصادقين الذين يدلون على الله بـ “حالهم” قبل “مقالهم”، وبـ “صمتهم” المهيب قبل “نطقهم” الرزين، إعمالاً لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

     في هذا الفضاء الروحي الممتد، يصبح “المصحوب” مرآةً صافية لصاحبه؛ لا ليرى فيها كمالاته الموهومة ويغتر بها، بل ليرى من خلال صفائها عيوب نفسه المخبأة وعقبات سيره فيتطهر منها بالذكر والمجاهدة، وليجد في المصحوب الأنموذج الحي الذي يجسد معاني الصبر والمروءة والتبتل في واقع معقد. إن هذا التفاعل الروحي يحول التربية من وعظ نظري بارد إلى “تجربة معاشة” وسلوك حقيقي يغير بنية الشخصية من أساسها، ويجعلها مؤهلة لاقتحام عقبات النفس والواقع بقلب موصول بالله وجوارح مسخرة لخدمة دينه، وبذلك تكون الصحبة هي القنطرة التي نمر عبرها من وحل الأنانية إلى أنوار الولاية.

 2 – الجماعة والصحبة فيها: صياغة البنيان المرصوص وترياق الفاعلية

        إذا كانت “الصحبة” هي الروح السارية والوقود المحرك للقلب الإنساني، فإن “الجماعة” في فكر المنهاج هي الجسد الحي والقالب الحركي المنضبط الذي ينصهر فيه هذا الفيض الروحي ليتحول إلى “فعل تاريخي” هادف ومنظم. إن الإمام ياسين يحذر أشد التحذير من انزلاق التربية نحو “الرهبنة الفردية” أو الانكفاء في زوايا الذكر المنعزلة التي تترك الأمة ومقدراتها نهباً للطواغيت والمستكبرين.

      إن الجماعة هي الحصن الحصين الذي يمنع المؤمن من نزوات “الأنا” الطاغية وتضخم الذات المدمّر، وهي البيئة التربوية التي يتعلم فيها العبد أدب “الشورى” وحلاوة “النصرة” ومرارة “التضحية” في سبيل المبدأ، لتكون العلاقة بين أفرادها قائمة على “الولاية الإيمانية” المتينة لا على التراتبية الإدارية الجافة أو المصالح النفعية الضيقة.

     وهنا يبرز المفهوم الأبهر والأعمق في فكر الإمام وهو “الصحبة في الجماعة”؛ حيث تلتقي طهرانية الروح بفاعلية الحركة في تآلف عجيب، فلا يطغى “العدل” السياسي بمطالبه الصاخبة ومدافعه المادية على “الإحسان” الإيماني بأشواقه اللطيفة وصلته بالغيب، ولا يغرق المؤمن في “أوراده” الشخصية غرقاً ينسيه آلام المستضعفين وجراحات الأمة النازفة. إن الجماعة بهذا المعنى المنهاجي ليست مجرد “تنظيم” بالمعنى الميكانيكي البارد الذي يتحرك كآلة صماء، بل هي “بنيان مرصوص” يشد بعضه بعضاً، يُربي في أعضائه “المروءة” التي تجعل المؤمن يأنف من حياة الدعة والقعود والترف بينما تعاني الأمة من ويلات “الملك الجبري” والتمزق القاتل. إنها القناة التي تضمن استمرارية “العدوى الإيمانية” عبر الأجيال، وتحمي “السر الروحي” من أن يتبخر في زحمة الصراع المحموم على الدنيا، وبذلك يقدم المنهاج ترياقاً ناجعاً يجمع بين “أدب السلوك إلى الله” وبين “فقه المدافعة في سبيل الله”، في وحدة عضوية تجعل من الجماعة “مدرسة للمؤمنين” و”قوة للمستضعفين” في آن واحد، لتكون القوة خادمة للحق والحق مؤطراً بالجمال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.