فِي التَّعَاوُن
يوسف العلوي السليماني
كان يأخذني معه إلى جامع الكتبية بمراكش وأنا طفل حديث السن، فأصعد معه إلى رأس الصومعة للأذان، كان زوج عمتي رحمه الله تعالى مؤذنه حينها، والمرقى إلى رأس المأذنة عقبة داخلية ملساء لولبية كؤود، شاقة المصعد لصبي في التاسعة من عمره، يتعب من الصعود، ومن النزول يخشى الاِنزلاق والخطوات الخاطئة والسقوط للأمام، يُهَوِّنُهَا عنه حب الاِستطلاع مع الفضول والتطلع والاِكتشاف، والعم متزن لا يكل ولا يمل، خمس مرات في اليوم، يواصل الأذان على الدوام.
نظام الصومعة الداخلي عبارة عن ست غرف طباق، في غاية الروعة من حيث الهندسة والزخرفة، يشكل نواة مركزية مربعة تلفَّعت بمنحدر في مقاطع مستقيمة من المستويات المائلة. ينتهي نظام الصومعة قُبيل الوصول إلى الفانوس، حيث يمتد درج واقف قائم. يبلغ مدى قاعدة المئذنة 12.80 متر من كل جانب، ليطول ارتفاع المئذنة إلى مستوى 56.40 متر، وليمتد إلى 77 متر عند قمة الجامور وتبلغ مساحة الفانوس 6.80 مِتر مُربّع، وَيبلغ ارتفاعه 15 مترا.
يُعد جامع الكتبية أحد المعالم الدينية البارزة بالمغرب، شارك في بنائه ثلاثة ملوك من الدولة الموحدية، ويتميز بفرادة في معماره وهندسته. ورغم هذا كله فلقد لجأ أكبر مسجد في المدينة الحمراء، مسجد من أجمل المساجد في العالم الإسلامي الغربي، المعلمة التاريخية، ولجئت مساجد المسلمين جلها وربما كلها تدريجيا إلى اختراعات توماس أديسون، فدخل إليها مصباحه الكهربي ولاقطه الصوتي فاطمأن بهما الإمام والمؤذن والمصلون. أَبْدَع قَوْمُ عيسى عليه السلام فاستفاد المسلمون، كما أبدع المسلمون بالأمس ليستفيد الغرب من علومهم لقرون، فكيف يلج المسلمون باب الإبداع من جديد، ولهم مثل ما أوتي تميم الداري رضي الله عنه؟
قناديل تميم ثم مصابيح توماس
قدِم الصحابي الجليل تميم بن أوْس الداريّ ذات يوم من سفر فحمل معه من الشام إلى المدينة قناديل وزيتًا ومُقْطًا أي حَبْلًا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يومَ الجمعة فأمر غلاما له – يقال له أبو البَرّاد- فقام فشدّ المُقْط..، وعلَّق القناديل وصب فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفُـتُل، فلما غربت الشمس أسْرَجَها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو يُزْهِر؛ فقال: (مَن فعل هذا)؟ قالوا: تميم يا رسول الله، قال : (نَوَّرتَ الإسلام، نَوَّرَ الله عليك في الدنيا والآخرة) رواه سعيد بن زياد بن فائد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هند، وأخرجه أبو موسى.
لم تكن تُعرف قناديل الشام في الجزيرة العربية، فنقلها تميم إلى المدينة المنورة، لتنير المسجد، ويستخدمها المسلمون، أتى بها من بلد آخر، ومن حضارة أخرى، حضارة البيزنطيين، الإمبراطورية البيزنطية، الإمبراطورية الرومانية الشرقية أو الرُّوم، وهي دولة مسيحية حينئذ؛ نقف هنيهة عند الكلمة النبوية المحفزة مشجعة الإبداع، نتدبرها. لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبا تميم وداعيا الله له: (نورت المسجد) بل قال: (نورتَ الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة).
قال الله عز وجل:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾[1]
بماذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال التعاون وسنّه فوجب على المسلمين أخذه؟
الأحاديث الواردة في وجوب التعاون على الخير، والاِتحاد، والجماعة، جماعة المسلمين، كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها، فلا بأس من ذكر شيىء من ذلك، مع اِعتبار تشجيع رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين على التعاون على البر والتقوى والإبداع فيه، والحث عليه وبعث النشاط في فاعليه، ونهج التربية النبوية، والاِتسام بمكارم الأخلاق التي امتاز بها الفتى الموسوم بالنبوءة قبل البعثة، وبعدها، فأثر بها، وَكيف الاِقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؟
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثنا زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عندما عاد إليها من غار حراء، بعد ما نزل عليه الوحي، وسمع من جبريل عليه السلام كلام الله عز وجل فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: “زملوني زملوني” فزملوه حتى ذهب عنه الروع. ثم قال لخديجة: “أي خديجة مالي، وأخبرها الخبر، قال: لقد خشيت على نفسي” قالت له خديجة: “كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، والله إنك لتصل الرحم، وتحمِلُ الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقْرِي الضَّيفَ، وتُعينُ على نوائِبِ الحَقِّ” الحديث أخرجه الشيخان.
الأخلاق عبارة عن أنهار من لبن لم يتغير طعمه، اختار الفطرة فَبُعث ليتمم مكارم الأخلاق، خُلُقُهُ القرآن، قال الله عز وجل في حق نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[2]﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[3]
بمكارم الأخلاق أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بإذن الله عز وجل من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله، بمكارم الأخلاق وَحَّدَ الأمة.
سُئِلَتْ عائِشة رضي الله عنها عن خُلُقِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلّم، فقالَتْ: “كان خُلُقُه القُرآنَ”، هذه الخصال التي وصفت بها كل من خديجة وعائشة رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لبنات أساسية لبناء مجتمع أخوي ينهج الدرب المحمدي، طريق سليم يؤدي إلى ظاهر الرحمة والعدل على البشرية جمعاء، فيربى من يحمل المشروع النبوي التجديدي على التحلي بمكارم الأخلاق. قال الله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[4] وقال الله عز وجل:﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾[5] فهيّا بنا نخطو خطوات قافلة فائقة الجمعة – الجُمْعَةُ: الأُلْفَةُ – نقف هنيهة عند بعض محطات التعاون النبوي:
وضع الحجر الأسود
اكتمل بناء الكعبة وبقي أن يوضع الحجر الأسود في موضعه، وتنازعت القبائل على نيل هذا الشرف، وتحولت المنافسة لنيل شرف وضع الحجر، إلى تنافس بالسيوف والقتال، وفي ظل احتدام النقاش، اهتدوا لفكرة التحكيم، وهي أن يحكم أول من يدخل عليهم من باب الصفا، وينزل الجميع على حكمه، وهو تحكيم أقرب منه للقرعة. وكان الذي دخل عليهم هو محمد – صلى الله عليه وسلم- فارتضوا حكمه، وبسط رداءً وطلب من كل قبيلة أن تمسك بطرف منه، ووضع الحجر الأسود في الرداء، ثم قام بوضعه في مكانه، وقد نزل الجميع على حكمه، وارتضوه، وإن حاول الشيطان أن يوغر الصدور عليه، بتحريض أحدهم باللوم عليهم أن يحكموا شابًّا صغيرًا في أمرهم، إنها حكمة فطرية أغمد بها الفتى الموسوم بالنبوءة سيوف الفتنة في أغمادها، فتعاونت القبائل المتنافسة والمتنازعة، فنالت كل واحدة نصيبها من الشرف.
طعام الأشعريين
وعن أَبي موسى قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الأَشْعَرِيين إِذَا أَرْمَلُوا في الْغَزْوِ أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِندَهُم في ثَوبٍ وَاحدٍ، ثُمَّ اقتَسَمُوهُ بَيْنَهُم في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بالسَّويَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنهُم). حديث رواه أبو موسى الأشعري، متفقٌ عَلَيْهِ.
المُواساةُ والتَّكافُلُ عِندَ الأَزماتِ مِن أَخلاقِ الأنْبياءِ المربّون، ولقدْ تَميَّزَ الأَشعريُّون في ذلك، وهُم قَبيلَةٌ مِن اليمَن، ومنها الصَّحابي أبو مُوسى الأشعري رضي الله عنه راوي الحديثِ، وقد أثنى عليهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم بهذه الصفة، حيثُ قال في هذا الحديثِ: (إنَّ الأشعريِّينَ إذا أرمَلُوا) أي: فَنِيَ زادُهُم أو قلَّ، أَثناءَ خُروجِهِم لقِتالِ الأَعداءِ، أو قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدينةِ حالَ إقامتِهم؛ جَمَعُوا القليلَ الَّذي بَقيَ عندَ بَعضِهم في ثَوبٍ واحِدٍ (ثمَّ اقتَسَمُوه بيْنَهُم في إناءٍ واحِدٍ بالسَّويَّةِ) أي: يَأخُذُ كلُّ فَرْدٍ مِثلَ أخيهِ، وفي هذا يَتجلَّى الإيثارُ والمُواساة؛ لأنَّ بَعضَ هؤلاء لَيس عندَه شَيءٌ، وبَعضُهم عندَه قَليلٌ. ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (فهُمْ مِنِّي وأنا مِنهُم) أي مُتَّصِلُونَ بِي في الأَخلاقِ والمُواساةِ فيما بيْنَهم، وكأنَّه يقولُ: هذا العمَلُ مِن عَمَلي، وهمْ على طَريقَتي وسُنَّتي وهَدْيِي، وفي هذا تَنْبيهٌ على مَكارمِ أخلاقِهم، للحثِّ على التَّأسِّي بهم والاِقتداءِ بأَفعالِهم.
حفر الخندق
لما تجمع أصحاب الأحزاب لقتال المسلمين بالمدينة، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ليستشيرهم في كيفية الدفاع عن المدينة وصد الأعداء، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، حيث قال: يا رسول الله: “إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا”، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام على هذه الخطة الحكيمة التي لم تكن معروفة لدى العرب، فكانت مع الله وبحمد الله تعالى من أسباب صد الأحزاب وفشلهم والله أعلم. كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُشارِكُهم في الحَفرِ بيَدَيْه، يَحمِلُ معَهم التُّراب، وكانوا على هذه الحالِ منَ التَّعب، والمَشقَّة، والخَوف، والجوع، حيث لا عَيشَ ولا حَياةَ هانِئة، ولا مَعيشةَ صافية، وهو ما يَرْجوه كلُّ إنْسان، فقال رَسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ مُبشِّرا لهم: (اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ)، أيْ: لا عَيشَ على وَجهِ الحَقيقةِ إلَّا العَيشُ في الآخِرةِ في رِضْوانِ اللهِ ورَحْمتِه، ثمَّ دَعا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالمَغْفِرةِ للمُهاجِرينَ الَّذين تَرَكوا دِيارَهم وأمْوالَهم يَبْتَغونَ فَضلًا منَ اللهِ ورِضْوانًا، وللأنْصارِ الَّذينَ آوَوُا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُهاجِرينَ ونَصَروهم، وقاسَموهم في أمْوالِهم. صحيح البخاري، رواه سهل بن سعد الساعدي.
لا أتطرق إلى سياق غزوة الخندق التاريخي المليء بالحكم والعبر والمعجزات، أكتفي فقط بالطابع التعاوني الذي شمل الغزوة وَعم تنظيمها الإبداعي، إذ اقترح سلمان رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرة الخندق الجديدة، فكرة أتى بها من بلاد فارس.
المؤمنون في توادهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى) صحيح مسلم، رواه النعمان بن بشير.
حضَّ الإسلامُ على المؤاخاةِ والأُلفةِ والمواساةِ بين المؤمنينَ، وأنْ يَكونوا مُتكاتِفين مِثلَ الجَسدِ الواحد، ومثلَ البُنيانِ المرصوص؛ لتَقْوى وحْدتُهم وتَتَّفِقَ كَلِمتُهم؛ ولذلك أرشَدَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمَّتَه في هذا الحديثِ إلى ما يُنشِئُ فيهم التَّراحُمَ والحبَّ والعاطفة؛ حيث قال: (مثل المؤمنين في تَراحُمِهم) بأنْ يَرحَمَ بَعضُهم بَعضًا بأُخوَّةِ الإسلام، لا بسبب آخر، (وتَوادِّهم)، وهو تَواصُلُهم الجالبُ للمَحبَّة، كالتَّزاوُر، والتَّهادي، (وتَعاطُفِهم) بأنْ يُعينَ بعضُهم بعضا، كمثَلِ الجسدِ بالنِّسبةِ إلى جميعِ أعضائِه، إذا اشتكى عُضوٌ منه تَداعَى له سائرُ جَسدِه، أي: دعَا بعْضُه بعضًا إلى المشاركةِ بالسَّهر؛ لأنَّ الألمَ يَمنَعُ النَّوم، والحُمَّى؛ لأنَّ فقْدَ النَّومِ يُثِيرُها، والمعنى: أنَّ المسلمين يستَشعِرَون آلام بعضِهم ومصائِبَهم بالعون وتقديمِ مُساعدةِ بعضِهم بعضا، كمثل الجسد الواحد، إذا مرِضَ منه عضوٌ انهارَ له سائرُ جَسَدِه، وهذا تنبيهٌ للمُسلِمين بأن يكونوا كذلك في جميع شُؤونِهم. وفي الحَديث: التَّشبيهُ وضرْبُ الأمثالِ لتَقريبِ المعاني للأفهامِ، وفيه اهتمامُ المسلمين بَعضِهم ببَعض في جميعِ شؤونِهم.
انصر أخاك
انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مَظلومًا. فقال رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مَظلومًا، أفَرَأيتَ إذا كان ظالِمًا، كيفَ أنصُرُه؟ قال: (تَحجُزُه – أو تمنعه – مِنَ الظُّلمِ)؛ فإنَّ ذلك نَصرُه. صحيح البخاري رواه أنس بن مالك.
البنيان
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه) صحيح البخاري رواه أبو موسى الأشعري.
في شرح الحديث قال ابن بطال: “تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً في أمور الدنيا والآخرة مندوب إليه بهذا الحديث، وذلك من مكارم الأخلاق”. وقال ابن حجر: “المعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوب إليها”. وقال ابن عثيمين: “والأمة الإسلامية أمة واحدة، يجب أن يعتقد كل إنسان أنه لبنة في سور قصر مع إخوانه المسلمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)”.
لما بويع أبو بكر الصديق بالخلافة بعد بيعة السقيفة، سنة إحدى عشر للهجرة، تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”. خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس، ولا يخص المسلمين بخطابه، ويقول: “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله” ويسأل الناس من مقامه التقويم إن أساء، ويسألهم من مقامه العون إن أحسن.
خُلاصة القول هي…
أتانا مصباح من مكة، من شبه الجزيرة العربية، ومن القرن السابع للميلاد، مصباح ينير القلوب، ولا أَنْسَ مصباح رواد روشدال المنصفين التعاوني[6]، الذي أتَانا من روشدال، من دولة جزرية، ومن القرن التاسع عشر، فكيف يكون التوفيق بين المصباحين؟
نأتي بالبديع في القرن الواحد والعشرون الميلادي، الموافق للخامس عشر الهجري، ونأتي بمصباح علائي تعاوني. تعاونية رواد روشدال المنصفين ضيف، ضيف وجب إكرامها، والإكرام من الدين، لنا مع الضيف خيط نسب إذ أبدعها مستضعفون من أهل الكتاب. تعد منشأة رواد روشدال المنصفين مدرسة علوم الاِقتصاد التعاوني الغربي، ولوجها ممكن سهل المنال بالتّحبّب إلى علومها، وناهيك عن علم يتبادل المحبة مع طالبه.
نُطَعِّم أشجارَ حديقة التعاون المحمدية ونوصِّل بعض أغصانها بنموذج رواد روشدال المنصفين لتثمر أنواعًا جدية نسميها: “تعاونيات البر والتقوي” خالية من العيوب، تليق بعصر التنمية المستدامة، إذ يكفي أن نجد من بين المهندسين الزراعيين من يتقن هذه العملية الدقيقة. نفعل كما فعل تميم الداري تماما رضي الله عنه، ونفعل كما فعل من بعده توماس أديسون حيث دخل مصباحه الكهربي مساجد المسلمين مع لاقطه الصوتي التي تشهد الأذان والإقامة والصلاة وتلاوة القرآن.
مِن سمات المؤمن حُبُّ الخير للناس وأصل التعاون أن تحب لأخيك المتعاون وغير المتعاون وأختك المتعاونة وغير المتعاونة ما تحبه لنفسك، وتكره لهما ما تكرهه لنفسك.
[1] سورة الحشر 7
[2] سورة القلم 4
[3] سورة الأنبياء 107
[4] سورة الأحزاب 21
[5] سورة التوبة 128
[6] يوسف العلوي السليماني، تعاونية رواد روتشدال المنصفين، منار الإسلام، أغسطس 10، 2026. islamanar.com