الأرض وما أصعب الإخراج منها
الأرض وما أصعب الإخراج منها / أشرف شعبان أبو أحمد
الأرض وما أصعب الإخراج منها
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد
الأرض منها المبتدأ والمنشأ، فمنها خلق الإنسان، وعليها يحيا ويعيش، وإليها يعود حين ينتهي أجله، ففيها مستقره بعد الموت، إذ يدفن في ترابها وتكون مثواه الأخير، ومنها يخرج حيا مرة أخرى للبعث والحساب والجزاء، في ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين ثم يجازي كلا بعمله، قال تعالى في سورة طه آية 55 ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها تخرجكم تارة أخرى ) وقال سبحانه ( فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) الأعراف 25 وقال عز وجل في سورة البقرة آية 36 ( لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) وقال تعالى ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) هود 61 أي أنشأكم منها، وجعلكم عمارها وسكانها، ومكنكم فيها، وأنعم عليكم بنعمه الظاهرة والباطنة، وسخر لكم ما فيها من أسباب الحياة، لتبنوا وتغرسوا وتزرعوا وتحرثوا وتنتفعوا بخيراتها. وتختزن الأرض في ظاهرها وباطنها من أسباب الحياة والثروة ما يجعلها من أعظم النعم التي تقوم عليها حياة الناس، ففي ظاهرها الزروع والثمار والمراعي والغابات، وفي باطنها من المعادن ومصادر الطاقة والثروات ما لا يحصى، وتشقها الأنهار والأودية وتتخللها الينابيع، وتمتد فيها البحار وتحيط بها المحيطات بما تزخر به من خيرات وأحياء وموارد لا تحصى، وقد بين الله تعالى ما أودعه في الأرض من أسباب الرزق والمعاش، فقال تعالى في سورة فصلت آية 10 ( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ) فالأرض بما أودع الله فيها من خيرات وأسباب للمعاش مهيأة لأقوات أهلها، وما يحتاجون إليه في قيام حياتهم واستمرارها، قال تعالى ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر 21 ومن ثم فالأرض ليست موضعا للسكن فحسب بل هي مصدر للثروة والثراء للأمم وللأفراد، ومستودع للخيرات الظاهرة والخفية، ومجال للإنتاج والعمران، تتعلق بها حياة الإنسان ووسائل معيشته ووجوده ومستقبله. ولا تقتصر علاقة الإنسان بالأرض على السكن والعيش والانتفاع بخيراتها، بل تمتد إلى تكوينه المادي نفسه، فدورة حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها، مرتبطة بالأرض ارتباطا متصلا، فجسم الإنسان يتكون من عناصر كيميائية توجد في البيئة من حوله، في التربة والماء والهواء، ويحتاج إليها في بناء خلاياه وأنسجته، وفي أداء مختلف وظائف جسمه، وتصل إليه هذه العناصر من خلال الماء والغذاء، كما يحصل على الأكسجين من الهواء فإذا انتهت حياته وتحلل جسده، تحررت هذه العناصر وعادت إلى البيئة من جديد، فتدخل في دورات الطبيعة، وتنتقل بين التربة والماء والنبات والكائنات الحية في صور مختلفة، وهكذا تظل صلة الإنسان بالأرض قائمة، لا في حياته فحسب، بل تمتد آثاره المادية فيها حتى بعد وفاته.
ويشعر الإنسان بارتباط عميق بالأرض والبقعة التي ولد فيها وعاش عليها وأمضى فيها مراحل حياته، ففيها كانت طفولته ومنها بدأ ترعرعه واشتداد عوده، وفي ربوعها انتقل من مرحلة عمرية إلى أخرى، ومن طور من أطوار حياته إلى طور جديد، وتبدلت أدواره ومسئولياته، من طفل مدلل إلى طالب يسعى في طلب العلم، ثم إلى موظف أو صاحب حرفة أو مستثمر يكد ويبذل جهده لبناء مستقبله، ثم يبحث عن شريكة حياته، فيصبح زوجا ثم أبا يعول أسرة، ويمضي به العمر حتى يغدو جدا، وفيها يعيش أبناؤه وأحفاده ومن يخلفونه من ذريته حتى ينتهي عقبه، وفي هذا الموطن وجد أصدقاء العمر، وزملاء الدراسة والعمل، وجيرانه وأهل منطقته، ومن يلتقي بهم ويصاحبهم في المسجد، وقبل ذلك كله، عاش فيها آباؤه وأجداده وأقاربه وسائر أسلافه. وهكذا تغدو الأرض بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان يقيم عليه، بل تصبح كالقوقعة التي يتقوقع داخلها، يعيش فيها ويحيا بها وعليها، ويجد فيها الألفة والسكينة والأمان، ويألف تفاصيلها وأرجاءها، وهي في الوقت ذاته سجل حي وشاهد على حياته وحياة أسرته، بما شهدته من نجاحات وإخفاقات، وما تختزنه من مشاعر وأحاسيس وارتباطات عاطفية، حتى يصبح حبه لها وانتماؤه إليها شعورا راسخا في أعماق نفسه، ومن هنا تتجاوز الأرض في شعوره كونها مكانا للإقامة، لتغدو وطنا يمنحه اسمه وملامحه ولغته وطباعه، ويغرس في نفسه الشعور بأنه جزء منه، وأن له فيه جذورا وذكريات ومصالح وحقوقا، وتترتب له فيها حقوق وعليه واجبات، حتى يغدو فراقه أشبه بفراق ذاته وتاريخه وحياته. فالوطن بالنسبة للأفراد والجماعات ليس مجرد أرض يقيمون عليها، وإنما هي وجود وهوية وتاريخ وحضارة، فما من حضارة إلا نشأت على أرض واستقرت فيها، وما من أمة إلا تشكل كيانها في موطن، وصاغت فيه ذاكرتها، وبنت عليه تاريخها، وتركت فوق ترابه آثارها وشواهد وجودها، وبدون الوطن يصبح المرء متنقلا غريبا في كل مكان يحل فيه، لا جذور له ولا هوية ولا أرض يأوي إليها ويستقر عليها ويجد فيها امتداده وأمانه وانتماءه. ويميل الإنسان بطبيعته إلى الاستقرار في وطن يؤويه، ويأنس فيه بالأهل والأحباب، ويكره التيه وكثرة التنقل من مكان إلى آخر، دون موضع يستقر فيه ويأوي إليه في نهاية المطاف، ويسعى فيه على رزقه، ويشعر بأنه جزء منه، يخرج منه ويعود إليه، ويجذبه الحنين إليه كلما ابتعد عنه، طال به المقام في الغربة أم قصر، وقد يطوف الدنيا كلها، ويقطع البلدان شرقا وغربا، لكن يظل قلبه وعقله متعلقين بتراب وطنه، ولذلك نجد كثيرا ممن فارقوا أوطانهم، حين يتقدم بهم العمر، ويشعرون بدنو الأجل، يشدهم الحنين إلى مسقط رؤوسهم، وكأن النفس تريد أن تستقر في الموضع الذي بدأت منه رحلتها الأولى، فيوصون أن يدفنوا إلى جوار آبائهم وأجدادهم، وكأنهم يرجون أن يجتمع شملهم من جديد، ولكن هذه المرة تحت التراب.
ومن أجل هذا كله، يتشبث الإنسان بأرضه، ويتصدى لكل اعتداء عليها، ويستميت في الدفاع والذود عنها، بل يضحي بحياته في سبيلها، ولا يفرط فيها ولا يرضى أن يتنازل عنها لأحد قط. وفي المقابل قد تدفع أطماع البعض إلى التعدي على أراضي غيرهم والاستيلاء عليها، لما تحتويه من خيرات وثروات، أو لما تتمتع به من موقع استراتيجي، أو لما لها من أهمية دينية أو تاريخية، أو رغبة في بسط النفوذ والهيمنة، وإخضاع أبنائها وتسخيرهم لخدمة مشاريعهم التوسعية، وطمس هوياتهم وتغيير معتقداتهم، أو لغير ذلك من الأسباب التي تدفع المحتل إلى احتلال أرض غيره والاستيلاء عليها. ولهذا كانت الأرض، مع كونها مصدرا للحياة والاستقرار، كانت أيضا سببا في فقدان الحياة واضطراب الاستقرار، ومسرحا لأشد صراعات البشر ضراوة، فمن أقدم الصراعات في تاريخ الإنسانية الصراع على الأرض، وما من بقعة في العالم إلا شهدت صراعا عليها، وسيظل هذا الصراع على الأرض قائما ما بقي الإنسان، فحيثما وجدت أرض خصبة أو موارد طبيعية وفيرة أو موقع ذات قيمة إستراتيجية، نشأ صراع عليها يتجدد عبر العصور، وتتفرع عنه نزاعات على المياه بوصفها مصدرا للحياة، ونزاعات على حقول النفط والغاز، بل قد يمتد الصراع إلى الموارد الكامنة في المناطق الحدودية، فتتنازع الدول عليها، وتتجدد الخصومات بسببها، حتى وإن كانت هذه الموارد تقع داخل الحدود الدولية. وليس الغزاة الأجانب، ممن قد يختلفون في الدين واللغة، وحدهم من يسعون إلى الاستيلاء على الأرض والأملاك وطرد أهلها منها، أو دفعهم إلى الفرار منها وتركها خلفهم، بل قد يكون المعتدي من داخل الوطن نفسه، لا غازيا جاء من خارج الحدود، ولا مغتصبا جاء من أرض بعيدة، وإنما أفرادا أو مؤسسات يتكلمون لغة أهل الأرض، وينتمون إلى ذات الوطن، ويدينون دينهم، لكن تعددت أغراضهم وتتخفى أطماعهم خلف مسميات وشعارات ظاهرها الرحمة والإصلاح وباطنها الاستيلاء والإقصاء والإضرار بالناس. فإن من أشد ما يمكن أن يقع على الإنسان أن يطرد من أرضه أو يجبر على الخروج منها، صفر اليدين، تاركا خلفه بيته وأسرته وأعماله بغير إرادته، فيقتلع من مجتمعه الذي ألفه ونشأ فيه، وكأنما اقتلع من جذوره، ومحي سجل حياته وذكرياته وتاريخه، ويجرد من أملاكه وعلاقاته وروابطه التي جمعها وشيدها على مر السنين. فالوطن الذي عاش فيه الإنسان حياته، ونشأ بين جنابته، وأقام على أرضه، واحتضن سنوات عمره، واستقر فيه على حال ألفها واعتادها، وضم أسرته وأهله، وشهد أعماله ومصالحه، واختزن رصيد ذكرياته وعلاقاته، وأحاطه بالأمن والراحة والسكينة ومنحه شعورا بالانتماء، فإن إخراجه منه ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما هو اقتلاع من حياة ألفها واستقرت نفسه فيها، وانتزاع له من أرض تحمل ذكرياته، وأمواله ومصالحه التي ارتبط بها، واعتداء يمس أمنه ومسكنه وأهله واستقراره وحقه في الوطن، ، ليجد نفسه أمام واقع جديد لم يختره، ومجهول لم يستعد له. وقد يضطر الإنسان إلى مغادرة الأرض التي نشأ فيها، لا حبا في الرحيل، ولا رغبة في مفارقة الأهل والديار، وإنما تدفعه إلى ذلك ضرورة، طلبا للنجاة أو دفعا للظلم أو حفاظا لدينه ونفسه، وقد يكون خروجه في طاعة لله، أو طلبا للعلم أو العمل أو الرزق أو العلاج، وقد يخسر في حساب الناس وطنا ومالا، لكنه يربح في حساب الله ما هو خير وأبقى. ومع ذلك، ومع شدة تعلق الإنسان بوطنه وكراهية مفارقته، فإن الخروج منه ليس شرا في كل حال، فقد يكون فيما يكرهه الإنسان من مفارقة وطنه خير لا يدركه إلا بعد حين، فليس كل خروج خسارة، ولا كل بقاء نجاة، وإنما العبرة بما خرج منه الإنسان، ولماذا خرج، وإلى أين يمضي، فقد تكون مفارقة الأرض ابتلاء شديدا، وقد تكون في الوقت ذاته طريقا إلى نجاة أو خير.
ومن ذلك ، لما قصت السيدة خديجة رضي الله عنها على ورقة بن نوفل، ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم، وما لقيه من جبريل عليه السلام، قال ورقة بن نوفل: يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، متعجبا ومستعظما الأمر ( أو مخرجي هم؟ ) رواه البخاري ومسلم. لم يكن تعجبه صلى الله عليه وسلم من مجرد مغادرة مكة، وإنما من أن يبلغ الأمر بقومه أن يخرجوه من أرضه ووطنه، وهو الذي عاش بينهم وعرفوه، وفيها أهله وعشيرته، وفيها بيت الله الحرام. فكأن لفظ “مخرجي” يحمل في طياته من الاستنكار والألم، ما يكشف عن فداحة أن يجبر الإنسان على مغادرة وطنه، لا باختياره، وإنما على أيدي قومه الذين نشأ بينهم وعاش معهم. وحين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا، وكانت أحب البلاد إلى قلبه، قال وهو يغادرها ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) وفي هذا القول النبوي بيان لمدى حب المرء لأرضه ووطنه، وشدة تعلقه بالمكان الذي ألفه وعاش فيه، وإشارة إلى أن مفارقة الإنسان لوطنه ليست أمرا هينا عليه، وأنه قد لا يخرج منها طوعا واختيارا، وإنما قد يخرج منها قهرا وإكراها. ولعل من أشد المشاهد تأثيرا في تصوير هذا الألم، ما وقع لأم سلمة رضي الله عنها، حين أرادت الهجرة إلى المدينة مع زوجها أبي سلمة رضي الله عنه، فقد حال أهلها بينها وبين زوجها، وأمسك أهل زوجها بابنها، ففرق بينها وبين زوجها وولدها، وأصبحت وحيدة لا تستطيع اللحاق بزوجها، ولا اصطحاب ولدها، وظلت على ذلك مدة، تبكي لفراقهما، حتى رق لها بعض أهلها، فأذنوا لها باللحاق بزوجها، فخرجت مهاجرة إلى المدينة. ومن ذلك أيضا ما وقع لصهيب الرومي رضي الله عنه، حين أراد الهجرة إلى المدينة، فقد لحق به المشركون عند خروجه من مكة ليحولوا بينه وبين الهجرة، وقالوا له: قدمت إلينا صعلوكا فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك؟. فأخبرهم أن لهم ماله كله، مقابل أن يخلوا سبيله، فترك لهم ما جمعه في مكة، ومضى مهاجرا بدينه. فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام ما فعله، قال ( ربح البيع أبا يحيي ربح البيع أبا يحيي ). وهكذا ففي مقابل خروج صهيب من أرضه فرارا بدينه، ترك ماله الذي جمعه طيلة سنوات من السعي والكسب، تركه لغيره لينتفع به وينعم به، ومع ذلك فهناك من يجلى من أرضه أيضا، ويعظم في نفسه ما يتركه وراءه، ويعز عليه أن ينعم به من أخرجه، فلا يترك له شيئا ينتفع به، ويستفيد منه، بل يعمد إلى تخريبه وإفساده، بصورة تعكس شدة الألم والغضب، وبين الموقفين بون شاسع، فهذا يخرج من أرضه وهو يترك وراءه ما جمعه بسنوات من الكسب، وذاك يجلى منها وهو لا يريد أن يترك لمن أخرجه شيئا ينتفع به، ويصور القرآن الكريم مشهدا من مشاهد الإجلاء وما صاحبه من تخريب للبيوت، في قوله تعالى في شأن بني النضير ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) الحشر 2 فقد كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم حتى لا ينتفع بها المسلمون، وكان المؤمنون يخربون ما بقي من حصونهم وبيوتهم. وهذه المواقف، على اختلاف صورها، تكشف بجلاء ما لمفارقة الديار والوطن من وقع شديد على النفس، وما قد يضطر الإنسان إلى التضحية به حين يجبر على الخروج منها. وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى وكشف عن شدة تعلق الإنسان بداره، وثقل مفارقتها على نفسه، حين جمع سبحانه وتعالى بين قتل النفس والإخراج من الديار في سياق واحد، فقال عز وجل ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) النساء 66 فجمع سبحانه بين أمرين عظيمين شديدي الوطأة على النفس، وأخبر أن أكثرهم ما كانوا ليفعلوا هذا ولا ذاك لعظم مشقتهما. ولم يقتصر القرآن الكريم على الجمع بين قتل النفس والإخراج من الديار في مقام التكليف وبيان ما يشق على النفوس، بل جمع بينهما أيضا في مقام أخذ الميثاق والنهي الإلهي المؤكد، فقال تعالى ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) البقرة 84 فعبر النص القرآني عن إخراج بعضهم بعضا من الديار، بقوله ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) فجعل إخراج بعضهم بعضا كأنه إخراج لأنفسهم، وفي ذلك ما يوحي بأن أثر الإخراج لا يقف عند من أخرج، بل قد يمتد إلى الجماعة كلها، حتى يبدو الأمر وكأن الجميع خرجوا من ديارهم. كما أشار القرآن الكريم كذلك إلى أن الإخراج من الوطن، وما يصاحبه من لوعة فراق الأهل والأبناء، يعد من أعظم الدوافع للقتال في سبيل الله ودفع العدوان، فقد جاء على لسان الملأ من بني إسرائيل ( وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ) البقرة 246 وحين أخرج المسلمون من ديارهم بسبب دينهم، جاء الإذن لهم بقتال من قاتلهم، وإخراجهم من حيث أخرجوا، قال تعالى ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) البقرة 191 فالإخراج مقابل الإخراج، دون تجاوز أو تعد. كما يجعل القرآن الكريم الإخراج من الديار معيارا فارقا في معاملتنا لمن ارتكب ذلك أو أعان عليه، ولاسيما إذا اقترن بالقتال في الدين، قال تعالى ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) الممتحنة 9 وفي المقابل يقرر القرآن مبدأ البر والقسط مع من لم يقاتل المسلمين في دينهم، ولم يسع إلى إخراجهم من ديارهم، قال تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) الممتحنة 8 ولبيان عظم مكانة الأرض في نفوس الناس، يكفي أن نتأمل كيف استغل فرعون وملؤه هذا المعنى، في مواجهة نبي الله موسى عليه السلام، فزعموا أن دعوته تهدف إلى إخراجهم من أرضهم، قال تعالى ( قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ) الأعراف 109- 110 وقال عز وجل ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ) الشعراء 34- 35 وقال سبحانه ( قال أجئتنا لتخرجنا من أرضننا بسحرك يا موسى ) طه 57 وقال تعالى ( إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى ) طه 63 ولم يقف الأمر عند ذلك، بل اتهم فرعون السحرة، بعد إيمانهم بموسى عليه السلام، بالتآمر لإخراج أهل المدينة منها، قال تعالى في سورة الأعراف آية 123 ( قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) وهكذا يكشف الخطاب الفرعوني، وإن كان قائما على الكذب والتضليل، عن إدراك عميق لما للأرض من مكانة في نفوس الناس، إذ لم يجد فرعون وملؤه ما يستثيرون به قومهم ويخوفونهم من دعوة موسى عليه السلام أبلغ من تصويرها بأنها تهدد أرضهم، وتسعى إلى إخراجهم منها. وإذا كان القرآن قد كشف عن عظم مكانة الأرض في نفوس الناس، وما يترتب على إخراجهم منها من ألم واضطراب، فإن عناية الشريعة بمسكن الإنسان تظهر كذلك في أحوال الفراق والانفصال بين الزوجين، فقد نهى القرآن الكريم عن إخراج المطلقة من بيتها أثناء العدة، كما نهى عن خروجها منه، إلا في حالة إتيانها بفاحشة مبينة، وجعل الأصل بقاءها في بيتها مدة العدة، مع أن رابطة الزوجية قد انقطعت بالطلاق، وما ترتب عليه من أحكام الفراق، فقال سبحانه ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) الطلاق 1 والإنسان قد يستسهل المفارقة والارتحال إذا كانت الغاية قريبة والطريق ميسورا، والمنفعة ظاهرة، بينما يزداد السفر مشقة، ويستثقل على النفس، كلما بعدت المسافة، وشق الطريق، ولاسيما إذا لم تكن هناك منفعة عاجلة تدفعه إليه، أو كان لا يدري ما ينتظره في الطريق، ولا ما سيؤول إليه أمره عند الغاية التي يقصدها، قال تعالى في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، ( لو كان عرضا قريبا أو سفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ) التوبة 42 أي لو كان ما تدعوهم إليه، منفعة قريبة سهلة التناول، وسفرا قريبا ميسورا، لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، أي بعدت المسافة وشق عليهم قطعها، فثقل عليهم الخروج وتعللوا بالأعذار.
وختاما، فإن خروج الإنسان من وطنه أو الرحيل عنه ولو طوعا ولغاية نبيلة أو لرحلة عابرة، لا يقطع صلته بالأرض التي ألفها، بل يظل القلب مشدودا إلى إليها، وتبقي الروح معلقة بها، ويعاوده الحنين إليها كلما خلا إلى نفسه أو جلس مع رفاق الغربة، فتتداعى إلى ذاكرته صورة الوطن، وتعود الذكريات التي تركها خلفه حاضرة بكل تفاصيلها، وجوه الأهل والأصدقاء، ودفء البيت والأماكن التي عاش فيها تفاصيل حياته، ويأخذه الشوق لمعرفة أحوال من تركهم خلفه، ويتمنى لو تنطوي المسافات فيعود إلى وطنه، وإلى الوجوه التي حرم من رؤيتها، فالمسافات على امتدادها قد تبعد الإنسان عن وطنه، لكنها لا تستطع أن تبعد الوطن عنه، فما ظنه قد تركه وراءه، قد استقر في أعماق نفسه، يلازمه حيثما حل وارتحل. فإذا كان هذا حال من فارق وطنه طوعا، فكيف يكون حال من أجبر على الخروج منه، واقتلع بغير حق، من أرضه وبيته وأهله وعمله، ومن سياق حياته التي ألفها، وسلب منه أمنه واستقراره، ودفع إلى المجهول، لا يحمل معه إلا جروحا لا تداويها المسافات، ومآسي لا تمحوها الأيام، وقد تستقر في نفسه مشاعر الغضب والمرارة، وربما تنشأ عنده رغبة في الانتقام ممن تسبب له في ذلك؟.