شتّان بين أن تؤمن بحقيقة وأن تعيشها
شتّان بين أن تؤمن بحقيقة وأن تعيشها/ عبد القاهر عارفي
شتّان بين أن تؤمن بحقيقة وأن تعيشها
بقلم: عبد القاهر عارفي
باحث مستقل مهتم بالفكر الإسلامي
قد يمدّ الإنسان يده بدينار إلى محتاج، وينتهي الفعل في ثوانٍ. لكن ما جرى في اليد ليس كل القصة. هل أعطى وهو يستحضر أن ما عند الله خير وأبقى؟ هل كان يرجو ما عند الله، أم التفت قلبه إلى أعين الناس؟ وهل انتهت الصدقة حين انتقل المال من يده، أم بقي بعد ذلك امتحان آخر في قلبه؟
المال واحد، والفعل واحد في ظاهره، لكن ما يجري في القلب ليس واحدًا.
وهذا يفتح سؤالًا أوسع من الصدقة نفسها. نحن نؤمن بالله، ونصلي ونصوم وندعو وننفق، وقد قرن القرآن في مواضع كثيرة بين الإيمان والعمل الصالح. لكن هل تنتهي ثمرة الإيمان بمجرد أن يقع العمل؟ أم أن هناك معنى آخر: أن تبقى الحقيقة التي نؤمن بها حاضرة في القلب ونحن نعمل ونختار، ونخاف ونرجو، ونربح ونخسر؟
قد يؤمن الإنسان بأن الله يراه، ثم تأتي لحظة لا يراه فيها أحد من الناس. ويؤمن بأن الله هو الرزاق، ثم يفقد مصدرًا من مصادر رزقه. ويؤمن بأن ما عند الله خير وأبقى، ثم تقف أمامه مصلحة عاجلة يستطيع أن يحصل عليها بطريق لا يرضي الله. هنا لا يعود السؤال عما يعرفه الإنسان فحسب، بل عما تفعله الحقيقة التي يؤمن بها عندما تدخل الامتحان.
حين لا يكون ظاهر العمل هو كل العمل
ولعل الصلاة من أوضح المواضع التي يكشف فيها القرآن هذا المعنى. يقول الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]. فلم يقتصر الثناء هنا على وقوع الصلاة، بل لفت القرآن إلى حال يصاحبها: الخشوع.
فالمصلي لا يؤدي مجموعة من الأقوال والحركات فحسب؛ إنه يقف بين يدي ربه، يكبره ويحمده ويسأله ويسجد له. وكلما حضرت هذه المعاني في القلب، لم تعد الصلاة عملًا يؤديه الإنسان ثم يمضي، بل صارت عبادة يعيش معناها وهو يؤديها.
ويكشف الإنفاق وجهًا آخر من المسألة. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: 262]. لقد خرج المال من يد صاحبه ووصلت المنفعة إلى المحتاج، ومع ذلك لم ينته الامتحان؛ فما يزال القلب معرضًا للاستعلاء بالعطاء، وما يزال اللسان قادرًا على إيذاء من أُعطي.
ويأتي الدعاء ليكشف معنى الافتقار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة». فالداعي لا يعلم فقط أن الله قادر، وإنما يتوجه إليه؛ ولا يعرف فقط أنه محتاج إلى ربه، وإنما يسأله ويرجوه ويستعين به. وهنا تنتقل حقيقة الافتقار من معنى يعرفه الإنسان إلى حال يعيشها.
وفي الدعاء يسهل أن يقول اللسان: يا رب، وأن يستشعر القلب حاجته إلى الله. لكن لهذا الافتقار امتحانًا آخر حين نخرج إلى الحياة: هل يبقى حاضرًا عندما تضيق الأسباب التي اعتدنا الاعتماد عليها؟
حين تدخل الحقيقة ميدان الامتحان
نؤمن أن الله هو الرزاق. وقد نقول ذلك بطمأنينة ما دام الراتب يأتي في موعده، والعمل مستقرًا، وأسباب المعيشة قائمة. لكن قد يفقد الإنسان وظيفته، أو يضيق دخله، أو تُغلق أمامه فرصة كان يعوّل عليها. هنا لم تتغير حقيقة أن الله هو الرزاق، وإنما أصبحت الأسباب المادية أكثر حضورًا أمام عينيه، وأصبح الخوف من الغد أقرب إلى قلبه.
وفي مثل هذا الموضع يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. والتوكل لا يعني ترك السعي. نبحث عن العمل، ونحسب النفقة، ونطرق الأبواب، ونأخذ بما نستطيع من الأسباب، لكننا لا نفوض أمرنا إليها؛ نستعملها مع بقاء القلب متعلقًا بالله.
وهنا يظهر موضع دقيق في عيش الإيمان. فقد يؤمن الإنسان حقًا بأن الله هو الرزاق، لكن خبر فقدان الوظيفة يصبح في لحظة الخوف أعلى صوتًا في داخله من الحقيقة التي طالما آمن بها. وقد يؤمن بأن الله يراه، لكن غياب أعين الناس يجعل المعصية أسهل. وقد يؤمن بأن الآخرة خير وأبقى، ثم تأتي مصلحة قريبة فتزاحم في قلبه ما يعرفه عن الآخرة.
فالمسافة ليست دائمًا بين الإيمان والعمل؛ قد تكون بين ما نؤمن به، ومقدار ما يبقى منه حاضرًا حين نعمل ونختار.
وليس معنى ذلك أن المؤمن لا يخاف أو يحزن أو يحسب حساب الخسارة. الخوف بشري، والخسارة مؤلمة، والأخذ بالأسباب مطلوب. إنما السؤال: من تكون له الكلمة الأخيرة عندما تتزاحم هذه الأشياء في القلب؟
حين يصبح الإيمان اختيارًا
وقد يظهر هذا الامتحان بصورة أوضح عندما يكون أمام الإنسان اختيار يستطيع أن يكسب به شيئًا، لكنه يعلم أن طريقه لا يرضي الله.
فالعدل جميل ما دام لا يصطدم بمصلحتنا. لكن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. هنا لا يُختبر إيمان الإنسان بالعدل عندما يكون الحق له فقط، بل عندما يصبح الحق عليه أو على من يحب. فمعرفة أن الله أمر بالعدل شيء، وبقاء هذا الأمر حاضرًا حين يكون للعدل ثمن شيء آخر.
وكذلك الأمانة؛ قد يسهل على الإنسان أن يكون أمينًا عندما توافق الأمانة مصلحته، لكن معناها يظهر بصورة أعمق عندما يستطيع أن يخون ولا يراه أحد.
ولعل حديث الإحسان يجمع هذا المعنى كله، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فالمؤمن يعلم أن الله يراه، لكن لهذه الحقيقة أثرًا آخر عندما تصحبه في العبادة والعمل والاختيار.
فالعدل يصبح حقيقة معاشة حين نعدل مع من نختلف معه، والأمانة حين نحفظها ولو فاتتنا مصلحة، والإتقان حين نحسن العمل ولو غاب الرقيب. وهنا لا يبقى ما نؤمن به فكرة في الذهن وحده، بل يظهر أثره في القرار.
وحين تتسع الدائرة
وإذا كان هذا السؤال يواجه الفرد، فإنه يتسع – مع اختلاف المجال – إلى حياتنا العامة. فنحن نؤمن بمكانة العلم والعدل والأمانة والإتقان؛ والسؤال ليس عن إيماننا بهذه القيم فحسب، وإنما عن مقدار ما يظهر منها في تعلمنا وأعمالنا وعلاقاتنا ومسؤولياتنا.
وليس المقصود إصدار حكم عام على أمة كاملة، ولا نفي ما في حياة المسلمين من خير وعلم وعمل. وإنما هو نقل للسؤال نفسه من حياة الفرد إلى ما نصنعه معًا: ما مقدار الأثر الذي تتركه الحقائق التي نؤمن بها في الطريقة التي نبني بها حياتنا؟
قد يصل الدينار إلى يد المحتاج، وتقام الصلاة، ويرفع الإنسان يديه بالدعاء، ويقول بقلبه ولسانه إن الله هو الرزاق. وكل ذلك خير. لكن يبقى للإنسان جهاد آخر: أن تصحبه هذه الحقائق حين يخاف ويطمئن، وحين يربح ويخسر، وحين توافق المصلحة ما يؤمن به وحين تزاحمه.
فليس السؤال فقط: ماذا نؤمن؟ ولا حتى: ماذا نعمل؟ بل أيضًا: كم يبقى مما نؤمن به حاضرًا عندما نختار؟
فشتّان بين أن تؤمن بحقيقة وأن تعيشها.