منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطبة (4): “قرآننا سرُّ بقائنا “

الخطبة (4): " قرآننا سرُّ بقائنا "/ الدكتور أحمد الزقاقي

0

الخطبة (4): ” قرآننا سرُّ بقائنا “

الدكتور أحمد الزقاقي


الخطبة الأولى

الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان ، علمه البيان، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، من كان خلقه القرآن، وآله وصحبه ومن اتبع هداه.

أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات

إن من أكبر نعم الله تعالى على المسلمين أن خصهم بخير كتاب أنزل، جعله سبحانه ذكرا ﴿ وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ﴾، وجعله هدى ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾، ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾، وجعله شفاء ورحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾،  نزل مُفرقا ومُنجَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، يوجه حياة الناس، وينظم علاقاتهم، ويزكي أخلاقهم، وينمي أذواقهم، فخرجوا به من ظلمات العنف والظلم والجهل والخرافة والغفلة إلى أنوار الذكر والفكر واليقظة والرفق والعدل والعلم، وغيَّر القرآن الكريم نظرتهم إلى أنفسهم، وإلى الحياة، وإلى الإنسان، وإلى العالم كله، وأمدهم بمفاهيم جديدة عن المرأة التي كانوا يئدونها ظلما وعدوانا ويحرمونها من الميراث ويتاجرون بعرضها في أسواق البغاء، وعن الكسب الحلال بتحريم الربا الذي كان فاعلوه يقصدون جمع المال بكل وسيلة، ولا يشعرون بعوز المعوزين وحاجة المحتاجين، وعن الحرب والسلم فنهاهم عن الاعتداء ودعاهم إلى عدم مجاوزة الحد في رد العدوان ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ﴾، وعن الحرية فجاء الخطاب القرآني بالدعوة إلى التحرير، تحرير العبيد، لا إلى الاسترقاق.

وبقدر ما كان القرآن الكريم عظيما بقدر ما كانت مؤامرات أعداء الداخل والخارج كبيرة لإضعاف صلة المسلمين به، وإطفاء جذوته في القلوب، ونوره في العقول، حتى لا يبقى للمسلمين مرجع يرجعون إليه لحل خلافاتهم وفض نزاعاتهم كما أُمروا وأُرشدوا ﴿ فإذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر﴾، وإن من أشد تلك المؤامرات التفريق بين كلام الله وبيان النبوة، أي بالدعوة إلى إسقاط حُجيَّة السنة النبوية، ومنها التشكيك في قطعياته وجعلها مثار جدال ونقاش  حتى تُنتهك قدسيته ويُنتقص قدره، فيرى المتآمرون أن لا حرج من تغيير الحكم الوارد في الآية المبينة لنصيب المرأة من الميراث بدعوى المساواة علما بأن المرأة المسلمة المؤمنة بكتاب ربها لم تنتدبهم للدفاع عنها، فيريدون أن يجعلوها في موقع الخصومة مع القرآن ومنزل القرآن، ويرون أن لا حرج في اقتراف جريمة الزنا بدعوى أنها “علاقات رضائية”، وفي أكل أموال الناس بالربا والباطل بدعوى “الفائدة”، وهكذا..

إنها أيها المؤمنون أيتها المؤمنات، حرب استباقية على الإسلام والمسلمين، فشلت بالحول والقوة، فتنادوا لتجريب الحيلة والمكر، فجندوا “نخبة” من المفكرين “المسلمين” لنسف الإسلام من الداخل، والانطلاق من القرآن وترديد آياته، الغرض من دسائسهم الإبليسية هو تحريف معانيه، وهؤلاء هم الذين يكون القرآن عليهم عمى، ويزيدهم رجسا إلى رجسهم ﴿ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾، ﴿ قل هو الذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون به في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ﴾، إنه مرض النفاق الذي يخدم صاحبة أهداف الأعداء، حتى إذا تمكن منه هذا المرض غشَّى على عقله، فجعل عقله مقياسا للحقيقة فيُكثر من دعوة الآخرين إلى استعمال العقل، وإنما العقل تابع للاعتقاد الذي هو من أحكام الضمير التي محلها القلب ، هذا القلب إن تحرر من سلطان الهوى بمعنى طغيان الذات استنار العقل فرُزق البصيرة التي يدرك بها المعاني الحقيقية، وإن لم يتحرر انقلبت الموازين لدى صاحبه فيرى المنكر معروفا والمعروف منكرا ،والإصلاح فسادا، والفساد إصلاحا ﴿ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾، ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يامرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم﴾، ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين الذين يتكلمون بالقرآن فقال :”:أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن “.

إن قيامنا بواجباتنا تجاه القرآن الكريم هو الذي يُفشل تلك المؤامرات، ويحمي شبابنا من الانسياق وراء الدعوات المشبوهة المدعومة من أعداء الإسلام والمسلمين، ومن تلك الواجبات:

أولا: تعظيم كلام الله تعالى في نفوسنا وقلوبنا، فرب العالمين قال عن كلامه ﴿ ومن أصدق من الله قيل ﴾، وقال سبحانه ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ وقال أيضا ﴿ بل هو قرآن مجيد ﴾، ومن تعظيمه ألا يقرأه المؤمن وهو جنب، ولا يمسه إلا على طهارة.

ثانيا: تلاوته حق تلاوته وحفظه: كما أمر سبحانه ﴿ أتل ما أوحي إليك من الكتاب ﴾، روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها)، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، وإن هذه التلاوة لينتفع بها صاحبها إذا كانت باسم الله ﴿إقرأ باسم ربك﴾، أما أصحاب القراءات التفكيكية والتخريبية أبعد ما يكونون عن القراءة باسم الله، ومما يزيدا القلوب غيمانا والعقول استنارة حفظ القرآن، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يعارض جبريل بالقرآن مرة في العام، فلما اقترب أجله عارضه مرتين، حرصا على تعهده وعدن نسيانه، قال صلى الله عليه وسلم:” مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد فله أجران”.

ثالثا: إن القراءة النافعة للقرآن الكريم هي التي تكون بنية العمل (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم)، فليس القرآن كتاب جدل ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل”، وإحدى صور هجر القرآن هي هجر العمل به بعد هجر تلاوته، وهجر تدبره، فروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي، قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت، قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله له كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، فيقول الله عز وجل: أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل”، وفي الأثر “رُبَّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه” ، لأن الله عز وجل يقول : ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾، فماذا ينفع توزيع آلاف المصاحف المطبوعة حكومات ظالمة غاشمة، تسفك الدماء وتنهب الأموال وتصادر الحقوق وتحمي الفساد والمفسدين.

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا  بالآيات والذكر الحكيم، والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية

الحمد لله خالق الخلق وباسط الرزق ذي الجلال والإكرام

رابعا: أيها المؤمنون أيتها المؤمنات، إن من أحق ما يجب أن تقضى فيه الإعمار تعلم القرآن الكريم وتعليمه، ليندرج المرء في صفة الخيرية الواردة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :“خيركم من تعلم القرآن وعلمه”، وإن العلوم الإسلامية بأحكامها وفقهها، ومقاصدها وأصولها، وكلامها وعقيدتها، ولغتها وبيانها، وطرقها ومناهجها، ومعقولها ومنقولها نشأت وتطورت نتيجة لتدبر القرآن الكريم اجتهادا واستنباطا واستقراء وتقعيدا وتفريعا وتأصيلا، فعم خير تلك العلوم العالمين، وأسهمت في تطور المعرفة الإنسانية في الشرق والغرب، وما تخلف المسلمون عن ركب التطور العلمي والفكري والمعرفي إلا لما ضعفت صلتهم بالقرآن الكريم، فلم ينفذوا إلى حقائقه، واكتفوا بتكديس المصاحف في الرفوف، والتبرك به في تأبين الموتى وإقامة الجنائز، وتبرير السياسات الظالمة، والسلوكات المنحرفة، وهو أهل للتبرك إذا ما كان ذلك التبرك يندرج في رؤية شاملة كاملة تتخذ من القرآن الكريم مصدرا للتلقي والترقي في مدارج الإيمان والفهم ، ومحفزا على الحركة والعمل.

إن كتاب ربنا ما زال يحتاج إلى خدمات كبيرة، لأن عجائبة لا تنقضي، ورحم الله من قال :”كلما شاب الزمان شبَّ القرآن”، وإن ما استخرجه العلماء من درره وفرائده من تاريخ تنزُّله إلى اليوم لا يبلغ جزءا أو أقل من مائة جزء من أسراره وأنواره، وتعلم القرآن يعين على حفظه وفهمه، فينشرح الصدر ويمتلئ إيمانا، ومن أعرض عنه حرم الخير كله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن الذي ليس في جوفه من القرآن شيء كالبيت الخرب”، وللانتقال من الخراب إلى العمران يلزم تعلم القرآن وتعليمه لكل الفئات والأعمار، وفي كل الظروف والأحوال، عن كنانة العدوي قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد أن ارفعوا إلي كل من حمل القرآن، حتى ألحقهم في الشرف من العطاء وأرسلهم في الآفاق يعلمون الناس. فكتب إليه الأشعري رضي الله عنه أنه بلغ من قِبلي ممن حمل القرآن ثلاثمائة وبضع رجال. فكتب عمر إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر إلى عبد الله بن قيس ومن معه من حملة القرآن، سلام عليكم. أما بعد؛ فإن هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن لكم شرفا وذخرا، فاتبعوه ولا يتبعنكم؛ فإنه من اتبعه القرآن زخ في قفاه (أي دفعه في قفاه) حتى يقذفه في النار، ومن تبع القرآن ورد به القرآن جنات الفردوس. فليكونن لكم شافعا إن استطعتم، ولا يكونن بكم ماحلا(أي خصما مجادلا). فإنه من شفع له القرآن دخل الجنة، ومن محل به القرآن دخل النار. واعلموا أن هذا القرآن ينابيع الهدى وزهرة العلم، وهو أحدث الكتب عهدا بالرحمن؛ به يفتح الله أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. واعلموا أن العبد إذا قام من الليل فتسوك وتوضأ، ثم كبر وقرأ، وضع الملك فاه على فيه، ويقول: اتل! اتل! فقد طبت وطاب لك! وإن توضأ ولم يستك حفظ عليه ولم يعد ذلك(أي يكتفي بتسجيل الحسنات). ألا وإن قراءة القرآن مع الصلاة كنز مكنون وخير موضوع؛ فاستكثروا منه ما استطعتم، فإن الصلاة نور والزكاة برهان والصبر”.

وعلى هذا النهج أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات يسير اليوم رجال الله، وإماء الله، “أنصار الأفصى” يخوضون معركة استنقاذ الإنسانية من “الشر المطلق” الذي يمثله شرذمة الي/ه/ود الص/ه/اينة، يجاهدون العدو بالقرآن جهادا كبيرا، بعد أن أعدوا العدة المادية والمعنوية، جهد الاستطاعة، فعكفوا على حفظ القرآن وتحفيظه، ومدارسته وتعليمه، في المدراس والجامعات والمساجد، لذلك طالتها أيدي التخريب والهدم، وبإزاء كل تحد وفتنة وبلية كانوا يتذكرون آية من كتاب الله، أو حدثا في سيرة رسول الله، فإن خُوِّفوا بقوة العدو تذكروا قوله تعالى: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾، وإن حوصروا وحرموا الطعام والماء والدواء تذكروا ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ﴾، وإن سئلوا عن طبيعة العدو تذكروا ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ال/يه/ود والذين أشركوا ﴾، وإن قتل كبراؤكم وقادتهم تذكروا ﴿ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ﴾، فلم ينقلبوا وأكملوا المشوار، يمسحون عار الانحطاط العربي، وخذلان ذوي القربى.

القرآن…القرآن… عباد الله، هو سر قوتنا، ومصدر عزتنا، ومنبع أخلاقنا، وهادينا إلى الصراط المستقيم، وهو حجة لمن اتبعه وعمل بما فيه، وحجة على من أعرض عنه ولم يعمل بما فيه ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم ازقنا تلاوته وحفظه على النحو الذي يرضيك عنا، واجعلنا ممن يقيم حروفه وحدوده، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، اجعلنا لنا في الدنيا قرينا، وفي القبر مؤنسا، وعلى الصراط النور، وقائدنا إلى جناتك جنات النعيم، اللهم ارزقنا في فهم أوليائك الصالحين، والعلماء العارفين، والمفكرين الذاكرين، وارفع بع البلاء عن أمة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وعن سائر المستضعفين، وانصر به المجاهدين، وارحم به والدينا وأساتذتنا ومشايخنا ومن له الفضل علينا، يا أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.