منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فلسطين وواجب الوقت (خطبة جمعة)

الدكتور أحمد الزقاقي

0

فلسطين وواجب الوقت (خطبة جمعة)
الدكتور أحمد الزقاقي

الخطبة الأولى

الحمد لله ملْءَ سماواته وأرضه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله على كل شيء، تمَّ نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فعفوت فلك الحمد، بسطت يدك فأعطيت فلك الحمد.ربَّنا: وجهك أكرم الوجوه، وجاهك أعظم الجاه، وعطيتك أفضل العطية. تطاع ربَّنا فتشكُر، وتُعصى ربَّنا فتغفر، وتجيب المضطر، وتكشف الضر، وتَشفي السُقم، وتغفر الذنب،وتُمحِّص بالبلاء، وتقبل التوبة، وتنصر المظلوم، وتفرج عن المكروب، ولا يجزي بآلائك أحد، ولا يبلغ مدحتَك قولُ قائل، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، أضاء مولده الأكوان، وأحيى منهجه الأرواح، وهو طريق الإنسانية إلى الفلاح.

وبعد،

أيها المسلمون:

ها نحن اليوم أمام انعطافة كبرى من انعطافات التاريخ، وأمام ملحمة عظمى من ملاحمه، وأمام رجال ونساء من أنبل وأعظم ما أنجبت البشرية، ها نحن اليوم أمام معركة مفصلية مع أجبن عدو، اتخذ أمريكا والغرب من دون الله وكيلا، هو عدو عرف نفسه قبل أن يعرفه الآخرون بأنه دولة يهودية صهيونية، هو استمرار لمؤامرات بني قينقاع وبني النظير وبني قريظة، عدو أوقع أعظم الظلم وأفدحه منذ ما يقرب من قرن من الزمان على إخواننا الفلسطينيين ، إذ اغتصب أرضهم، وسفك دماءهم، وقتل أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، وهدم مساجدهم ومستشفياتهم ومدارسهم ومنازلهم، وخرب سبلهم وطرقهم، ولوث بيئتهم، ودنَّس قدسهم ومقدساتهم، وقطع عنهم الماء والغذاء

كل هذا حدث على مرأى ومسمع من العالم، وخذلان الأقارب، فما وهن الفلسطينيون لما أصابهم وما ضعفوا وما استكانوا، بل اعتصموا بحبل الله المتين، وقرآنه المبين، فصدق فيهم قول الله سبحانه (الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح)، فأمدهم بالصبر واليقين اللذين تنال بهما الإمامة في الدين، كيف لا وهم يقرؤون في كتاب ربهم:(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) ،(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)،(ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) ، (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن كنتم تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون)، (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس)،(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)،فنالوا بذلك حظوة الاندراج في سلك الطائفة المنصورة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم :” لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك”. قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”،وها هم في غزة يثبتون للقاصي والداني أن الشعب الفلسطيني لم يمت ولن يموت، منذ أن زرعت في المنطقة هذه الغدة السرطانية المسماة “إسرائيل” عرش الشيطان الذي جمع الشر كله.

وكان الأليق بالمسلمين جميعهم حكاما ومحكومين أن يهبوا لنصرة إخوانهم، وشد أزرهم، ومدهم بالسلاح والمؤن والرجال ليجسدوا حقا وصدقا الجسد الواحد الذي دعا رسول الله أن نكونه ” مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”، وإن محاولات تقويض هذه الوحدة لم تتوقف يوما أيها المسلمون، منذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنذ أقام أركان الدين والدولة في المدينة، وتحكي لنا كتب التاريخ إحدى تلك المحاولات الإجرامية، مؤداها أن يهوديا يدعى شاس بن قيس، (ولعل هذا الإسم يذكركم بحزب “شاس” الصهيوني المتطرف) على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فأمر فتى شابا من يهود وكان معه فقال له: اعمد إليهم فاجلس معهم فذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وغضب الفريقان وقالوا: السلاح السلاح موعدكم الحرة فخرجوا إليها وتحاوز الناس على دعواهم التي كانت في الجاهلية.

بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم مسرعا فيمن معه من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله.. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟! فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس.

وإن هذا الكيد ليتجلى اليوم في مراصد استخباراتية، ووسائل تكنولوجية متطورة، وأسلحة فتاكة يوفرها الغرب المنافق المتواطئ للعدو الصهيوني بلا حد ولا عد، والمتلفع بالأنانية والعنصرية فهو يريد سلاما لمجتمعاته ولا يريده للآخرين، ويريد لها ديموقراطية ولا يريدها للآخرين، ويريد لها استقرارا ولا يريده للآخرين، ويريد لها رخاء ولا يريده للآخرين، ويريد لها حرية ولا يريدها للآخرين، وفي تاريخه قاومت شعوبه الاحتلال ولا يريد للشعوب الأخرى أن تقاوم الاحتلال، ولهذا فإن السعي لإنهاء هيمنته تخليص للبشرية من شروره، لاسيما وأن له أتباعا وتلامذة في مجتمعاتنا الإسلامية وفي وسط نخبة الحكم والفكر يشكلون طابورا خامسا يعيث فسادا في منظومة الأمة الأخلاقية والتربوية والتعليمية، وتحت غطاء التطبيع مع عدو غاصب لا يفي بعهد أو ميثاق يتسللون ليهددوا أمنها القومي، ويتأكد اليوم بالملموس أن أحد أهم أسباب الخذلان العربي للمقاومين هو تسلط المستبدين الذين يقمعون شعوبهم ويصادرون حقوقهم وحرياتهم ويقطعون الطريق على المسلمين ليعينوا إخوانهم ، ولا مطمع أيها المسلمون في التحرير الشامل لفلسطين إلا بإزالة الفساد والاستبداد ، والاعتصام بحبل رب العباد، وهذا هو المعنى الحقيقي لشعار “فلسطين قضية وطنية”.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم،والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

أيها الإخوة الأفاضل ،أيتها الأخوات الفضليات

لقد فتحت معركة “طوفان الأقصى” أعيننا على عدو ليس كباقي الأعداء، فهو يعادي الإنسانية جمعاء، وانقلبت عنده الموازين فيري الخير شرا والشر خيرا، وبلغ مبلغا من العلو حدثنا عنه القرآن الكريم إذا قال ربنا ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) ، فلا القرارات الأممية نفعت شيئا، ولا محكمة الجنايات الدولية، ولا محكمة العدل الدولية ، ولأول مرة في التاريخ تُنقل الإبادة الجماعة التي يرتكبها اليهود الصهاينة بالصوت والصورة فلا يحرك العالم ساكنا، فأي علو بعد هذا العلو، وليتأكد أن عداوتهم بالأمس هي نفس عداوتهم اليوم، لا فرق بين عداوة تمتطي حصانا أو تركب دبابة، ترمي بسهم أو تطلق قذيفة أو صاروخا، لا فرق بين حيي بن أخطب وبنيامين نتنياهو، ولا بين تسيفي ليفني وزينب بنت الحارث اليهودية التي قدمت لرسول الله كتف شاة مسمومة.

وإنها لدعوة جاهلية جديدة أن ينبري البعض لإثارة الفتن الطائفية والمذهبية، وواجب الوقت يقتضي توحيد الكلمة ورص الصفوف لدعم المقاومة بكل السبل والوسائل، إبراء للذمة، ولإيقاف الإماتة الجماعية التي يتعرض لها أهلنا في فلسطين الغالية، والعناية بمصالح الأمة الكبرى، وإعداد القوة لاستئناف عملية التحرير التي بدأت ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، بدأت وهي تشق طريقها وسط الآلام والجراح والدماء والدموع والعاقبة للمتقين الصابرين على ما أصابهم (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) صدق الله العظيم، فالابتلاء أيها المسلمون في عقيدتنا سبيل للاجتباء والمحبة والاصطفاء.

فواجبنا أولا أن نجدد الصلة بالله وألا ننقطع عنه حتى لا تفسد قلوبنا، وثانيا ألا ننقطع عن وحيه وشرعه حتى لا تتعطل عقولنا، وثالثا ألا ننقطع عن الواقع حتى لا تضطرب أفهامنا وتتشوش أفكارنا، فالمسلم ابن وقته، و”ومن لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” كما في الأثر، ورابعا الجهاد بالمال فهو برهان الصدق الذي يغني عن الشعارات ، وخامسا فضح وحشية العدو لِنَسوء وجهه وصورته في العالمين، وواجب الإعلاميين وأصحاب القلم ألا يغمِسوا ريشتهم في مداد المؤامرة على إخوانهم المقاومين من أهلنا في فلسطين ، وفي مداد الكراهية لمن يُسند أهل غزة، وحسبُهم لِيكُفُّوا ألسنتهم أن يحذروا الوعيد الشديد الذي جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال:” من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله”.

أيها المسلمون: إنه لا عذر لنا في عدم القيام بواجب إغاثة إخواننا في فلسطين كل حسب استطاعته، وأقل درجات ذلك الدعاء للمجاهدين، والغضب لله والمستضعفين، ولله در القائل:

أخي في الله أخبرني متى تغضبْ ؟
إذا انتهكت محارمنا
إذا نُسفت معالمنا، ولم تغضبْ
إذا قُتلت شهامتنا، إذا ديست كرامتنا
إذا قامت قيامتنا، ولم تغضبْ
فــأخبرني متى تغضــبْ ؟
إذا نُهبت مواردنا، إذا نكبت معاهدنا
إذا هُدمت منازلنا، إذا قطعت طرائقنا
وظلت قدسنا تُغصبْ
ولم تغضبْ
فأخبرني متى تغضبْ ؟
عدوي أو عدوك يهتك الأعراض
يعبث في دمي لعباً
وأنت تراقب الملعبْ
إذا لله.. للحـــرمات.. للإسلام لم تغضبْ
فأخبـــرني متى تغضبْ ؟!
ألم يحزنك ما تلقاه أمتنا من الهول
ألم يخجلك ما تجنيه من مستنقع الحل
وما تلقاه في دوامة الإرهاب والقتل ِ
ألم يغضبك هذا الواقع المعجون بالذلِ
وتغضب عند نقص الملح في الأكلِ!!
ألم يهززك منظر طفلة ملأت
مواضعَ جسمها الحفرُ
ولا أبكاك ذاك الطفل في هلعٍ
بظهر أبيه يستترُ
فما رحموا استغاثته
ولا اكترثوا ولا شعروا
فخـــرّ لوجهه ميْتـــاً
وخرّ أبوه يُحتضرُ
متى التوحيد في جنبَيْك ينتصرُ؟
أتبقى دائماً من أجل لقمة عيشكَ
المغموسِ بالإذلال تعتذرُ؟
متى من هذه الأحداث تعتبرُ؟

ختاما نسأل الله النصر للمقاومين ، وأن يربط على قلوبهم، ويثبت أقدامهم، ويسدد رميهم، وأن يجمع شمل الأمة ويكشف الأمة، وأن يرحمنا بهم، ويشفع فينا شهداءهم، وندعو الله أيضا بما دعاه به عبده الصالح، الشهيد السعيد أبو إبراهيم رضي الله عنه:

اللهمَّ إكسر بنا شوكتهم
اللهمَّ نكِّس بنا رايتهم
اللهمَّ أذل بنا قادتهم
اللهمَّ حطم فينا هيبتهم
اللهمَّ أزل بنا دولتهم
اللهمَّ حقق بنا قدرك فيهم بالزوال والتدمير والتتبير
اللهمَّ حقق بنا آمال شعوبنا بالعودة والتحرير .
آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين

#أمانة_التبليغ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.