الخطبة (5) بلاد الشام تحطم الأصنام
الخطبة (5) بلاد الشام تحطم الأصنام/ الدكتور أحمد الزقاقي
الخطبة (5) بلاد الشام تحطم الأصنام
الدكتور أحمد الزقاقي
فلسطين وواجب الوقت (خطبة جمعة)
الخطبة (2): ” إنكار حُجية السنة النبوية تكذيب للقرآن “
الخطبة (3): “العمل الصالح قرين الإيمان وأساس العُمران”
الخطبة الأولى
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده سيدنا محمد وآله وصحبه، اللهم لك حمدا كما نقول، ولك الحمد خيرا مما نقول، ولك الحمد على كل حال ونعوذ بك من حال أهل النار.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
إن االله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذكر لنا أنباء الأولين، والأمم السابقين، والأقوام الماضين، لنكتسب المعرفة بأحوالهم وأفكارهم، فنستفيد من تاريخهم وقصصهم لا لنتسلى بأخبارهم، وذكر لنا كيف تعاملوا مع الحياة ومع الناس ومع أنفسهم، ومع أنبيائهم وزعمائهم وكبرائهم، مع أغنيائهم وفقرائهم، مع أحرارهم وعبيدهم، مع ذكورهم وإناثهم، كل ذلك من أجل أخذ العبرة وتجنب الأخطاء التي وقعوا فيها، والمعاصي التي أهلكتهم، منها معاصي “اقتصادية” دعا شعيب عليه السلام قومه للانتهاء عنها:﴿ يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ ، لكنهم قالوا له : دعنا وشأننا، لا دخل لك في لبراليتنا المتوحشة ﴿ قالوا يا شعيب أصلواتك تامرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾، ومنها معاصي سلوكية دعا لوط عليه السلام أيضا قومه للإقلاع عنها ﴿أتاتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون﴾، فرفضوا دعوته وهددوه بالتهجير القسري خارج الحدود حتى يتركهم أحرارا في اقتراف شذوذهم و”مثليتهم” ﴿قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين﴾، ومنها معاصي اجتماعية كإهانة المرأة ﴿وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت﴾، ظنا منهم أن المرأة تجلب لهم الفضيحة والعار، فأمدهم الإسلام بمقاييس أخرى لا قبل لهم بها، ولذلك قال عمر الفاروق رضوان الله عليه:” والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم”، ومنها معاصي سياسية جمعها كلَّها فرعون:
– التأله وطغيان الذات وجنون العظمة، جمع فرعون الناس وحشرهم كما حكى عنه القرآن الكريم ﴿فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى﴾
– الاستبداد بالرأي، والاستفراد بطريقة واحدة في الحكم والتسيير ﴿قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾
– ليرسخ فرعون الاستبداد ويضمن علوه واستعلاءه وعدم الثورة عليه، كان ينتهج سياسة فرق تسد ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا﴾ أي فرقا وطوائف.
– انقلاب الموازين والمفاهيم، فيرى ما عليه الآخرون من حق باطلا، وما هو عليه من باطل حقا ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾، يا عجبا كيف تصير دعوة موسى إلى عبادة الله وحده، وإلى العدل والحق والخير دعوة إلى الفساد، وما أشبه صنيع فرعون بصنيع من يطلق على المقاومة المشروعة اسم الإرهاب، وعلى العفة اسم التزمت، وعلى المصلحين اسم المجرمين والمشاغبين ، وعلى المعتدلين الأسوياء اسم المتطرفين الأغبياء، وعلى الوقوف في وجه الظلم والظالمين اسم الفتنة، وعلى الزنا اسم “العلاقات الرضائية”، وإن ذلك الانقلاب في الموازين والمفاهيم ليعادل حالة السُّكر التي تُغيِّب العقل وتُغَطِّيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها” وقد سموها “مشروبات روحية”.
– الاستئثار بالامتيازات واحتكار الثروات ﴿ ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون﴾
– يحيط فرعون نفسه بطائفة من السحرة المأجورين الذين يزينون للناس باطل الاستبداد والفساد، ويشيعون الخرافات والأساطير، فيتسلطون على الضمائر، ليحسب الناس أن طاعة الفرعون دين من الدين، فيدنيهم إليه ويقربهم ويرشوهم ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين، قال ونعم وإنكم لمن المقربين﴾.
– اتباع سبل القتل والتصفية والتعذيب للمعارضين ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم﴾
– يبني فرعون جيشا يخدم أهدافه ومطامعه ونزواته ولا يخدم شعبه، قال تعالى: ﴿واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق﴾.
– نزع فرعون من قلوب الناس الشعور بالكرامة، وقتل فيهم حس المبادرة، وأمعن في قهرهم حتي صاروا خفاف العقول، قال تعالى في هذا المعنى عن فرعون ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾، قال المفسرون: كان يطلب إليهم الإسراع إلى طاعته فيما يأمرهم به ولا يقبل منهم تلكأ أو تأخرا، ورحم الله شهيد الظلال حينما قال عن هذا الصنف من الناس الذين يسهل استغفالهم :” وما الطاغية إلا فرد،لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانا، وإنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب، وتمد له أعناقها فيجر، وتحني له رؤوسها فيستعلي، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى”.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
لقد سار على هذا النهج الفرعوني، حكام فسقة فجرة أذلوا عباد الله وقهروهم، وإن الأمة الإسلامية اليوم ومعها العالم كله شاهدوا تهاوي عرش أحد فراعنة الزمان، وحكم الطغيان الذي أسسه كبير المجرمين حافظ الأسد ووراث سره في الإجرام بشار الأسد في بلاد الشام، أسسوه ورفعوا بنيانه على جماجم وجثث الأبرياء الذين ألقوا بهم في السجون والمعتقلات، فلم يتركوا فعلة شنيعة من فعلات فرعون إلا أتوها وزادوا عليها بما لم يعرفه فرعون ولا جنوده:
– فتألهوا وتجبروا ونقل الإعلام المرئي مشاهد سجود حاشية الطاغية وشبيحته لصوره، وهم يرددون شعار “الأسد أو نحرق البلد” وشعار” الأسد أو لا أحد”، فأحالوه إلى صنم يعبد من دون الله.
– وأماتوا الحياة السياسية والاجتماعية فلا جمعيات ولا أحزاب، ولا صحف حرة ولا مجلات
– وأحاطوا أنفسهم ب”السحرة” الذين تمثلوا في جوقة من الإعلاميين المأجورين والفنانين المتزلفين والكتاب والصحفيين المنافقين يزينون للطاغية سوء عمله ويرفعونه إلى سماء التقديس، متسترين خلف عناوين القومية والحداثة والاشتراكية والدمقراطية والوحدة.
– أغرقوا شباب سوريا في الفواحش والمخدرات التي أقاموا لها مصانع تحت بيوتهم، وما تركوا طريقة وحشية من طرق التعذيب إلا ارتكبوها مما اطلع عليه العالم في سجن “صيدنايا” الرهيب: تجويع، وإهمال طبي، واعتداءات على الأعراض وتذويب للجثث وطحنها بعد عصرها، ومقابر جماعية، ومن نجا من كل ذلك سلطوا عليه أجهزة المخابرات فرموا بهم في ظلمات السجون والمعتقلات حيث أفنوا زهرة أعمارهم ، وحيث اغتصبت نساء طاهرات عفيفات.
– أوقدوا نيران الفتن بين دول وجماعات في العراق ولبنان والأردن وغيرها، ورصدوا لكل ذلك أجهزة مخابرات جهنمية، وأوكلوا تسييرها والإشراف عليها لجلاوزة جلادين نزعت الرحمة من قلوبهم، وصاروا يتلذذون بتعذيب الناس وإهانتهم، لكن شعب سوريا الأبي لم يستسلم، وما وهن لما أصابه، فصبر ونهض لمقارعة الظالمين ورفع الظلم، إلى أن من الله تعالى عليه بالنصر على الطاغية المبير الذي هرب تحت جنح الظلام، فالحمد لله على إنعامه وإفضاله، وعطائه ونواله.
الخطبة الثانية
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
لقد طوى الشعب السوري بهذه الثورة المجيدة مرحلة مظلمة من تاريخه، وتخلص من حكم طواغيت “آل الأسد” هذه الشجرة الملعونة التي ما عرف تاريخ المسلمين المعاصر لإجرامها مثيلا ولا نظيرا:
– وإنها لنعمة تقتضي الشكر، قال الله سبحانه: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾، قال المفسر الكبير الطاهر بن عاشور رحمه الله :” وفي ذلك كلّه تنبيه على أنَّه يحقّ الحمد لله عند هلاك الظلمة، لأنّ هلاكهم صلاح للناس، والصلاح أعظم النعم، وشكر النعمة واجب. وهذا الحمد شكر لأنّه مقابل نعمة. وإنّما كان هلاكهم صلاحاً لأنّ الظلم تغيير للحقوق وإبطال للعمل بالشريعة، فإذا تغير الحقّ والصلاح جاء الدمار والفوضى وافتتن الناس في حياتهم فإذا هلك الظالمون عاد العدل، وهو ميزان قوام العالم”
– وإنها لنعمة ربانية تقتضي ألا نفسد الفرحة بها على أهلها، وهم الذين ذاقوا الويلات سنين عددا، بل يجب الفرح لفرحهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أفضل العمل إدخال السرور على المؤمن)، والشعور بالجسد الواحد يكون في الفرح والقرح قال عليه الصلاة والسلام (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)
– وإنها لنعمة تستوجب منا أن ندعو لمن كان سببا في تنزلها وهم المجاهدون القائمون الذين كانوا يصلون الليل بالنهار ليتبينوا سبل التخلص من الطاغية وطرق تحرير بلدهم من الاحتلال الداخلي، وأن ندعو لهم بأن يكونوا أهل رحمة وحكمة وتؤدة وصبر وتثبت ويقظة، وأن يعالجوا ماضي الفساد والاستبداد والفتنة بالعفو الشامل الذي يستثنى منه عتاة المجرمين الذين قتلوا وعذبوا الناس فيجب إخضاعهم للمحاكمة العادلة لينالوا جزاءهم.
– وتستوجب أيضا الدعاء لقادة أهل الشام الجدد بأن يكونوا مثالا في النزاهة والخدمة والحكم، وألا يستعجلوا، فما خربه المستبدون في سنوات لا يمكن إعادة بنائه في أيام، وليبدؤوا بإطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف، وليسعوا الجميع بجميل معشرهم مع الموافقين والمؤالفين، مع الموالين والمعارضين، وليحذروا مؤامرات الصهاينة والصليبيين ومن يحالفهم أو يواليهم من فلول النظام السابق الذين لن يألوا جهدا في نسج المؤامرات وإشعال الفتن، وليؤسسوا جيشا قويا بعقيدة عسكرية جديدة قوامها الوفاء لهوية البلد الحضارية والوطن والمواطنين.
– إن ما أصاب الحكام الظالمين في بلاد الشام يستوجب أن يكون عبرة لمن يحكم بلاد المسلمين بالحديد والنار، ويهددهم بالهلاك والبوار، فالله تعالى يمهل ولا يهمل قال جل وعلا: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾ هؤلاء الظالمون كانوا يظنون أن لا أحد بمقدوره أن يزحزحهم عن كراسي الحكم كما قال تعالى عنهم ورد عليهم عندما سألوه الرَّجعة إلى الدنيا ليعملوا صالحا ﴿أو لم تكونوا اقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ فكانوا يقولون “يسقط ربكم ولا يسقط بشار” (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا)، فليتجنب كل الحكام الظالمين مصير “آل الأسد” بأن يتصالحوا مع شعوبهم، ويسيروا فيهم بسيرة العدل، وإلا سيجرفهم الطوفان ليصبحوا في خبر كان، وعندئذ طوبي ثم طوبي لمن مات وهو يسعى لاقتلاع ظلمهم قال تعالى ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا على الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
فاللهم دبر لأهل سوريا تدبير رشد يُعز فيه أولياؤك، ويذل فيه أعداؤك، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظهم من مكر الماكرين، وكيد الكائدين، وأنزل عليهم من بركات السماء، وأخرج لهم من بركات الأرض، فإنك نعم المولى ونعم النصير، اللهم إنا نستودعك أهلنا في فلسطين، وارفع عنهم البلاء وانصرهم على عدوك وعدوهم وعدو بني الإنسان، يا حنان ويا منان، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين،
اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، يا رحيم، يا غفار، آمين والحمد لله رب العالمين