منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطبة (2): ” إنكار حُجية السنة النبوية تكذيب للقرآن “

د. أحمد الزقاقي

0

الخطبة (2): ” إنكار حُجية السنة النبوية تكذيب للقرآن “

د. أحمد الزقاقي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي علَّم القرآن ، خلق الإنسان علمه البيان، اللهم لك الحمد ربنا فأنت أهل أن تحمد وتعبد وتشكر. لك الحمد ربنا ضيقاً واتساعاً، حمداً كثيراً ملء قلوبنا وملء السماء. اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة سيدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه.

أما بعد، أيها المسلمون:

إن القارئ للقرآن الكريم لَيُلاحظ الربط الوثيق بين الدعوة إلى طاعة الله والدعوة إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، و الدعوة إلى اتباع الله و الدعوة إلى اتباع الرسول، و الدعوة إلى مبايعة الله والدعوة إلى مبايعة الرسول، ولا تغني الشهادة لله بالوحدانية عن الشهادة لرسوله بالرسالة، فبشهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يثبت اسم المسلم والمسلمة في ديوان الإسلام، قال الله سبحانه : ﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ ، ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ﴾ ، ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ ، ﴿ ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ﴾ ،﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ ، ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ﴾ ، ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم ﴾،

إن هذه الآيات القرآنية كلها تصل بنا أيها المسلمون إلى نتيجة واحدة وهي أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم جزء من طاعة الله،ولذلك توجه الله سبحانه بالوعيد الشديد لمن يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خصه سبحانه بوظيفة البيان للوحي، فكان بيانه وحيا من الوحي ﴿ وأنزلۡناۤ إلیۡك ٱلذكۡر لتبین للناس ما نزل إلیۡهمۡ ولعلهمۡ یتفكرون﴾، وخصه أيضا بوظيفتي التعليم والتزكية ﴿ هو ٱلذی بعث فی ٱلۡأمیۧن رسولࣰا منۡهمۡ یتۡلوا۟ علیۡهمۡ ءایتهۦ ویزكیهمۡ ویعلمهم ٱلۡكتب وٱلۡحكۡمة وإن كانوا۟ من قبۡل لفی ضللࣲ مبینࣲ﴾، ومن بيانه إنشاء أحكام جديدة لم ترد في القرآن الكريم كعدد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة، والمحرمات من الأنكحة كالجمع في الزواج بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، والمحرمات من الألبسة كتحريم الذهب على ذكور أمته، إلى غير ذلك مما جرى عليه المسلمون، واستقر عليه واقعهم الاجتماعي، واكتسبوا به رفعة إيمانية،و هوية حضارية، وميزة أخلاقية،.

واليوم ظهرت شرذمة من منكري السنة النبوية تدعو إلى إسقاط حُجيتها بدعوى الحفاظ على سمو القرآن الكريم، ودعوى اشتمال السنة والحديث على الموضوع والمكذوب والضعيف، وهم في الحقيقة ليس غرضهم إلا التدرج في نسف مصادر العلم والتلقي والترقي عند المسلمين حتى إذا فرغوا من السنة سَهُل عليهم إعدام القرآن، والغريب العجيب أنهم يطلقون على أنفسهم اسم “القرآنيون” وهم أبعد ما يكونون عن القرآن، والصحيح أنهم كتلة جديدة من المنافقين الذين يريدون نسف الإسلام من الداخل بالحيلة بعد أن فشلوا بالحول والقوة، ومن عجيب صنع الله أن يُثبت هؤلاء صدق نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهورهم، فقال:” لا أَلفَينَّ أحدكم مُتَّكِئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)، فذكر عليه الصلاة والسلام شُبهتهم وإفكهم ، ووصف حالهم الظاهر والباطن، فالواحد منهم متكئ على أريكته فهو قابع في مُستَراح النقد البارد، والتفرج البليد، والدعة والراحة، طاعم كاسي، متكبر قاسي، لا يقبل حوارا أو مجادلة، ولا رجوعا ولا مراجعة، فالأليق هو أن يسموا “الأريكيون” لا “القرآنيون”، أما دعواهم في نقد الأحاديث فقد سبقهم إليها بعلم وعدل جهابدة علماء الحديث إذ أسسوا قواعد للنقد وبيان الحديث الضعيف من الحسن من الموضوع من الصحيح، فكان نقدا من داخل الدار، فقد انتقد الدارقطني مثلا على البخاري رحمهما الله أحاديث ولكن كان ذلك من منطلق الخبرة والتخصص، ومن منطلق الأدب والسماحة.

أيها المسلمون،إن دعوات إسقاط السنة تأتي في سياق هجوم كبير على الإسلام وقيمه وشرائعه وأخلاقه، وفي سياق انتشار الإسلاموفوبيا وكراهية المسلمين في الغرب الذي صار ينفق أموالا طائلة لاستقطاب مفكرين مسلمين بالاسم والوراثة لخدمة أهدافه، فأسسوا مراكز تفكير وتكوين تقف وراءها شبكات إعلامية تعمل عمل سحرة فرعون تُزيِّن القبيح وتُقبِّح الجميل، كل ذلك تحت عنوان “الإصلاح الديني” وهم لا يقصدون إلا “إصلاح” الإسلام ويُحجمون جبنا عن توجيه أي نقد للتقليد اليهودي أو المسيحي بخصوص وضعية المرأة وقواعد الميراث المتخلفة التي لا ترقى أبدا إلى سمو القواعد الإسلامية.

أيها الإخوة الأفاضل، أيتها الأخوات الفضليات:

هل تعلمون ماذا يعني إسقاط حجية السنة النبوية؟ إليكم الجواب:

أولا: إسقاط حجية السنة النبوية يهدم البناء العقدي للمسلم، وهذا البناء ركناه الرئيسان شهادة ألا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فأي شهادة ثانية تبقى بإنكار السنة، أو النظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كساعي بريد أوصل رسالة وكفى.

ثانيا: إسقاط حجية السنة يعني إطفاء جذوة محبة الرسول الله علية وسلم في قلوب المسلمين، ولا تتحقق محبة الله إلا بمحبة رسوله ، قال سبحانه : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾.

ثالثا: إن المراد بدعوات إسقاط حجية السنة هو تغييب الجانب التطبيقي للإسلام الذي جسدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتبع إضعاف الاقتداء والتأسي به، أو لم تقل عنه أمنا عائشة رضي الله عنها :”كان خلقه القرآن” ، فالقرآن يشتمل على عمومات تحتاج إلى تخصيص، وعلى مطلقات تحتاج إلى تقييد، وعلى إجمال يحتاج إلى وتفصيل، وكل هذا فعله الرسول صلى الله عليه وسلم.

رابعا: إسقاط حجية السنة يعني إعدام قرون من الاجتهاد الفقهي والأصولي والكلامي المرتبط بالسنة النبوية، مما يجعل تراث المسلمين أفقر تراث في العالم.

خامسا: إن في إسقاط حجية السنة وتوجيه الناس مباشرة إلى القرآن الكريم ما يُجرِّؤُهم على الاجتهاد من غير تحصيل شروطه وضوابطه، مما سيحول منظومة عقائدنا وأفكارنا إلى ساحة مستباحة وعرضة للتفكيك والتخريب.

هذه أيها المسلمون خمس معان لإسقاط حجية السنة النبوية، سنُتبعها في الخطبة الثانية بخمس أخرى، جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، وأن يحسن ختامنا، ويتقبل أعمالنا إنه سميع مجيب.

الخطبة الثانية

الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وآله وصحبه

نعم أيها الأفاضل، أيتها الفضليات، إن الدعوة إلى إسقاط حجية السنة النبوية مؤامرة لمحو الإسلام والقضاء المبرم عليه، وإن مما تعنيه تلك الدعوة أيضا:

سادسا: تهديد استقرار الأوطان، لأن العمل بالسنة خلق واقعا اجتماعيا مُؤطَّرا بالشرع والأخلاق، فلا عجب إن خرج منكروها على الناس يدعون إلى الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج بدعوى أن التحريم لم يأت به القرآن وإنما أتت به السنة، وقس على ذلك الصلاة، إذ قرأنا للمنكرين قولهم إن المراد بالصلاة ليس عدد الركعات وإنما يكفي إرادة الخير للناس والارتباط الروحي بالله، فأي معنى يبقى للعبادة مع هذا الفهم السقيم والبهتان العظيم.

سابعا: إن ما جرى عليه عمل الدول والمجتمعات في العالم هو تحرير الدساتير التي تحكم علاقات الناس فيما بينهم وعلاقاتهم بالدولة والمؤسسات بصيغ عامة تبينها القوانيين التفصيلية والتطبيقية، وقياسا على منطق المنكرين للسنة ، يخرج واحد ممن قرأ الدستور الذي ينص على تمتع المواطنين بحق الحرية، فيريد أن يفعل ما يشاء، لكن القوانيين التفصيلية هي التي توضح له ضوابط وحدود الحرية التي يستحقها، وهذا هو شأن السنة مع القرآن.

ثامنا: إن في الدعوة إلى إسقاط حجية السنة دعوة إلى الإعراض عن الثروة النقدية الكبيرة التي خلفها العلماء المسلمون في مجال نقد الخبر التاريخي والحديثي، إن على مستوى النقد الخارجي المتصل بالأسانيد والرواة، أو على مستوى النقد الداخلي المتصل بالمضامين والكلمات، فقد ظهر الوضع والكذب في الأحاديث نتيجة الفتن السياسية التي مر بها المسلمون، وقد توعَّد الحديث النبوي الوضاعين والكذابين بالنار وأليم العذاب فقال صلى الله عليه وسلم “من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار”، وهكذا ظهر علم المصطلح الحديثي للتمييز بين الروايات المكذوبة والروايات الصحيحة، فسمى علماؤه الحديث الذي يسقط من سلسلة رواته راو واحد “منقطعا”، والذي يسقط من سلسلته راويان “معضلا”، والذي يسقط من مُبتَدئه راو “معلقا” ، والذي تقحم فيه كلمات ليست منه سواء في بدايته أم وسطه أم آخره “مُدرجا”…إلخ،

تاسعا: إن المعايير التي يستعملها “الأريكيون” في إسقاط حجية السنة النبوية ستؤدي إلى نشر الفوضى الفكرية في العالم، إذ ستبقى المدارس والعقائد والأفكار بلا علماء ولا شيوخ ولا أساتذة.

عاشرا: وأخيرا فإن في الدعوة إلى إسقاط حجية السنة النبوية خدمة للأعداء الذين يسعون إلى قطع صلة المسلمين بنبيهم وميراثه، وإلى اقتلاع جذور المقاومة الثقافية من قلوبهم وعقولهم.

وخير ما ننهي به الكلام، ونجعله مسك الختام الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيدنا محمد وآله وصحبه، فاللهم لا تخالف بنا عن نهجه ولا عما جاء به، واحشرنا في زمرته،وآته الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، اللهم إنا نسألك زيادة في الإيمان وبركة في العمر، وصحة في الجسد، وسعة في الرزق، وتوبة قبل الموت، وشهادة عند الموت، ومغفرة بعد الموت، وعفواً عند الحساب، وأماناً من العذاب، ونصيباً من الجنة، وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين،اللهم فرج كروب المسلمين، ووفقهم للاستقامة على دينك، وانصرهم على عدوهم، ووفقهم لكل خير، اللهم إنا نستودعك بيت المقدس وأهل فلسطين ، اللهم انصرهم وارزقهم القوة والهمة والصبر واربط على قلوبهم وانزل عليهم من رحماتهك، اللهم داوي جرحاهم واشف مرضاهم وتقبل شهداءهم، واقهر عدوهم، يا ربي لا ترفع له راية ولا تحقق له غاية، واجعله للعالمين عبرة وآية يا ارحم الراحمين.

اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا، سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، آمين والحمد لله رب العالمين.

#أمانة_التبليغ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.