الخطبة (3): “العمل الصالح قرين الإيمان وأساس العُمران”
للدكتور أحمد الزقاقي
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الذي علا فقهر، ومَلَكَ فقدر، وعفا فغفر، وعلِمَ فستر، وهزَمَ ونصر، وخلق ونشر، الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء، الحمد لله على كل شيء، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير، أصدق من آمن وعمل، سيدنا محمد وآله وصحبه ومن اتبع هداه.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات
إن الله تعالى في القرآن الكريم ما ذكر الإيمان والمؤمنين إلا أتبعهما بذكر العمل الصالح،
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، وقال أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وقال أيضا:َ ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ وقال أيضا: ﴿َالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴾، وقال أيضا: ﴿.فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾، وقال أيضا: ﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، وقال أيضا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، وقال أيضا: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّـهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾، وقال أيضا: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ وقال أيضا بأوضح بيان: ﴿والعصر إن الانسان لفي خسر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.
- إن هذه الآيات الكريمات من كتاب ربنا تبين لنا أمورا مهمة وهي:
– أولا: لا قيمة لإيمان ليس معه عمل صالح، فثمرة الإيمان هي العمل الصالح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل”
– ثانيا: علامة الإيمان حسنُ الخلق ، ولهذا يجب أن يُرى للإيمان أثر عملي في الحياة، وإذا انفصل الإيمان عن الحياة، اضمحل ونقُص حتى يختفي. قال عليه الصلاة والسلام: “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا”.
– ثالثا: الإيمان الحقيقي هو قول واعتقاد وعمل، أو كما قال الراسخون من علمائنا: الإيمان نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، قال رسول الله صلى الله عليه سلم “لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيم قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه”، ولذلك قال مالك بن دينار – رحمه الله-:” الصدق والكذب يعتركان في القلب حتّى يُخرج أحدهما صاحبه”، ولَكَم خرَّب اللسان من بيوت، ففرق بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه، ولكم سمَّم من علاقات، وأشعل من حروب، وأخلَّ باستقرار المجتمعات، وإن كان من جهة يجب عليها أن تلتزم باستقامة اللسان فهو الإعلام بالتنزه عن الخوض في أعراض الناس، والتشهير بهم، والحط من كرامتهم، والتحريض على شرفائهم ونُجبائهم، ويَعظُم الأمر عندما يستعين الإعلام بالصوت والصورة فينشر الإشاعة والبشاعة والميوعة والتفاهة، وكان أحرى به أن يطمع في وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحذر وعيده الشديد اللذين وردا في حديثه:” إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يُلقي لها بالا يرفع الله تعالى بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالا يهوي بها في جهنم”.
– رابعا: ينبع العمل من إرادة داخلية ذاتية ، فلا يحملُ المؤمنَ على العمل قهر حكومي ولا ضغط خارجي وإنما يدفعه إلى ذلك ابتغاء وجه الله ورضوانه، وجر النفع والخير للمسلمين والناس أجمعين، قال عليه الصلاة والسلام: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات:
إن افتراق الإيمان عن العمل الصالح يؤدي إلى انتشار الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، ويؤدي أيضا إلى الاهتمام بالأشكال والمظاهر أكثر من الاهتمام بالمخابر والجواهر، واستغلال دين الله لتحقيق المصالح الشخصية والمآرب السياسية، والمتاجرة به في سوق الشعارات، فتُنزع منه روح العبادة ، وسر الإخلاص، فيُطبِّع الناس حياتهم مع المنكر، ولا يرون تناقضا بين إيمانهم وبين السلوكات المخالفة له، ولهذا أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنكير على هؤلاء، واعتبر إيمانهم تشوبه الشوائب التي تُنقِص منه وتنزلُ به عن درجة الكمال، جاء في الحديث الصحيح:” لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. “، فحال ارتكاب المؤمن لهذه الكبائر ترفع عنه صفة الإيمان، ليس بمعنى أنه صار كافرا، ولكن بمعنى نقصان إيمانه، بتغييب نظر الله إليه، فنزع ثوب الحياء وبارز الله عز وجل بالمعاصي، وإن من أشد التيارات تخريبا للإسلام تيار لا يعتبر العمل الصالح من مصاديق الإيمان، إذ قال أحد دجاجلته: “يحرُم الخروج عن طاعة الحاكم حتى لو خرج على الهواء مباشرة يزني ويشرب الخمر لمدة نصف ساعة يوميًا”.
جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الصادقين، ووفقنا لخير العمل، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين
الخطبة الثانية
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، سيدنا محمد وآله وصحبه
من علامات صدق الإيمان أيها المؤمنون، أيتها المؤمنات، الاهتمام والتهمم بأمر المسلمين، وقد فضَّل أهل العلم الأعمال التي يتعدى نفعها إلى الآخرين على الأعمال ذات النفع الخاص، فبذلك يصير الإيمان حيا متفاعلا مع الواقع وفاعلا فيه، وموجها له وحاكما عليه، ونافيا لآفتي الأنانية والكبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، فالمؤمن يكف أذاه عن الناس ، وأقرب الناس إليه بعد والدية وذوي رحمه الجيران ، قال عليه الصلاة والسلام:” والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه”، وينفطر قلبه لما يصيبهم من كرب أو ضيق، أو شدة أو جوع، قال عليه الصلاة والسلام:” ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع”.
إن صنائع المعروف تزكي العمر، وتزيد في الإيمان، وتُكسب رضى الرحمان، قال عليه الصلاة والسلام :” إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرِضتُ فلم تعدني – (تَزُرْني) – قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرِض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك، فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تُسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي”.
وقال أيضا:” أحب الأعمال إلى الله سرور تُدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد – (يعني مسجد المدينة) – شهرًا، ومن كف غضبه، ستر الله عورته، ومن كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله عز وجل قلبه أمنًا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى أثبتها له، أثبت الله عز وجل قدمه على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلُّ العسل”، بهذه الأعمال الصالحة يحقق المسلم صفة الإيمان الحق، ويكون لعبادته وذِكره معنى، وبهذه الأخلاق تُبنى مجتمعات الإيمان والعمران الأخوي، إن شئتم أقرؤوا قوله عليه الصلاة والسلام :” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه”، وقوله:” مثل المؤمنين في توادهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم . مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”، ولو جمعنا سبب تخلف المسلمين في كلمة لقلنا: إنه الانفصال النَّكِد بين الإيمان والعمل والصالح، فألفينا في مجتمعاتنا من يرفع شعارات الإيمان ولا يتورع عن خيانة الأمانة، أو ينهب المال العام، أو يتلكأ في قضاء مصالح الناس، أو يُمكِّن للفساد والمفسدين في الأرض، أو يصادر الحريات والحقوق، أو لا يتقن عمله، أو يسيء معاملة زوجته.
فآمنوا عباد الله حق الإيمان واعملوا صالحا تكونوا من الفائزين في الدنيا والآخرة، ونجعل مسك الختام الصلاة والسلام على أشرف الأنام سيدنا محمد وآله وصحبه، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم وفقنا لصالح الأعمال والأقوال.
اللهم كن لأهلنا في فلسطين وليا ونصيرا ومعينا وظهيرا، إنّهم عبادُك وأولياؤك، قد ضاقت بهم المسالك، وأحاطتْ بهمُ المهالك، وأغلِقتْ دونهم المعابر، وتكالبتْ عليهمُ الأمم، واشتدّ بهم الأمر، وقهرهم الجوع والظلم والفقر، وعظم عليهم الخطب، واستحكمت حولهم الدوائر، اكشف غُمّتهم، وفرِّج كُربتهم، وأغِثْ لهفتهم، وآمِنهم في أنفسهم وفي أوطانهم، ووسّعْ عليهم من رزقك العظيم، وفضلك العميم، وَجودِك الكريم، واشمل بحفظك أهل لبنان، واحقن دماءهم يا عزيز يا حكيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.