ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ في الأناجيل الأربعة القانونية
الدكتور مصطفى العلام
قبل أيام قلائل، احتفل المسيحيون بحلول العام الميلادي الجديد 2026، الذي يقترن في الذاكرة المسيحية بولادة غير طبيعية للسيد المسيح عليه السلام. وهي مناسبة سانحة للحديث عن هذه الولادة، وعن الأحداث التي رافقتها،من خلال النصوص المقدسة المذكورة في الأناجيل الأربعة التي يعترف بها المسيحيون قاطبة.
لابد من التذكير أن الأناجيل القانونية الأربعة[1] هي : متى[2] ـ مرقس[3] ـ لوقا[4] ـ يوحنا[5] تعد من المصادر الرئيسية لمعرفة حياة المسيح ـ عليه السلام ـ من الولادة إلى الصلب والقيامة كما يزعمون. فكيف تناولت الأناجيل الأربعة حدث ولادة المسيح عليه السلام؟.
إنجيل متى ولوقا: نجد فيهما أن يسوع ولد في مدينة بيت لحم، من أمه العذراء مريم، التي حملت وولدته بطريقة إعجازية ، بواسطة الروح القدس، بدون أي اتصال جسدي ، حيث ينص إنجيل لوقا على زيارة الملَك جبرائيل لها ليخبرها بأنها قد اختيرت لتكون والدة ابن الله، في الإصحاح الأول: » وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» [6].ثم تستكمل قصة ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ في إنجيل لوقا بالحديث عن مريم، التي
كانت في خلوتها، فتفاجأت بالروح الأمين جبريل ـ عليه السلام ـ على هيئة رجل سوي مكتمل، فلما رأته اضطربت لكلامه فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ». فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: «كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟» فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.
وَهُوَذَا أَلِيصَابَاتُ نَسِيبَتُكِ هِيَ أَيْضًا حُبْلَى بِابْنٍ فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَهذَا هُوَ الشَّهْرُ السَّادِسُ لِتِلْكَ الْمَدْعُوَّةِ عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ». فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فَمَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ. [7]
بعد ذلك، وفي إنجيل متى، يتم الحديث عن الحكم الذي صدر في تلك الفترة، بأمر قيصر الروم بأن يحصى كل سكان الإمبراطورية ، مما دفع مريم وخطيبها إلى مغادرة الناصرة إلى مدينة بيت لحم ليقوما بالإحصاء هناك لأنهما من آل داوود وعشيرته. وعندما جاء مريم المخاض لم تجد إلا مكانا للدواب[8] لتضع مولودها. يتحدث إنجيل متى كذلك عن قدوم مجوس من الشرق، محملين بالهدايا لزيارة الطفل المولود، بعد أن تتبعوا نجما ظهر في السماء، آمنوا بأنه إشارة من السماء على ولادة يسوع في بيت لحم اليهودية، على عهد هيرودوس [9]: «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ».[10]
وبذلك شاع أمر ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ وأصبح هو وأمه حديث الناس، فأمر الإمبراطور الروماني بقتل كل أطفال بني إسرائيل، فهربت به أمه إلى مصر، وهذا مانجده في إنجيل متى : “وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني».[11].
إنجيل مرقس: أما إنجيل مرقس فلم يذكر شيئا عن الولادة ولا الخطبة ليوسف، واكتفى بذكر التعميد من يوحنا والخروج بعده للدعوة [12].
إنجيل يوحنا:كما أن إنجيل يوحنا لم يذكر شيئا عن ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ وتحدث عن الكلمة، وعن مسألة تجسيد الله واتحاده به « فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» إلى أن يقول: « وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا»[13] .
فيسوع المسيح تكون في بطن أمه من غير نطفة سابقة من رجل، وهي في الخامسة عشر من عمرها[14] ، وقد حدد مرقس ولوقا الأيام التي ولد فيها المسيح، وهي الأيام التي كان فيها هيرودوس ملكا قبل العام الثالث قبل الميلاد. أما لوقا فيقول بأن عمر يسوع ـ زمن هيرودوس ـ كان حوالي الثلاثين من العمر، في حين عمده يوحنا في السنة الخامسة من حكم تيبريوس، أي عام 28-29 ق. م. ومنهم من يشير إلى أن ميلاد المسيح عليه السلام كان عام 1-2م [15].
الهوامش
[1] لما منح الإمبراطور قسطنطين عطفه لأتباع المسيح واعتزم الدخول في دينهم، فإذا هم لم يكونوا متفقين إلا في التعلق باسم المسيح و اشتد الخلاف بين الطوائف، فأمر بعقد مجمع نيقية عام 325م.فجاءت الطوائف المختلفة ومعها عشرات الأناجيل ومئات الرسائل للتدقيق وإظهار الحجة، وليس في اختلافهم ما يزيل الشك بل يقويه لعدم وجود الإسناد. فسمع الملك تلك المناظرات فعجب أشد العجب. ثم جنح أخيرا إلى رأي بولس لقربه من أفكاره الوثنية، وعقد مجلسا خاصا بالأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي. فاختارت الكنيسة المنتصرة من تلك الكتب والرسائل ما لا يتعارض مع نزعتها، ومنها أربعة أناجيل، فسلمت بها وجعلتها قانونية. وهذا خلاف ما نجده في المصادر المسيحية حيث يذهب بعضهم إلى أن الأناجيل الأربعة قبلت بإجماع وليس بالاختيار والتصويت كما يشير إليه مجمع نيقية. يقول القس صموئيل مشرقي: « وقد قبلت البشائر الأربع كوثائق رسمية قانونية بالإجماع في أواخر القرن الثاني حوالي سنة 180م بعد أن كانت قد ظهرت منذ القرن الأول بشارتا لوقا ومرقس في رومية ومتى في أنطاكية ويوحنا في أفسس واشتهرت كل من هذه البشائر أولا في كنيسة المدينة التي ظهرت فيها لأول مرة ثم ظهرت في الكنيستين الأخيرتين وبعد ذلك قبلتها جميع الكنائس.» ( أنظر: مصادر الكتاب المقدس، طائفة الأقباط مجمع الله الخمسيني، بقلم القس صموئيل مشرقي، مطبعة الأمانة، صدر بالقاهرة- جمهورية مصر العربية في 1973، ص: 19.)
[2] أحد تلاميذ المسيح عليه السلام الإثني عشر ، الذين لازموه ،وعاشوا معه ، كتب إنجيله باللغة العبرية ، وقد ضاعت النسخة الأصلية ، ولم يبق إلا ترجمتها اليونانية ، واختلفوا في تاريخ تدوينه فقيل سنة 37 أو سنة 41 ، غير أن النقاد ينكرون نسبة هذا الإنجيل إلى متى كما يروي وول ديورانت ويرون أنه من تأليف أحد أتباعه ، وقد نسبه إلى الحواري ليقع من الناس موقع الاطمئنان والقبول( بين الإسلام والمسيحية –كتاب أبي عبيدة الخزرجي المتوفى سنة 586 هـ/ حققه وقدم له وعلق عليه محمد شامة – مكتبة وهبة – دون طبعة، ص: 65)
[3] ليس من الحوارين ، ولم يجتمع به السيد المسيح ، وإن عد من السبعين. ويقال أنه بشر بإنجيله في الإسكندرية باللغة اليونانية ، ويختلفون في تاريخ تدوينه، فقيل سنة ،52 والأغلب أنه سنة 60م أو 63 م .كما اختلفوا في نسبه هذا الإنجيل له ، قيل أنه أنطاكي من أنطاكية ، وقيل أنه روماني، وقيل أنه كان طبيبا ،وقيل كان مصورا .يعد من تلاميذ بولس ورفقائه . ( بين الإسلام والمسيحية :كتاب أبي عبيدة الخزرجي المتوفى سنة 586 هـ، حققه وقدم له وعلق عليه محمد شامة ، مكتبة وهبة ، دون طبعة، ص: 66.)
[4] ليس من الحواريين الإثني عشر ،وإنما هو من السبعين ،وقد بشر بإنجيله باليونانية . ويعلن لوقا في مقدمة إنجيله أنه يهدف بتأليفه إلى هداية الكفار لا اليهود. اختلف في تاريخ تدوينه، فقيل سنة 53م أو 63م أو 64م. ويشكك بعض العلماء في نسبة بعض الأبواب إليه، واختلفوا في شخصية لوقا ، وفي صناعته ، لكنهم اتفقوا على أنه ليس من تلاميذ المسيح وأنه صديق لبولس( المرجع نفسه ص: 66) =
[5] يوحنا :يعتقد جمهور المسيحيين أن إنجيل يوحنا من تأليف الحواري يوحنا بن زبدي الصياد ، ويختلفون في تاريخ تدوينه، فيقولون سنة 68م أو 69م أو سنة 70م أو 98م .وينكر المحققون نسبة هذا الإنجيل ليوحنا الحواري، ويرون أن كاتبه رجل آخر يتفق مع الحواري في الاسم .( المرجع نفسه ص: 66 )
[6] إنجيل لوقا: الإصحاح الأول: 26-29.
[7] إنجيل لوقا: الإصحاح الأول: 30 – 38.
[8] ابن تيمية- الرسالة القبرصية- اعتنى بها وعلق عليها علاء الدين دمج، دار ابن حزم ، ص: 64
[9] هو هيرودس الكبير حكم فلسطين عام 37ق.م ، كان طاغية قاسي القلب قتل الكثير من القادة والوجهاء خوفا على عرشه، أمر بذبح الصبيان الرضع في بيت لحم محاولا بذلك قتل عيسى عليه السلام ( الموسوعة العربية العالمية –مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ط2 / 1419هــ/1999م ،ص: 312 ).
[10] ـ إنجيل متى : الإصحاح الثاني: 1-2.
[11] ـ إنجيل متى : الإصحاح الثاني: 13 ـ 15.
[12] السيد بسام مرتضى- المسيح بين القرآن والإنجيل . دار الحق بيروت. لبنان للطباعة والنشر. ط 1- 1994، ص:36.
[13] إنجيل يوحنا : الإصحاح الأول : 1 ـ 14.
[14] وفاء فرحات – موسوعة الأديان ، الديانة المسيحية، الطبعة 1، ج3ـ دار اليوسف ،بيروت ، لبنان، ص: 38.
[15] وول ديورانت – قصة الحضارة- ترجمة محمد بدران الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية ، بدون طبعة، ص: 212.