منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ في القرآن الكريم

الدكتور مصطفى العلام

0

ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ في القرآن الكريم

الدكتور مصطفى العلام

تحدثنا سابقا عن ولادة المسيح ـ عليه السلام ـ، من خلال النصوص المقدسة للأناجيل الأربعة المسماة قانونية، وذكرنا تفاصيل قصة هذه الولادة وما رافقها من أحداث تعلقت بالمسيح ـ عليه السلام ـ وأمه مريم وخطيبها المسمى يوسف كما يزعمون. أما في القرآن الكريم باعتباره ـ وحيا منزلا ومحفوظا ـ ذكر قصة عيسى ابن مريم وحقيقة ميلاده ورسالته ورفعه، لكنه نسب نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ إلى أمه فقط في آيات كثيرة بلغ عددها إحدى عشرة مرة [1].فكيف كانت ولادة عيسى ـ عليه السلام ـ من خلال نصوص القرآن الكريم ؟.

يتفق المسلمون والمسيحيون على طهارة العذراء مريم أم المسيح عليهما السلام، بل لعل القرآن الكريم قد اختصها بمزيد من التمجيد، وفضلها على كثير من نساء العالمين. وقد كان ميلاد المسيح عليه السلام من غير أب معجزة فريدة تدل دلالة قطعية على  قدرة لله ومشيئته.

فبداية قصة ولادة عيسى بن مريم في القرآن الكريم كانت بشارة  الملائكة عن الله تعالى لأمه مريم، يقول الحق سبحانه في سورة آل عمران، الآية 45-46: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) » . ([1]). وتفصيل هذه البشارة أن مريم ـ عليها السلام  ـ كانت منقطعة للعبادة والصلاة وخدمة بيت المقدس، فتوارت عن أهلها في أحد الأيام لشأن من شؤونها  [2]، فأرسل الله عز وجل لها ملكا كريما هو جبريل ـ عليه السلام ـ [3] ، ليحمل لها البشرى بمولود يولد لها دون زوج، وإنما بكلمة من الله جل شأنه، فبشرها بميلاد عيسى المسيح بن مريم  ـ عليهما السلام ـ ، وكان جبريل قد تمثل لها على صورة رجل سوي [4] ، فناشدته بالرحمن وهي فزعة مذعورة، لتثير مشاعر التقوى في نفسه، لأنها ظنت أنه يريد بها شرا، يقول عز من قائل في سورة مريم الآيات 16ـ17ـ18: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانا شَرۡقِيّا (16)   فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرا سَوِيّا (17) قَالَتۡ إِنِّيٓ  أَعُوذُ  بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّا (18) قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰما زَكِيّا   .

فلم تتصور مريم ـ عليها السلام ـ أن يكون لها ولد دون أن يكون لها زوج، يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة آل عمران الآية 47: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ، وهي ليست بالبغي «أي فجرت وتجاوزت  إلى ما ليس لها»[5]،يقول الحق سبحانه وتعالى سورة مريم، الآية:20: ﴿ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾

وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثل خلق عيسى بن مريم بخلق آدم ـ عليهما السلام ـ ، فآدم خلق من تراب دون رجل ولا أنثى، إنما بكلمة منه، مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران الآية59:﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ.

واختلف المفسرون في قضية موضع نفخ الروح في ولادة عيسى بن مريم، فقال البعض أن النفخ «وقع في جيب درعها، وقال بعضهم وقع نفخ  في رحمها فعلقت به» [6]، وذكر آخر أنه نفخ في «جيب قميصها نفخة وصلت إلى رحمها»[7] .

وقد اختلف العلماء أيضا في مدة حمل مريم ـ عليها السلام ـ فمنهم من قدر حملها بتسعة أشهر كحمل سائر النساء وقيل ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر، وقيل ثلاث ساعات، وقيل ساعة واحدة، قال ابن عباس : « ما هو إلا أن حملت ووضعت ولم يكن بين الحمل والوضع والانتباذ إلا ساعة واحدة ، والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يجعل بينهما فصلا. وقال مقاتل : حملته أمه في ساعة وصور في ساعة ووضع في ساعة، حين زالت الشمس من يومها ، وهي بنت عشرين سنة . وكانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى»[8]. وقال آخرون حملت به سبع أو تسع ساعات.

ولما حان وقت الولادة، لجأت مريم إلى جذع نخلة للاتكاء والاعتماد عليه [9] ، فتمنت الموت كي لا يعرفها الناس بأنها جاءت بولد من غير زوج ،وهي المعروفة عندهم بأنها من العابدات الناسكات ،وهي من بيت النبوة، فتمنت أن تكون نسيا منسيا، فتمنت لو لم تخلق ،مصداقا لقوله تعالى في سورة مريم الآيات:22 ـ 23: ﴿ فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيا مَّنسِيّا .

وقد ولد عيسى عيه السلام في بيت لحم[10] القريبة من بيت المقدس بفلسطين، في أيام الملك هيرودوس، ويعتقد أنه ولد يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر كانون الأول [11] .

وفي لحظات الولادة  أرسل الله جبريل ليطمئنها ويثبت قلبها، وناداها ألا تخافي ولا تحزني ، « قد جعل لك ربك تحت قدميك جدولا من الماء تتطهرين به وتشربين منه ليزول عنك الحزن» [12] ، وأن طعامها يسره الله لها، وما عليها إلا أن تهز جذع النخلة«  فيسقط لها البلح الشهي، وأن عليها أن تهنأ ولا تضطرب. ثم قامت مريم ـ عليها السلام ـ حاملة ولدها، راجعة إلى أهلها، فجاءها الناس متعجبين معترضين»[13] ، فاتهموها بالزنى وقيل « أرادوا رجمها»[14]، قال تعالى في سورة مريم الآية27: ﴿فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔا فَرِيّا ﴾ .وبدأ عتاب قومها لها في سورة مريم الآية 28: ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡء وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّا ﴾. فما كان منها إلا أن أشارت إليه لمواجهة الناس وكانت دهشتهم على موقفها هذا في نفس السورة الآية:29 ﴿فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّا   .

فها هو الوليد يعرف بنفسه حاملا رسالة ربه، في نفس السورة الآيات 30 ـ 31 ـ32 قائلا : ﴿ قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّا (31) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارا شَقِيّا 

فكلام نبي الله عيسى ـ عليه السلام ـ في المهد مبرئا أمه، ونافيا للشكوك التي أثيرت حولها، كماكان كذلك آية دالة على طهر أمه، كل ذلك كان أمرا في غاية الأهمية، ، لكن الأناجيل لم تذكره، وأنكر بعض النصارى ذلك «وحجتهم أن هذا الأمر لو حدث لنقل إليهم متواترا، لأنها معجزة كبيرة له ـ عليه السلام ـ  لا يمكن إغفالها»[15] .

ولما ولد ـ عليه السلام ـ أصبحت الأصنام مكنوسة بكل بقاع الأرض ففزعت الشياطين، ولم يدروا لماذا ؟ ، وكانت الملائكة محدقين حوله ، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه، فإذا رؤوس الملائكة راسية، فأراد أن يدخل من بينهم، فرجع إبليس وقال لأعوانه : «ما ولد  أشد علي من هذا المولود »  ،مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : «كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حيث يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن في حجاب»  [16].

وخلاصة القول أن القرآن العظيم فصل كثيرا في أمر ولادة عيسى بن مريم، عكس الأناجيل الأربعة القانونية التي تجاهل بعضها هذه الولادة المعجزة، التي كانت آية من آيات الله العظمى، ورحمة منه، وكان أمرا مقضيا، يقول الحق سبحانه:﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. وتدل هذه المعجزة دلالة واضحة عن قدرة الله البارئ في تنويع خلقه، قسمة رباعية دالة على كمال قدرته، يقول ابن كثير: «أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه»[17] .

الهوامش

[1] سلوى بلحاج صالح العايب: المسيحية العربية وتطورها، دار الطليعة للطباعة ـ بيروت ـ ط 1/1997م، ص: 104.

[2] عوض الله أحمد الصباحي : حياة وأخلاق الأنبياء، تقديم محمد الفحام ،دار إقرأ ، مكتبة مدبولي ـ بيروت ـ ط 2، 1404هـ/1984م ،ص:283 .

[3] القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ، ج 11، ص:90.

[4] محمد متولي الشعراوي : مريم والمسيح ،عنيت بطباعته ونشره مكتبة التراث الإسلامي، جمع وإعداد وترتيب عبد القادر أحمد عطا ، ص:97.

[5] الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن ، تحقيق صفوان عدنان داودي ، دار القلم ـ بيروت الدار الشامية ـ دمشق ـ ط1/ 1412هـ/1992م، ص:136.

[6] القرطبي ،الجامع لأحكام القرآن ، ج 4، ص:92.

[7] محمد علي الصابوني- النبوة والأنبياء – دار الصابوني –القاهرة- ط 1/ 1418هـ-1998 م/ص 210

[8] أبي إسحاق النيسابوري الثعلبي، قصص الأنبياء، المسماة عرائس المجالس، دار الكتب العلمية ، طبعة جديدة 1401هـ/ 1981م ، ص:383.

[9]رضا الصدر، المسيح في القرآن ،دار الأرقم ـ صورـ لبنان ـ بدون طبعة، ص:46.

[10] ابن كثير، البداية والنهاية، ص:69.

[11]أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي- مروج الذهب ومعادن الجوهر- دار الكتاب العالمي –الدار الإفريقية العربية –الشركة العالمية للكتاب ج 1/ ص53

[12] رضا الصدر ،المسيح في القرآن، ص:51.

[13] المرجع نفسه، ص:52.

[14] محمد علي الخولي :حقيقة عيسى المسيح، ص: 110.

[15] أحمد مصطفى الراغي ، تفسير المراغي، دار إحياء الثرات العربي ـ بيروت ، ط 3 ، 1974م ،ج 16، ص:49- بتصرف

[16] ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقم أحاديثه ورتبه محمد فؤاد عبد الباقي ،دار الفكر  ـ بيروت  ـ لبنان ـ بدون سنة طبع ، ج6، رقم الحديث3286 ،كتاب بدأ الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ، ص:357.

[17]  ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.