(2/2)هوس النبوءات التوراتية والإنجيلية
بإيران النووية
الدكتور مصطفى العلام
كما رأينا سابقا في المقالة الأولى، فقد شكل الموقع الجغرافي لإيران في الشرق، وموقع الشمال على الحدود مع لبنان هاجسا حقيقيا للتحالف الصهيوأمريكي،حسب النصوص التوراتية لنبوءات وأحداث الزمان وتفسيراتها المتعلقة بياجوج وماجوج. ونفس الموقع الجغرافي تتحدث عنه أيضا النصوص الإنجيلية ذات الصلة، من خلال مجريات معركة يطلق عليها ” هرمجدون”.
معركة ” هرمجدون”:
كلمة “هرمجدون” هي «كلمة عبرية مركبة من “هر” وتعني الجبل، و”مجيدو” وهو اسم مدينة كنعانية قديمة ذات موقع استراتيجي هام»[1]. وقد ذكر هذا اللفظ مرة واحدة فقط في العهد الجديد (فَجَمَعَهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ هَرْمَجَدُّونَ) [2]
ومعركة “هرمجرون” لها أهمية كبيرة عند الإنجيليين البروتستانت، حيث يسود الاعتقاد أنها ستكون حربا عالمية مدمرة، وأن العالم يتجه إليها بسرعة كبيرة، بل إن الرئيس الأمريكي السابق” رونالد ريغان/Roland Reagan ” من المؤمنين ‘بهرمجدون’ وكان يقول: “إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى ‘هرمجدون’ ونقل عنه “جيري فولوويل/Jerry Fullwell ” قوله « ‘إنني أومن أحيانا بأننا نتوجه بسرعة كبيرة نحو هرمجدون’»[3]. ولما كانت معركة ‘هرمجدون’ في المعتقد المسيحي البروتستانتي معركة بين قوى الخير وقوى الشر فستكون نهائية ، وستشارك فيها جميع الأمم، ويستدلون على ذلك بما جاء في سفر ‘الرؤيا’(“وَرَأَيْتُ مِنْ فَمِ التِّنِّينِ، وَمِنْ فَمِ الْوَحْشِ، وَمِنْ فَمِ النَّبِيِّ الْكَذَّابِ، ثَلاَثَةَ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ شِبْهَ ضَفَادِعَ، فَإِنَّهُمْ أَرْوَاحُ شَيَاطِينَ صَانِعَةٌ آيَاتٍ، تَخْرُجُ عَلَى مُلُوكِ الْعَالَمِ َياكُلِّ الْمَسْكُونَةِ، لِتَجْمَعَهُمْ لِقِتَالِ ذلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، يَوْمِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ... فَجَمَعَهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ «هَرْمَجَدُّونَ».) [4]. وقد جاء في سفر ‘الرؤيا’ كشف لهوية هذه الأمم، ومنهم :
ملوك الشرق: ورد ذكر الشرق في رؤيا ”يوحنا” ( ثُمَّ سَكَبَ الْمَلاَكُ السَّادِسُ جَامَهُ عَلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ الْفُرَاتِ، فَنَشِفَ مَاؤُهُ لِكَيْ يُعَدَّ طَرِيقُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ) [5]. وستكون مشاركة جيوش الشرق في “هرمجدون” بعد أن يسكب الملاك السادس كأس غضبه على نهر الفرات، فيجف ماؤه فاسحا المجال لعبورهذه الجيوش. واختلف المسيحيون في تحديد هوية هذه الجيوش، هل هم الأسباط اليهودية المفقودة الذين سيجمعهم الرب، أم أنهم ملوك سيأتون من الشرق للمشاركة في الحرب؟. ولذلك فإن الشرق سيظل هاجسا حاضرا في نبوءات وأحداث آخر الزمان المتعلقة بمعركة ” هرمجدون” بالنسبة للمسيحية الإنجيلية الأمريكية .
هوس النووي الإيراني في النبوءات التوراتية والإنجيلية.
يستعد الإنجيليون البروتستانت بكل جدية لخوض معركة “هرمجدون”، ويعتقدون أنهم يملكون كل الوسائل الضرورية لإشعال هذه الحرب في أية لحظة. وقبل موعد “هرمجدون” ـ وبحسب نبوءاتهم الإنجلية ـ ستكون فترة تتسم بكثرة الحروب والكوارث والزلازل. كما تعتقد الطوائف المسيحية الإنجيلية أيضا أن ماقبل معركة”هرمجدون” ستكون فترة الضيق والأوجاع، مستدلين على ذلك بما جاء على لسان السيد المسيح نفسه في إنجيل”متى” دائما (وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ... ) [6]. ولن يقتصرالأمر على الحروب والكوارث في فترة الضيق هاته، بل سيتعداها إلى ظهور مجاعات وانتشار أوبئة وزلازل في بعض البلدان (…لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ. وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاع) [7].
ظهرت النبوءات و المخاوف الرؤيوية وأحداث النهاية في السيطرة على فهم مجريات الواقع الأوربي قبل عصر النهضة، واستمرت بعدها كذلك. وانتقل هوس النبوءات التوراتية والإنجيلية التي تخبر عن أحداث آخر الزمان ونفوذها الواسع إلى أمريكا، حيث أسرت اهتمام الشعب الأمريكي. كل هذا جعل مواضيع” نهاية العالم ـ دمار العالم الغربي ـ عودة الإسلام …” تعود إلى واجهة الصدارة، ودفع الكثيرين إلى تحليل وتفسير هذه النبوءات وربطها بواقع سياسي متغير، ومنه مايقع حاليا في الحرب التي يشنها التحالف الصهيوأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.ومن نماذج هذه النبوءات المنتشرة كثيرا في الشبكة العنكبوتية ” الإنترنيت” نجد مايلي:
نماذج من نبوءات نوستراداموس[8]:
5 ـ 55 “من الجزيرة العربية السعيدة … سيولد قائد مسلم كبير … يهزم إسبانيا ويحتل غرناطة … يصد المسلمون الصليب … يخون البلاد واحد من قرطبة”.
5 ـ 25 “أمام الأمير العربي، بعد الحرب الملكية الفرنسية … تسقط مملكة الكنيسة في البحر … يأتون من جهة فارس مليونا…حين يستولي الشيطان على مصر واستنبول.
2 ـ 29 “سيغادر الشرقي مقره … يجتاز جبال الابينين ويدخل فرنسا … يعبر الثلوج الخالدة (جبال الألب) … ويضرب كل واحد بعصاه”.
9 ـ 100 “سيجري كسب المعركة البحرية ليلا … يكون ذلك خراب الغرب… سيكون ثمة ميثاق أحمر، تتلطخ الكنيسة بالدم … يشهد المهزوم إفلات النصر منه، ويستشيط غضبا”.
2 ـ 93 “قريبا من نهر التيبر، تهدد آلهة الموت … بعد فيضان عظيم بقليل … يقع البابا في الأسر … يحرقون القصر والفاتيكان”.
ومن خلال هذه النماذج يتضح أن هذه النبوءات تتحدث عن قائد مسلم كبير يأتي من الجزيرة العربية سينتصر في حروبه، حيث سيجتاح أوربا كاملة بجيوش جرارة تصل إلى مليون مقاتل. هذا الاجتياح سيتسبب في سقوط الحضارة المسيحية الغربية، وهذا ما يفسر توجس الغرب من الإسلام القادم من الجزيرة العربية.
كتاب”أخر أعظم كرة أرضية”:لمؤلفه الأصولي المشهور الأمريكي “هال ليندسي/ Hal lindsey [9] ” ، وقد بيع منه في « أواخر الستينات من القرن الماضي 20 مليون نسخة، وأصبح بعد ذلك فيلما سينمائيا : “The late Geat Planet Earlh»[10]. ويخبرنا كاتب ‘أخر أعظم كرة أرضية’ بأن علينا أن «نمر بسبع مراحل زمنية تتضمن واحدة منها معركة “هرمجدون” الرهيبة حيث يكشف عن أسلحة نووية مدمرة تماما وجديدة»[11]. وحقق هذا الكتاب على مرتبة« أفضل الكتب مبيعا حيث فاقت مبيعاته حتى “الكتاب المقدس” … وأثنت صحيفة “نيويورك تايمز” على ليندسي واعتبرته : ” أفضل كتاب السبعينات مبيعا… بل اعتبر” ليندسي” أوسع الكتاب الدينيين قراءة في العصور الحديثة» [12].
ـ الحرب النووية: يستشهد “ليندسي” بسفر ز”كرياء” في قوله (وَهذِهِ تَكُونُ الضَّرْبَةُ الَّتِي يَضْرِبُ بِهَا الرَّبُّ كُلَّ الشُّعُوبِ الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلَى أُورُشَلِيمَ. لَحْمُهُمْ يَذُوبُ وَهُمْ وَاقِفُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَعُيُونُهُمْ تَذُوبُ فِي أَوْقَابِهَا، وَلِسَانُهُمْ يَذُوبُ فِي فَمِهِمْ.) [13]، ليقدم الدليل على أن هذا هو الحال الذي سيكون عليه لمن يتعرض لضربة نووية حرارية، متسائلا « هل جال بخاطرك أن هذا ما يحدث بالتمام لمن يتعرضون لضربة نووية حرارية؟ يبدو أن هذا ما سيحدث لدى عودة المسيح»[14].
ـ الحيوانات ومنصات الصواريخ:كما يستشهد بسفر ‘الرؤيا’ في بعض الإصحاحات التي ذكرناها سابقا مثل (وَهكَذَا رَأَيْتُ الْخَيْلَ فِي الرُّؤْيَا وَالْجَالِسِينَ عَلَيْهَا، لَهُمْ دُرُوعٌ نَارِيَّةٌ وَأَسْمَانْجُونِيَّةٌ وَكِبْرِيتِيَّةٌ، وَرُؤُوسُ الْخَيْلِ كَرُؤُوسِ الأُسُودِ، وَمِنْ أَفْوَاهِهَا يَخْرُجُ نَارٌ وَدُخَانٌ وَكِبْرِيتٌ) [15] ، ليستنتج من خلال كل هذا أن هذه الإصحاحات تشير إلى « منصة صواريخ متنقلة سيتم نشرها في حرب نووية حرارية مستقبلية وأخيرة»[16].
– إسرائيل وعلاقتها بنبوءات آخر الزمان: يقول ”ليندسي” في كتابه أيضا يقول بأنه « قبل أن يصبح اليهود أمة لم يكشف عن شيء، أما الآن وقد حدث ذلك فقد بدأ العد العكسي لحدوث المؤشرات التي تتعلق بجميع أنواع النبوءات. واستنادا إلى النبوءات فإن العالم كله سوف يتمركز على الشرق الأوسط وخاصة على إسرائيل في الأيام الأخيرة… إن كل الأمم تضطرب وسوف تصبح متورطة بما يجري هناك. إن باستطاعتنا الآن أن نرى أن ذلك يتطور في هذا الوقت ويأخذ مكانه الصحيح في مجرى النبوءات تماما كما تأخذ الأحداث اليومية مواقعها في الصحف اليومية»[17] .
ويرى مثل هؤلاء أن تسريع المجيء الثاني للمسيح لا يتم إلا عبر ‘كارثة نووية’[18]، لأنها هي فقط من يمكن أن تعيد المسيح إلى الأرض. ويستدلون على ذلك بما جاء في سفر ‘حزقيال’ حيث تمت الإشارة إلى النار والكبريت (وَأُمْطِرُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَيْشِهِ وَعَلَى الشُّعُوبِ الْكَثِيرَةِ الَّذِينَ مَعَهُ مَطَرًا جَارِفًا وَحِجَارَةَ بَرَدٍ عَظِيمَةً وَنَارًا وَكِبْرِيتًا) [19]. كل هذه النبوءات التي سبق ذكرها، وتفسيراتها المتطرفة التي يؤمن بها الأصوليون الإنجيليون في أمريكا، تفتح نافذة مهمة لفهم مايقع في الشرق الأوسط عموما، وفي الحرب الدائرة حاليا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وكلها نبوءات حالمة،يتم فرضها على الواقع بالحديد والنار وكثرة الحروب، في الوقت الذي يتحدث الرئيس الأمريكي ” دونلد ترامب ” وزبانيته كذبا عن مجلس السلام في الشرق الأوسط .
وستبقى هذه النبوءات حاضرة في وجدان الأصوليين البروتستانت في أمريكا وحلفائهم المتطرفين الدينيين في الكيان الصهيوني المحتل، لأنهم يتوجسون خيفة من الشرق الذي تمثله إيران، ومن برنامجها النووي. سيبحثون عن مبررات أخرى، وطرق أخرى لمهاجمة إيران وبرنامجها النووي. ولن تقف هذه المحاولات لإثارة الحروب وتفسيرات النبوءات التوراتية والإنجيلية الحالمة إلا بزوال الكيان الصهيوني المحتل وعودة الأرض المقدسة إلى أصحابها الفلسطينيين، وبعد ذلك يتحقق الوعد النبوي بقتال اليهود الصهاينة في آخر الزمان وانتشار الدين الإسلامي الذي يعم العالم.
الهوامش
[1] John Paulien :Amagddon at the door ,Autumn house publishing ,Hageston ,USA ,2008 ,p:47
[2] انظر سفر رؤيا يوحنا 16: 16.
[3] انظر: غريس هالسل: النبوءة والسياسة، ترجمة: محمد السماك، دار النفائس، بيروت، لبنان،ط7 ،1428 هـ ـ 2008م، ص: 84.
[4] رؤيا يوحنا 16: 13ـ 14ـ 16
[5] رؤيا يوحنا 16: 12
[6] إنجيل متى 24: 6-7
[7]إنجيل متى 24: 7-8
[8] نبوءات نوستراداموس إعداد فريق Data connect :( انظر: http// www. Geocities.com/ publication wortt/)
[9] هال ليندسي: عراف رؤيوي عصامي أمريكي وواعظ ذا شخصية جاذبة ( ولد سنة 1980م)، وكان يعمل قائد باخرة سحب بنهر المسيسبي في الخمسينات، حيث مر بتجربة تحول ديني قوية، درس بمعهد اللاهوت ‘بدالاس’، وهو مركز لعقيدة ما قبل الألفية… وأصبح واعظا لدى “الدعوة الصليبية الجامعة من أجل المسيح “. ألف كتابه المشهور ” كوكب الأرض العظيم الراحل” سنة 1970م . انظر: ـ كيرش جونا ثان: تاريخ نهاية العالم، كيف غير أكثر أسفار الكتاب المقدس إثارة للجدل حضارة الغرب، ترجمة: د.عبد الوهاب علوب، مكتبة الشرق الدولية، القاهرة، الطبعة الأولى 1428هـ ـ2007م. ، ص: 206.
[10] ـ انظر: المرجع نفسه، ص: 10
[11] انظر: غريس هالسل: النبوءة والسياسة، ص: 19
[12] انظر: جوناثان كيرش: نهاية العالم، ص : 257
[13] سفر زكرياء 14: 12
[14] انظر: جوناثان كيرش: نهاية العالم، ص:206.
[15] سفر الرؤيا 9 : 17
[16] انظر: جوناثان كيرش: نهاية العالم، ص: 19
[17] غريس هالسل: النبوءة والسياسة، ص: 5- 6 ( من المقدمة الجديدة)
[18] John Paulien :Amagddon at the door ,Autumn house publishing ,Hageston ,USA ,2008 ,p:47
Lescoeur LouisDouniol Charles: Le règne temporel de Jésus-Christ ,étude sur le millénarisme,p :4(op.cit) .
[19] حزقيال 38/22.