المسيحية قبل البعثة النبوية: أحداث ودروس
ذ. يحيى ملوك
مقدمة:
هناك ثلاثة أحداث بارزة وقعت قبل البعثة النبوية، كان لها أثر عميق على ما تلاها من وقائع السيرة، بحسب درجات الاحتكاك بالواقع المأزوم والمختلط بالأفكار، حتى لم يعد للعاقل استبانة واضحة لما ستؤول إليه الأوضاع. وهذه الأحداث هي:
1- انهيار الإمبراطورية الرومانية.
2- محرقة نصارى نجران.
3- محاولة أبرهة الأشرم هدم الكعبة.
هذه العناصر الثلاثة التي سبقت بعثة المصطفى ﷺ لم تجتمع بمحض المصادفة، وإنما هي قدر كوني له ما بعده. والملاحظ فيها أنها تنتظم في خيط واحد له صلة بالمسيحية: إما صورتها الحقيقية التابعة للنبي عيسى عليه السلام، أو صورتها المحرّفة التي استُعملت لأغراض سياسوية ذات أطماع توسعية وهيمنة تسلطية على البشر.
ومن المهم الإشارة إلى أنّ هذه العناصر دخلت في مسار السيرة النبوية بقدر إلهي، فشكّلت لها مواقع مؤثرة، وأصبحت بمثابة نقاط ارتكاز لها اعتبار في الأهداف الاستراتيجية النبوية.
مدخل للتوضيح:
إن هذه العناصر الثلاثة تمثل قضايا كبرى في السيرة النبوية:
- انهيار الإمبراطورية الرومانية يكشف عن واقع دولي مضطرب، يفقد توازنه الإنساني، وهو أمر كان للنبي ﷺ شأن في التعامل مع آثاره.
- محرقة نصارى نجران تشير إلى أن العدو الخارجي قد يلجأ إلى وسائل استئصالية بالغة القسوة لتحقيق مآربه، وهو أسلوب رفضه النبي ﷺ، إذ أقام دعوته على المبدأ الأخلاقي الخالد: «لا إكراه في الدين».
- محاولة هدم الكعبة وقد انتهت بالفشل، مما جعل الكعبة تستمر محورًا لهذا الدين، ومرتكزًا لتجميع الناس في رحابها، وليشهدوا منافع لهم.
المسيحية قاسم مشترك
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا كان للمسيحية – بصورتها الصحيحة والمحرفة –هذا الحضور اللافت في الأحداث السابقة للبعثة؟
الحدث الأول: انهيار الإمبراطورية الرومانية
سجل سُجِّل في التاريخ أن الحدث الذي كان له تأثير في العالم في القرن الخامس الميلادي هو انهيار الإمبراطورية الرومانية، وتم تقسيمها إلى دولتين: شرقية وغربية.
- رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل
فحينما بعث نبينا عليه الصلاة والسلام برسالة إلى هرقل جاء فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
الأريسيون هم من كانوا على عقيدة أريوس، ذلك الرجل المصري النصراني الذي دعا إلى توحيد الخالق جل جلاله، وأن المسيح ليس ابن الله. وقد أصبح له أتباع كثيرون، فمراد الرسالة أن الكثير من الروم كانت فطرتهم تدعوهم إلى التوحيد، لكن هرقل أفسد عقيدتهم التي كانت أقرب ما تكون لما جاء به محمد ﷺ.
الرسالة تتضمن تنديدًا بما خرج به المجمع المسكوني الأول، أو مجمع نيقية، حول تبنّي ألوهية عيسى عليه السلام، ثم تشير بوضوح إلى اضطهاد الأريسيين بسبب موقفهم الصائب من قولهم ببشرية المسيح عليه السلام.
- المسيحية من إله واحد إلى ابتكار اثنين وثلاثة آلهة
بحكم احتكاك الرومان بالإغريق ابتكروا اثني عشر إلهًا، جميعهم من الكواكب السيارة. وكان أعظمهم “جوبيتر” نسبة إلى المشتري، أكبر كواكب المجموعة الشمسية. وبعد ذلك انتقل هذا الفكر إلى المسيحية. ففي يوم 20 مايو 325م انعقد المؤتمر العالمي للمسيحية بدعوة من الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول، وحضره ما بين 250 و318 أسقفًا. وكان محور الاجتماع البتّ في اختلافين جوهريين طَرَآ على المسيحية:
- الأسقف ألكسندر الأول، الذي يقول بألوهية المسيح.
- والأسقف أريوس، الذي يقول ببشريته.
أنكر أريوس أزلية يسوع، واعتقد أنه كان هناك وقت لم يكن موجودًا فيه، واعتبره مخلوقًا عظيمًا من صُنع الله، كما اعتبر أن الروح القدس من صُنع الله أيضًا. أما ألكسندروس الأول (بابا الإسكندرية) فأكد أن طبيعة المسيح هي من نفس طبيعة الله. وتغلّب رأيه بالاقتراع، ورفض أريوس التوقيع، كما رفض معه قسيسان. أُحرقت كتب أريوس، وسُمّي مذهبه “بدعة الأريوسية”، ووُصم أتباعه إلى اليوم بلقب “أعداء المسيحية”.
لذلك فإن هذا الحدث لم يكن ليكتمل إلا بتمييز من هو على الحق ومن هو على الباطل.
ومن الغريب أن المسيحية كانت موحِّدة في عهد عيسى عليه السلام، ثم جاء العتاب من الله له بقوله:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 118].
وجاء النهي عن ذلك في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: 51].
ثم جاء رقم الثلاثة في الآلهة، فكان القرآن الكريم حاسمًا في شأنه بقوله:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 73].
- حديث الآلهة عند العرب
أما عند العرب، فقد بلغت آلهتهم 360 صنمًا يوم فتح مكة، فهدمها رسول الله ﷺ وهو يتلو:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
ويبقى السؤال: لماذا أصحاب الثلاثة ما زالوا جامدين في موقفهم، بينما أصحاب الثلاثمائة والستين اختفوا من على الساحة؟
والجواب نجده في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «جدّدوا إيمانكم». قيل: يا رسول الله، وكيف نجدّد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله».
فتجديد الإيمان هو سبب اختفاء تلك المعبودات الباطلة. ومهما وقع التفريط، فإن القلب يعود إلى التوحيد. وقد ساعد على ذلك أن الرسالة المحمدية كانت هي الخاتمة.
- استهداف الرومان من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم
لا شك أن النبي ﷺ في مهامه الدعوية والسياسية والعسكرية جعل الرومان ضمن استراتيجيته، باعتبارهم المنتصرين على الفرس، كما أشار القرآن الكريم:
﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1-5].
وكانت أهم المعارك التي خاضها المسلمون ضد الروم بقيادة النبي ﷺ: غزوة مؤتة (8هـ)، وغزوة تبوك (9هـ)، وهي آخر غزواته، وانتهت دون قتال مباشر بعد تشتت جيش الروم وفراره. وبهذا أُسدل الستار على الحروب العالمية التي استحوذت على العالم سبعة قرون متواصلة.
الحدث الثاني: محرقة نصارى نجران
محرقة نصارى نجران، أو ما يُعرف بـ “أصحاب الأخدود”، وقعت في القرن السادس الميلادي على يد الملك الحميري ذي نواس، الذي أحرق المؤمنين في الأخاديد بسبب إيمانهم. وقد ذكرت سورة البروج هذه الحادثة وصفًا لما جرى لهم.
- درس أصحاب الأخدود في السيرة النبوية
لقد اشتهرت هذه المحرقة بين العرب، واستقرت في ذاكرتهم. فجاء وقت استحضارها من قِبل قريش كخيار لمواجهة الإسلام وأهله. وكان النبي ﷺ على علم بمضامينها وأبعادها، إذ أوضحها القرآن في سورة البروج، وهي من أوائل ما نزل في مكة.
وقد روى الصحابي صهيب الرومي القصة في حديث صحيح، أخرجه مسلم. وهنا نتساءل: لماذا رواها النبي ﷺ على شكل قصة؟ والجواب: أنها لم تكن للتسلية، بل للعبرة، حتى يأخذ المسلمون احتياطاتهم حين يشتد الضعف. فإن سيف الاستئصال يطارد أهل الحق في كل زمان.
ولعل أبرز الأمثلة الحديثة ما جرى للهنود الحمر في أمريكا، أو للإخوان المسلمين في سوريا سنة 1981، حين أباد النظام السوري عشرات الآلاف. وهنا تظهر أهمية السيرة النبوية، إذ هي مرجع للعاملين في حقل الدعوة، ولغيرهم من الأمم أيضًا.
فالنبي ﷺ اتخذ خطوات استباقية لتفادي مثل هذه المحارق، فأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ثم إلى يثرب، حتى أسس دولة الإسلام التي تحمي أبناءها من الاستئصال.
الحدث الثالث: محاولة أبرهة الأشرم هدم الكعبة
أبرهة الأشرم، وهو مسيحي يعمل تحت إمرة النجاشي، رأى العرب يتوافدون إلى مكة للحج، فأراد صرفهم إلى كنيسة بناها. فقاد حملة عسكرية لهدم الكعبة. وقد ذكر القرآن هذه الحادثة في سورة الفيل: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 2].
وكان هذا الحدث إرهاصًا لقدوم الإسلام، وقد اشتهر بقول عبد المطلب: «إن للبيت ربًّا يحميه». ومن حكمته أنه أمر أهل مكة بالصعود إلى الجبال تفاديًا لمجزرة محققة. ومن هنا أخذ النبي ﷺ عن جده هذا التؤدّة، حتى قال يوم حنين: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
ولذلك، بقيت الكعبة رمزًا ومهوى للقلوب، حتى إن بعض الصحابة عند الاستشهاد قال: «فزت ورب الكعبة». وهذا التعظيم لم يكن ليبلغ هذا المدى لولا حادثة محاولة أبرهة هدمها، التي جعلها الله آية باقية.
خاتمة:
تلكم قبسات من نور النبوة، فاحت بعطرها على أحداث كونية قدَّرها الله، فأضحت لنا نبراساً نستضيء به. فهي – رغم صِغَر حجمها مقارنةً بالسيرة النبوية – تحمل معاني عظيمة يمكن استيعابها لإنقاذ البشرية والأمة الإسلامية من استدراج الأعداء باستفزازاتهم. كما أنها دعوةٌ لمصاحبة خير البرية صلى الله عليه وسلم، بالملازمة الدائمة لإرشاده وهديه، في كل قولٍ صدر عنه، أو فعلٍ طاوعه، أو أمرٍ أقرَّه. ولن يتأتى ذلك إلا بالإدمان على سيرته، واتخاذ وردٍ يومي منها، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم وُدّاً وجُنداً.
المراجع:
1 صحيح مسلم – كتاب الجهاد والسير- باب كتاب النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى هرقل
2 شبكة الالوكة ، لعبد الستار المرسومي ، تاريخ الاضافة 23 |09|2013.
3 موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الانترنت
4 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند – تتمة مسند أبي هريرة رضي الله عنه- (3/345) رقم: (8695) قال الهيثمي في المجمع – كتاب الأذكار، باب ما جاء في فضل لا اله إلا الله- (10/ 64): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات
كاتب المقال : يحي ملوك