منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1/2)هوس النبوءات التوراتية والإنجيلية؛ بإيران النووية

الدكتور مصطفى العلام

0

(1/2)هوس النبوءات التوراتية والإنجيلية

بإيران النووية
بقلم: الدكتور مصطفى العلام

يشهد العالم حربا ضروسا شنها التحالف الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بداية رمضان من هذه السنة( 1447هـ )، ولازالت الحرب وتداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية مستمرة إلى الآن. وهي الحرب الثانية في أقل من تسعة أشهر، بعد الأولى التي اندلعت في شهر يونيو من سنة 2025م.

فالحربان معا شنهما التحالف الصهيوأمريكي بعد الحصار ونظام العقوبات الاقتصادية المتوالية على إيران منذ سنة 2018م، وهي السنة التي انسحب فيها الرئيس الأمريكي الحالي ‘دونالد ترامب’ من الاتفاق النووي مع إيران أثناء ولايته الأولى.  والحربان معا اندلعتا بعد سلسلة من المناوشات والتفجيرات والاغتيالات التي كانت تطال القيادات السياسية والعسكرية والنووية الإيرانية في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي ـ رحمه الله ـ  وكانت تنسب للأجهزة الاستخباراتية لدولة الاحتلال الصهيوني وبمباركة أو صمت أمريكي.

وهما حربان  شنهما التحالف الصهيوأمريكي أيضا ، وبشكل مفاجئ أثناء مفاوضات كانت تهدف لوضع حد للبرنامج النووي الإيراني الذي يهدد الكيان الصهيوني، بزعمهم أن إيران تسعى إلى الحصول على السلاح النووي، رغم نفي إيران لهذه التهمة ،واستدلالها بفتوى المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ـ رحمه الله ـ التي تحرم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحريما قاطعا امتلاك أسلحة نووية فتاكة.

أما إذا أخذنا بعين الاعتبار مكونات حكومة الاحتلال الصهيوني وحليفتها في الولايات المتحدة الأمريكية، فإننا نجد وزراء وسفراء وسياسيين ينتمون إلى التيار الصهيوني والإنجيلي المتدين يصرحون ويستشهدون بنصوص الكتاب المقدس لتبرير هذه الحرب على إيران، ومنهم:

ـ رئيس وزراء حكومة الاحتلال الصهيوني ‘ بنيامين نتنياهو’، الذي يتحدث عن إسرائيل الكبرى في مواجهة الخطر الوجودي لدولة الاحتلال المتمثل في إيران وبرنامجها النووي، والذي يتحدث أيضا عن صراع قوى النور وقوى الظلام والشر المتمثل في إيران وأذرعها في الشرق الأوسط، وكلها مصطلحات وردت في إصحاحات توراتية معلومة.

ـ الرئيس الأمريكي ‘ترامب’ الذي عقد بعد أيام من انطلاق الحرب على إيران لقاء في البيت الأبيض مع مجموعة من القساوسة، نقل مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكان الغرض منه مباركة الحرب واعتبارها مقدسة، والدعاء مع الرئيس الأمريكي ‘ دونالد ترامب’ .

ـ وزير الحرب الأمريكي’بيت هيغسيث’  الذي تحدث عن الحرب الحالية باعتبارها حربا صليبية ضد المسلمين سواء كانوا شيعة أو سنة، وباعتبار إسقاط النظام الإيراني، ووقف برنامجه النووي وسلاحه الصاروخي هي أهداف مشروعة للحرب التي شنها التحالف الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولذلك يحق لنا التساؤل ما السر وراء هذا الهوس الصهيوأمريكي بإيران وبرنامجها النووي؟ جوابا عن هذا التساؤل المشروع يركز أغلب المحللين على الجوانب الظاهرة المتعلقة بالسياسة والاقتصاد المتمثلة في:

ـ  توسع النفوذ والهيمنة الأمريكية المتصاعدة في ظل الحكومة الأمريكية الحالية، وصراعها على مناطق النفوذ مع الصين وروسيا .ولابد من الإشارة أن توسع النفوذ الأمريكي يرمي إلى استرجاع إيران للعمل تحت مظلة أمريكا والمعسكر الغربي كما كانت قبل الثورة الإسلامية الإيرانية في سنة 1979م.

ـ محاولة الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية على مناطق في الشرق الأوسط،وربطها بحلم إسرائيل الكبرى الموعودة في النصوص التوراتية، وكل ذلك في أجواء الحرب وتحت الحديد النار، وامتدادا لحرب طوفان الأقصى على غزة والإبادة الجماعية التي شهدها العالم بأسره.

ـ استدراج دول الخليج الغنية وجعلها تحت مظلة التحالف الصهيوأمريكي في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية المتحالفة مع الصين وروسيا، أو التحالف الإسلامي المشكل حديثا من تركيا وباكستان ومصر والسعودية.

ـ استئناف اتفاقيات ‘إبراهام’ للتطبيع مع الكيان الصهيوني وإعادة تركيب صورته التي اهتزت في المحافل الدولية بعد سلسلة جرائمه في غزة الأبية.

ـ السيطرة على مصادر الطاقة واحتياطات الطاقة في الخليج وفي إيران، بعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي ” نيكولاس مادورو” ومحاولة السيطرة على مصادر الطاقة الفنزويلية .

كل ماذكر سابقا لتبرير هذه الحرب له مايسنده من زوايا نظر متعددة، لكن بقيت زاوية نظر لايسلط عليها الضوء كثيرا، وتكمن في تفسيرات النصوص التوراتية والإنجيلية ذات الصلة المتعلقة بالنبوءات في آخر الزمان وإسقاطاتها على الحرب التي تدور حاليا. وهي زواية نظر حاضرة بقوة في فكر المتدينين التوراتيين والإنجليين على حد سواء، ويتبعهم في ذلك بعض السياسيين في التحاف الصهيوأمريكي. ويمكن رصد تبريرات الحرب القائمة حاليا بين التحالف الصهيوأمريكي والجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال ماسيتم طرحه على المستوى الجغرافي الذي تحتله إيران، وعلى مستوى التفسيرات التوراتية والإنجيلية ذات الصلة بالبرنامج النووي الإيراني.

ـ حرب ياجوج وماجوج :

اختلفت التفاسير اليهودية للأسفار  التوراتية في تحديد معنى هذين اللفظين “ياجوج وماجوج”، والجهة التي سيخرجون منها،  وانقسمت إلى عدة أقوال،  ومنها:

-“ماجوج” تعني البلد أو الشعب و”جوج” تعني ملك هذا البلد كما جاء في المعجم التاريخي للإنجيل «رئيس أرض الماجوج،الذي سيجمع شعوبا كثيرة، وممالك لتشن معه حربا على إسرائيل»[1]. ويستدلون على هذا القول بما جاء في سفر ‘حزقيال’ (يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ عَلَى جُوجٍ، أَرْضِ مَاجُوجَ رَئِيسِ رُوشٍ[2]مَاشِكَ[3]وتُوبَالَ[4]) [5].

-“ماجوج” هي «مدينة بين إيران والعراق وآسيا الصغرى»[6].

– وفقا لرأي الربي ‘سعديا جاؤون’[7]، فإن المقصود ‘بماجوج’  «مدينة تقع ما بين إيران والعراق وآسيا الصغرى»[8].

كما تشير العديد من أسفار العهد القديم إلى أن خروج “ياجوج وماجوج” وهجومهم الوحشي المدمر سينطلق من الشمال، حيث جاء في سفر ‘حزقيال’ (وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا جُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ. وَأُرْجِعُكَ، وَأَضَعُ شَكَائِمَ فِي فَكَّيْكَ، وَأُخْرِجُكَ أَنْتَ وَكُلَّ جَيْشِكَ خَيْلاً وَفُرْسَانًا كُلَّهُمْ لاَبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، جَمَاعَةً عَظِيمَةً مَعَ أَتْرَاسٍ وَمَجَانَّ، كُلَّهُمْ مُمْسِكِينَ السُّيُوفَ. فَارِسَ وَكُوشَ وَفُوطَ مَعَهُمْ، كُلَّهُمْ بِمِجَنٍّ وَخُوذَةٍ، وَجُومَرَ وَكُلَّ جُيُوشِهِ، وَبَيْتَ تُوجَرْمَةَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ مَعَ كُلِّ جَيْشِهِ، شُعُوبًا كَثِيرِينَ مَعَكَ) [9]. وفي موضع آخر نقرأ في نفس السفر أن أقاصي الشمال ستكون منطلق الهجوم (أَفَلاَ تَعْلَمُ؟ وَتَأْتِي مِنْ مَوْضِعِكَ مِنْ أَقَاصِي الشِّمَالِ أَنْتَ وَشُعُوبٌ كَثِيرُونَ مَعَكَ) [10]. وهناك إشارة أيضا إلى الشمال في سفر آخر وهو سفر ‘إرميا’ (هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هُوَذَا شَعْبٌ قَادِمٌ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ، وَأُمَّةٌ عَظِيمَةٌ تَقُومُ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ) [11].

فعلى الرغم من أن سفري ‘حزقيال’ و’إرميا’ يتحدثان عن جهة الشمال كمنطلق لهجوم “يا جوج وماجوج” إلا أن”  Douglas Berner” يرى أن “جوج” لا يحمل نفس الدلالة والمعنى في السفرين معا، لأن دوره المتحدث عنه في سفر ‘إرميا’ «سيكون مختلفا تماما، إنه ليس مرسلا من طرف ‘يهوه’ لمعاقبة إسرائيل، بل إنه وقواته سيحققون هدفا محددا وهو تقديس اسم ‘يهوه’ أمام كل الأمم»[12]. لذلك سيبقى الجدل قائما حول الجهة التي سينفذ منها الهجوم على الرغم من كثرة النصوص الدينية التي تشير إلى جهة الشمال تحديدا.

أما جهة الشمال فهي بالنسبة للجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل، تمثل خطر الإسلام الشيعي الذي يمثله حزب الله الحليف التقليدي لإيران في الجنوب اللبناني، وقد دخل  الحزب أيضا هذه الحرب التي شنها التحالف الصهيوأمريكي.وستبقى جهة الشمال جهة الفزع الدائم للصهاينة المتدينين والسياسيين المصدقين بالنصوص التوراتية الحالمة.

وخلاصة القول في حرب “ياجوج” و”ماجوج “في النصوص التوراتية ذات الصلة، هي أن هذه الحرب ترتبط بشعب كثير العدد، لكنه همجي وعنيف سيظهر في آخر الزمان ليجسد انتقام الرب من أعداء بني إسرائيل ويحقق الخلاص المنشود كما يزعمون. أما الجهة الجغرافية التي على مسرحها تدور حرب ”ياجوج ”و”ماجوج ”فهي جهة الشمال كما أشارت إليه النصوص التوراتية، أو الجهة بين إيران والعراق وآسيا الصغرى كما فسره بعض ربيي بني إسرائيل.

لذلك فإن استهداف إيران وحزب الله في جنوب لبنان، يُنْظَرُ إليه باعتباره الجهة التي ستنطلق منها حرب “ياجوج “و” ماجوج” حسب المصادر التوراتية، وقد كان مصدر رعب الصهاينة قبل استشهاد أمين حزب الله اللبناني السيد “حسن نصر الله”” رحمه الله في 27 شتنبر 2024. وستبقى جهة الشمال تشكل هاجسا حقيقيا يؤرق حكومة الاحتلال الصهيوني ومكوناتها المتدينة إلى أن يظهر ‘ياجوج’ و’ماجوج ‘ في آخر الزمان حسب نبوءات النصوص التوراتية المزعومة.

ـ الهوامش

[1] ـAugustin calmet :ـDictionnaire historique de la bible ,Ateliers catholiques  du petit montrouge-paris,4éme édition,1846,Tome2, p:601

[2] روش: رسم عبري معناه “رأس” وهو اسم شعب من شعوب الشمال، ويزعم البعض أنه ربما يكون اسما قديما لروسيا. انظر: د. جورج بوست: قاموس الكتاب المقدس، صدر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى ، الطبعة الرابعة1969،ص: 498 .

[3] ماشك بن يافث (تك 10: 2): تقع بقرب ينابيع الفرات ودجلة (مزمور 120: 5 وحزقيال 32: 26) وكان نسله يتاجرون مع صور(حزقيال 27: 13). ويظهر من نقوش الأشوريين ومن المؤرخ اليوناني هيرودوت أن بلاد ماشك كانت في شرق تركيا . المصدر نفسه، ص: 207.

[4] تُوبَالُ: هو خامس أولاد يافث (تك 10-2) … ويرجح أن ذريته كانت تقطن البلاد الواقعة في شرق آسيا الصغرى. انظر المرجع نفسه، ص:323.

[5] سفر حزقيال 38: 2

[6] انظر: د. مصطفى عبد المعبود: علامات آخر الزمان في اليهودية، مكتبة النافذة الجيزة، الطبعة الأولى 2010، ص: 70.

[7] سعديا جاؤون: هو سعيد بن يوسف الفيومي، ولد في مصر في قرية بالفيوم سنة 833م، تلقى تعليما عربيا ثم درس الكتاب المقدس والتلمود وألف كتاب “الأمانات والاعتقادات”، ويعد أول من وضع فلسفة دينية يهودية متكاملة حول أسس العقيدة اليهودية. انظر: د.عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1999م، المجلد الخامس، الجزء الثاني، ص:156ـ157

[8] انظر: المرجع السابق، ص: 70.

[9] سفر حزقيال 38: 3-4-6-15.

[10] سفر حزقيال 39: 1-2.

[11] ـ سفر إرميا6 : 22

[12] Douglas Berner :The Silence is Broken ! Good hooks ezekol’s ;Gog and Magog U.S.A, 2006, p : 69.

[13] جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز،ج4 ص: 68، رقم 2217، وصححه الألباني، صحيح الترمذي، 4/498، رقم 2217، وتخريج أحاديث فضائل الشام، ص: 33.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.