منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أساسيات في الفكر اليهودي

أساسيات في الفكر اليهودي/ أشرف شعبان أبو أحمد

0

أساسيات في الفكر اليهودي

بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

                               

لا يختلف اثنان على أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل، هو صراع ديني في مقامه الأول بين اليهودية والإسلام، على الأقل من جانبه الإسرائيلي، وقد استغل اليهود هذه النقطة أكبر استغلال فنجد من جانبهم الاستبسال والتضحية بالنفس والمال والحماس الزائد وبينما المفروض أن يكون هكذا من جانبه العربي حيث يعتدى على الشعب الفلسطيني الأعزل ويشرد أبناؤه وتغتصب أراضيه وتهدم مساجده وتنتهك المقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى فلا يخفى على أحد محاولات اليهود لهدمه لكن العرب نظر البعض منهم إلى هذا الصراع على إنه صراع على شبر من الأرض أو حفنة ماء وعلى أنه صراع خاص بأهل فلسطين، وعليهم وحدهم أن يتحملوا وزره، لذلك فقد فتر لديهم الحماس، وقتلت لديهم الهمم، فلا تخرج حدة انفعالاتهم عن بيانات إدانة واستنكار، لا تزيد العدو إلا جبروتا وطغيانا، وشدة في الفتك بأبناء الشعب الفلسطيني، وسخرية منا واستهزاء بنا وطمعا في اغتصاب المزيد من الأراضي، ويتبارى أصحاب هذه النظرة في الجثو على ركابهم أمام أمريكا مستجيرين بها كالمستجير من الرمضاء بالنار، وفي الاستعداد الدائم للتنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني التي أقرتها المواثيق والشرائع الدولية بل والتضحية به بأكمله.

والذي يجب ألا نغفل عنه هو أن إسرائيل دولة دينية واسمها على اسم نبيهم وفي كل تحركاتهم السياسية والحربية يرجعون إلى التوراة كما أن الدافع الأساسي وراء قيام دولة لليهود في فلسطين هو دافع ديني في المقام الأول فها هو تيودور هرتزل يعلن في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897م الذي كان يتولى رئاسته: إن الصهيونية عودة إلى اليهودية قبل أن تكون عودة إلى الوطن اليهودي وما من زعيم إسرائيلي إلا وأكد يهودية الدولة اعتبارا من بن جوريون حتى إسحاق شامير أضف إلى ذلك أن المادة السابعة والسبعين من مشروع الدستور الإسرائيلي تنص على أن القوانين يجب أن تكون مطابقة للتعاليم الأساسية للشريعة اليهودية ولعل ما يحسم هذه الجزئية ما قاله البروفيسور إشاريان أستاذ العلوم السياسية بجامعة تل أبيب والعميد السابق لكلية العلوم الاجتماعية في كتابة “السياسة في إسرائيل الجيل الثاني” والذي صدر عام 1985م أن الفصل بين الدين والدولة في إسرائيل أمر يستحيل إقامة الدليل عليه وأن العكس هو الواقع الذي يستند إلى اعتبارات تاريخية وأخري أيديولوجية وثالثة سياسية ورابعة تنظيمية وقد فصل هذه الأسباب تفصيلا أما عن التطبيق العملي في الحياة فنجد الكاتب نفسه يذكر لنا أن معظم اليهود في اسرائيل يمارسون يهوديتهم كأسلوب حياة، ومن ناحية أخرى فان تطبيق الشريعة اليهودية “هاهنخا” كمنهاج حياة متكامل من خلال صياغتها في صورة قوانين يطلقون عليها القوانين الزرقاء هو أمر واقع، ومنها القوانين التي تراعي أحكام السبت والأعياد الدينية وإعفاء السيدات المتدينات من التجنيد ومنع تربية أو ذبح الخنازير ومراعاة الطعام الحلال “الكوشير” وإلغاء القانون الذي كان ينظم الإجهاض وإذ ما تعارضت أي فكرة أو مبدأ مهما كانت في أي من ميادين الحياة مع الشريعة اليهودية تغلبت أحكام الشريعة كما أن أكثر من ثلثي المنشآت التعليمية في اسرائيل منشآت تعليمية دينية، بينما الباقي يدرس التوراة والتلمود والتاريخ اليهودي في عدد ساعات لا يقل عن ربع إجمالي عدد ساعات الدراسة في المناهج الأخرى أضف إلى ذلك ما يلتزم به المهاجرون إلى إسرائيل من تغير أسمائهم إلى أسماء عبرية.

وقد تم صياغة الأهداف القومية للدولة ونظرية الأمن القومي فيها والعقيدة القتالية لقواتها المسلحة وعلاقاتها الخارجية على أساس العقيدة اليهودية والتى تعلن عداءها لكل ما هو غير يهودي واستعبادها له كما أصبح ولاء اليهودي الموجود خارج اسرائيل هو للدولة اليهودية بصفة أساسية وهذا أمر في غاية الخطورة نظرا لتغلغل اليهود في أجهزة صنع القرار السياسي فضلا عن سيطرتهم على قطاعات عريضة في مجالات الاقتصاد والمال والإعلام في أكثر من دولة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبما أن القيم العليا والثقافة السياسية في اسرائيل مستمدة من العقيدة اليهودية، فإنه تهيمن على كل صهيوني وعلى كل مؤيد للصهيوينة فكرة “أرض الميعاد” التي تتكرر في عدد من المواضع في نسخ التوارة المعاصرة، ويستند زعماء إسرائيل إلى هذه الفكرة في اجتذاب الدعم والتأييد من الدول الأوربية وغيرها، فنجد دافيد بن جوريون يصرح في مايو عام 1962م بقوله: إن إسرائيل قامت تحقيقا لنبوءات الكتاب المقدس وتكرر جولد مائير المقولة نفسها في أكتوبر عام 1971م بقولها: لقد وجد هذا البلد تنفيذا لوعد الرب ذاته ولهذا لا يصح أن نسأله إيضاحا عن شرعية هذا الوجود وأي جنرال إسرائيلي عندما يتحدث عن الغرض من حروب إسرائيل يستدل بالتوراة والتلمود والحكايات الشعبية المأثورة فالجولان لابد من ضمها لأن القضاة اليهود عاشوا هناك، وسيناء لابد من غزوها لأنها كانت جزء من إسرائيل في الماضي السحيق(1)

ولقد ارتبطت فكرة أرض الميعاد هذه ارتباط وثيقا بأمن إسرائيل الذي يعتمد بدوره على فكرة الحدود المتحركة والطرد التدريجي لسكان الأرض والحرب الدائمة وعدم جواز مسالمة سكان الأرض، ولهذا نجد بن جوريون يعلن: إننا دولة بلا حدود وحدودنا هي المناطق التى يمكن أن يصل إليها جيشنا، وعندما سئل عن هذا التصريح أجاب: انظروا إلى إعلان إنشاء الولايات المتحدة الأمريكية فهو لا يحدد حدودا ونحن مثل أمريكا وفعلا فقد أخذت أمريكا تتسع شيئا فشيئا حتى أصبحت قارة ضخمة، ومادامت اسرائيل تتخذ من أمريكا مثلا لها فإنها ستفعل بالعرب كما فعلت أمريكا بالهنود الحمر، فقد اكتشفت الأمريكتان عام 1492م عندما بدأت رحلة كريستوفر كولومبوس من ميناء في جنوب أسبانيا وبمباركة من ملكها فردينايد وملكتها إيزابلا وتمت هجرات صغيرة إلى الموطن الجديد وكان معظمهم من المغضوب عليهم أو الخارجين عن القانون في أوربا، وبدأت هذه الجماعات في شن حملات عدائية على المستوطنين الأصليين وأخذوا في التوسع في الأراضي، ومع تزايد أعداد الهجرة وحملهم العبيد من أفريقيا اتسعت أمريكا إلى أن صارت إلى ما عليه الأن، ومن الملاحظ أن إسرائيل تسير على نفس خط أمريكا فبدأت الهجرة في مجموعات صغيرة إلى فلسطين، ومحاولات تصفية السكان الأصليين، وتوسع حركات الهجرة، بالإضافة إلى محاولات اسرائيل المستمرة اغتصاب أراضي عربية جديدة تارة بالحرب وتارة بالسلم يقول ديفيد كاما مؤلف كتاب “الصراع لماذا وإلى متى ؟” صدر عام 1975م إن هناك وطنا واحدا عائدا للعرب ليسوا غرباء فيه هو الجزيرة العربية أما بقية البلاد التى يقطنون فيها، فليسوا إلا محتلين لها ومسيطرين عليها يقيمون فيها إمبراطورية مغتصبة، ويستنكرون بكل وقاحة الحقوق الطبيعية للشعوب التى لها الحق الشرعي في هذه المنطقة قبل الاحتلال العربي، غير أن هذه الشعوب أصبحت الآن شعوبا وطوائف لاجئة في الشرق الأوسط لها الحق في تقرير المصير والاستقلال السياسي، وهناك أعباء في الحقوق والواجبات ملقاة على كاهل الإسرائيليين تقتضي منهم أن يقدموا يد العون إلى الأكراد في العراق والدروز في سوريا والزنوج في السودان والموارنة في لبنان والأقباط في مصر وسائر أبناء الشعوب والديانات التى تحارب معا في سبيل الحرية والاستقلال، وأن من العدالة والنزاهة والحكمة السياسية أن تعمل اسرائيل على التفكيك الكامل للإمبراطورية العربية التى تعد أخر إمبراطوريات الماضي.

إن مفهوم الهيمنة بالقوة عن طريق التفتيت الطائفي للمنطقة العربية وإن كان ينتسب كليا إلى حزب العمل الإسرائيلي ابتداء من موشي شاريت مرورا بـ آبا إيبان ووصولا إلى شيمون بيريز، إلا أنه يرسم خطا استراتيجيا ثابتا ومسيطرا في مجمل العقلية الإسرائيلية، لا فرق في ذلك بين حزب العمل أو الليكود أو غيرها من الأحزاب فقد طالب آبا إيبان بإعادة تنظيم المنطقة قائلا: بأن إسرائيل لا تريد سلاما لا يحدث تغيرا في تركيب أقطار المنطقة فحسب بل سلاما يحدث تغيرا ثوريا دراميا في علاقاتها ببعضها البعض، وهذه الإعادة إما أن تكون على شكل النموذج الإسرائيلي دول تتمتع بنقاء طائفي، وإلا فالخيار هو العودة إلى الحرب الدائمة بين الكيان الصهيوني والمحيطين به أما شيمون بيريز فقد طرح الرؤية ذاتها بالقول: إن المنطقة العربية لا تعرف ولن تعرف أي تكامل قومي إنها منطقة أقليات والتطور الطبيعي هو تشجيع منطق الأقليات بحيث تتحول المنطقة إلى دويلات صغيرة يعكس كل منها تكاملا طائفيا ولو تم ذلك على حساب عمليات نقل بعض المواطنين من منطقة إلى أخرى وفقا لهذه الرؤية طرح أريل شارون عندما كان وزيرا للدفاع رؤية بل دعا إلى أن تستعد إسرائيل لتكون دولة إقليمية عظمى يحدها من الشرق الصين ومن الشمال الاتحاد السوفيتي ومن الغرب الجزائر والمغرب ومن الجنوب كينيا أو أفريقيا الجنوبية(2)

فاليهود ألد أعداء الإسلام والمسلمين وما اختلى يهودي بمسلم إلا حدثته نفسه بقتله وقد حدثنا القرآن الكريم عن خبث طباعهم وفساد ضمائرهم وتغلغل العداوة البغضاء في صدورهم قال تعالى ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) المائدة 82  وحينما يأخذ الصراع العربي الإسرائيلي طابع عقائدي من جانب العرب كما هو كذلك من جانب اليهود حينذاك ستتغير كتلة الميزان لصالح المسلمين وأقرب مثال لذلك الجهاد الأفغاني ولأنه جهاد يحمل لواء الإسلام فقد هب المسلمون من كل بقاع الأرض يقدمون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله ولكن أعداء الإسلام يحالون بينا وبين أن يأخذ هذا الصراع طابعه الديني من جانبنا لأنهم لا يخشون إلا الإسلام قال دافيد بن جوريون رئيس وزراء العدو الصهيوني: نحن لا نخشى الاشتراكيات ولا الثورات ولا الديمقراطيات في المنطقة نحن فقط نخشى الإسلام هذا المارد الذي نام طويلا وبدأ يتململ وقال أحد رجال الدين اليهودي في الكيان الصهيوني: أن الإسلام قوة سياسية واجتماعية قادرة على توحيد الجماهير ولاسيما في الضفة الغربية حيث يقوم علماء الدين المسلمون بمهمة توحيد الصفوف ضد اليهود وقال السفاح شارون: ما من قوة في العالم تضاهي الإسلام من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير فهو يشكل القوة الوحيدة للحركة الوطنية الإسلامية(3)

هذه قراءة موجزة في فكر كل يهودي هذا الفكر الذي لابد منه ولا محيص عنه ولا مفر منه، مهما اختلفت المسميات والأحزاب، حيث أنه أقرب إلى العقيدة الراسخة في الصدور والنفوس، التي تظهر آثارها في تصرفاتهم وسلوكياتهم، كما أنه من الثوابت الأساسية في نظام دولتهم، فلا نفرح بهذا ولانحزن بهذا ولا يملؤنا الأمل برضا هذا علينا وشموله لنا بعطفه ورحمته، وألا نجزع لصلف هذا وغروره وقسوته علينا وتهديده لنا فكلهم في كراهيتنا سواء ولنعد كل ما نستطيع من قوة لهم فلن يتحرر القدس من دنس اليهود ولن تعود للمسلمين عزتهم وكرامتهم إلا بالجهاد شئنا أم أبينا، وسيقاتل المسلمون اليهود آجلا أم عاجلا وسيكتب لهم النصر، فعن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول يا عبد الله هذا يهودي ورائي فاقتله ) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال عليه الصلاة والسلام ( تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله ) روى الشيخان والبخاري قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود ) تنبئنا هذا الأحاديث عن مقتله عظيمة تجري بين اليهود والمسلمين وسيكون النصر فيها للمسلمين والخذلان لليهود، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى إن تقوم الساعة ) فمعركتنا مع اليهود قديمة وستستمر إلى قيام الساعة بدأها نبينا صلى الله عليه وسلم وكان له فيها غزوات فقد حارب يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة وحارب في خيبر وعلينا أن نكمل المسيرة ونرفع راية الإسلام، ومهما أوتوا من قوة وعدة عتاد ومال وسلاح نووي، فقد أمرنا الإسلام بأعداد القوة كل أنواع القوة بالإضافة إلى أن شجاعة المسلم وشدة إيمانه بالله وحبه للاستشهاد في سبيل الله تؤهله لقتال العشرة من الكفار أو اثنين منهم في أقل الاحتمالات، بينما حبهم للدنيا وكراهيتهم للموت وإلقاء الله عز وجل الرعب في قلوبهم من أسباب نصرنا عليهم، ولا يتحقق لهم ولغيرهم  النصر علينا لشجاعة فيهم، بل بما كسبت أيدينا نحن هكذا علمنا الإسلام وهكذا قالت كتبهم المقدسة جاء في سفر التثنية إصحاح 9 ويقول الله: لأجل إثم هذه الشعوب يطردهم الرب من أمامك ليس لأجل برك وعدالة قلبك تتملك أرضهم بل لأجل إثم هؤلاء الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك.

وأخيرا فمع ظهور المكتشفات الأثرية سواء في مصر أو في كل من سوريا والعراق وفلسطين والأردن برزت حقائق تاريخية قلبت كل ما كتبه المؤرخون والباحثون حول جذور اليهود واليهودية رأسا علي عقب، فقد أثبت البحث العلمي أن أسفار العهد القديم التي يستندون إليها في حقوقهم الدينية ليست هي التوراة الأصلية، وإن هذه الأسفار التي  بين أيديهم هي من وضع حاخاماتهم ورؤسائهم بعد موسى عليه السلام بعدة قرون، فقد أثبتت هذه المكتشفات أن الكتاب الملقب بالتوراة إنما كتبه اليهود يوم أن كانوا رهن الأسر في بابل تحت ظروف الاحتلال الاخميني للأراضي العربية ذلك الاحتلال الذي أمد اليهود بكل الإمكانيات لاستخدامهم كوسيلة للقضاء على الحضارة العربية(4) مما لا يدفع عن هذه الأسفار تهمة التحريف والإضافة حسب أهوائهم ومخططاتهم.


المراجع

(1) مجلة الأزهر جمادى الأولى عام 1412هـ الموافق نوفمبر عام 1991م العدد الخامس السنة 64

(2) مجلة الشاهد العدد 57 مايو 1990م

(3) جريدة أخبار العالم الإسلامي العدد 1238 بتاريخ الاثنين 5 جماد الأول عام 1412هـ الموافق 11 نوفمبر عام 1991 م

(4) مجلة دنيا العرب العدد 65 أبريل عام 1990م رمضان عام 1410هـ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.