نور وعطاء:الجزء السادس من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
الجزء السادس من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل/ الأستاذ لحسن قراب
نور وعطاء
الجزء السادس من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
بقلم: الأستاذ لحسن قراب
تنامي المضمون والمكنون: الجزء الأول من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر:نور الدين متوكل
زيادة المبنى زيادة في المعنى: الجزء الثاني من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
شعرية الألوان:الجزء الثالث من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
من وصف الحال إلى استشراف المآل:الجزء الرابع من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
الجزء الخامس من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
لغة الضاد لغتي
نور وعطاء
عز وانتماء
من فيضها أغازل عشق الكلام
وأحتسي كأس الغرام.
عود على بدء: انطلقت القصيدة من اسم العلم (نور الدين متوكل) وها هي ترسو على نفس البطاقة مع نوع من النماء والارتقاء ،كما رست سفينة نوح على الجودي، بعدما غاض من الماء، وأعادت التشكيل الإنساني من جديد، وطمرت ما لا يصلح للترميم والتجديد، فالنور (نور وعطاء) على التفصيل التالي :
كلمة( نور) جاءت نكرة لتفيد العموم، وقبلها انحسرت الكلمة عند معطوفها الدين (نور الدين)، وقد رأينا سابقا أن النور يفيد الضياء كما يفيد اليناعة والنماء، وإذا كانت الانطلاقة من تفجير المياه والتبشير بالخضرة والرفاه، فإن الوعد الذي حمله اسم (متوكل) وهو أيضا إسم نكرة، يفيد عموم التوكل على الله في كل مجريات الأمور، نجد هذا الوعد /الاسم، يتحقق، (عطاء) ،ف(نور الدين متوكل) في المطلع تصبح (نور، وعطاء) :
نور الدين =نور متوكل _عطاء
والعطاء ينسجم مع النُور(عالم الضياء) والنَوَر (عالم الطبيعة) ولتبيين العلاقة بين الاثنين نسوق دلالة( العطاء).
فالعطاء لغة (يدل على اخذ ومناولة، لا يخرج الباب عنهما، فالعطو :التناول باليد، قال امرؤ القيس :
وتعطو برخص غير شتن كانه
اساريع ظبي أو مساويك إسحل) (1)
ومن هذا المفهوم اي العطاء الدال على الأخذ والمناولة باليد.نستنتج أن الإنسان كوعاء طيني يحتاج دوما لنبع الماء والحب والصفاء ليستكين ويطمئن ويلين، وقديما كان الاعتراف بالجميل يأتي بجملة (له يد بيضاء علي ) للدلالة على الأخذ الكثير الذي لايحصى، وقد احتال العرب على الشكر بالمديح، اعترافا بالعطاء بشكل صريح، ومنه قوله سبحانه وتعالى :(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (2) والشكر بالذكر.
وفي بيت امرئ القيس تشبيه بين المرأة الظبي (يصف المرأة انها تسوك، والظبي يعطو ،وذلك إذا رفع يديه متطاولا إلى الشجرة ليتناول الورق) مقاييس اللغة. (3) وهو بذلك يزيد في الامتداد ليعبر عن كثرة الأخذ، وعليه فالإنسان فُطر على السعي لتجنب الافتقار، وليس الجمود والانتظار.
الجميل في القصيدة انها تبدأ بالبشارة والتوكل والآمال العريضة في إسم العلم وفي المطلع، وتنتهي بتحقيق الأحلام (عطاء) وقد ارتبط الجذر بالمعطي سبحانه وتعالى وهو القائل :(إنا اعطيناك الكوثر) (4)لان الجذر (العين والعطاء والواو) يفيد المَنح، وارتباطه بالله يزيده كثرة خاصة مع استعمال نون العظمة. فأغلب ورود اللفظة في القرآن الكريم جاء مضافا لله سبحانه وتعالى. (عطاء غير محدود) (5) وبين المطلع(6) والمقطع (7)نجد الجسر اللفظي (من فيضها)،فالمطلع يفيض ليصبح نورا وعطاء، تضاف إلى العطاء صفة (العزة) التي تفيد (الحالة المانعة للإنسان من أن يُغلب(….) والعزيز الذي يَقهر ولا يُقهر (…) مصداقا لقوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (8)) (9)وإذا كان هذا العطاء والنور محصنا مانعا ممتنعا، فالانتماء إليه أجدر، والإحتماء به أصلح لان المعطي اقدر. والجذر اللغوي (نمي)… أي زاد وكثر) لسان العرب، وزعم الكسائي أن أبا زياد انشده:
يا حُبَّ لَيلَى لاتَغَيَّرْ وازددِ
وانْمُ كما ينمو الخضاب في اليد
قال ابن سيده :والرواية المشهورة :وانمِ كما ينمي) لسان العرب (10)
والانتماء انتساب يفيد النمو كما يفيد الكثرة في العدد، والتمدد في المكان والزمان، فالعروبة ليست فقط رقعة جغرافية تمتد من الخليج إلى المحيط بل هي كيان امتد في حيز مكاني من الخليج ليصل إلى المحيط، ويضيف ما وراء المحيط،وامتد زمانيا مع بعثة خير الخلق ليصل الغرب بالشرق، ولقد بين التاريخ حقيقة الانتماء من خلال تظاهرة رياضية في بقعة صغيرة من بقع العرب(قطر)، حج اليها الشرق والغرب، وهتف الجميع بلسان عربي بديع بما يجمعه وهو الصلاة على النبي الشفيع، وتلاشت الحدود وتصافحت الأيادي والخدود، وكانت الأخلاق العربية بشهادة الشهود،نموذجا للبر والإحسان جسدها السجود، للرب المعبود.
إن العربية لاتقف عند حدود النطق، بل تستوجب البلاغة في إيصال الحق، فقبل إخراج اللفظ، تعتمل في المتكلم أدوات عشق فيقدم ويؤخر حسب المكانة والمنزلة بكل صدق، لذلك حين أخطأ آدم عليه السلام بوازع من الشيطان تكفلت اللغة بترميم الخطأ المسبق ، وإظهار ما كان في نفس الشيطان أعمق، وهو النفاق وروم الشقاق، فكشفه الله عن طريق لغته التي فضحت اناه، وكسرت كبرياءه، فَضَلَّ وتاه.(إنا خير منه) (11)
وفي الختام نجد الكلام عن كأس الغرام، وهذا يذكرنا بقصيدة (نشيد الانتقام) لتابط شرا حيث يقول بعد أن أخذ بثار خاله(الشنفرى) :
حلت الخمر وكانت حراما
وبلأي ما اَحَلَّت تحِل
فاسقنيها ياسواد بن عمرو
إن خالي بعد خالي لخِلُّ(12)
والشاعر لِحِسّه الإسلامي يروغ عن المدام الحرام ويتغزل بسيدة الكلام، العربية التي دان لها الإنس والجان، ومن دخلها كان في امان، لقد سلبت عقول الأوائل ونُظِمت فيها النوازل، وحفظت كل المسائل، وكما حفظها القرآن حفظت علم الفطاحل، من شعر وتفسير وفقه وكل مايعترض السائل.
والمقطع الأخير جسد اعتزازا بهذه اللغة الشريفة، الثابتة القَدم، من عهد آدم، ولا غرو أن يتوسل الشاعر بالجمال الاسمية لتناسب الثبات:
نور وعطاء
عز وانتماء
من فيضها أغازل عشق الكلام.
ليعلن انتشاءه بلحظة العشق الأبدي، بالفعل (احتسي) للدلالة على مرونتها وليونتها ،فالاحتساء غير الاكل، لما يحتاجه هذا الأخير من مضغ ولوك وهضم صعب وليس بالسهل.
ولعل حرف السين في الفعل (احتسي)يعود بنا إلى لحظة الانطلاق قبل مرحلة الإغلاق حيث الهمس الذي يوحي به حرف السين في المطلع (يسري /يلبس)، يشي بنوع من إخفاء هذا العشق الدفين بلغة الضاد، لغة اليقين، حتى يوحي بأن ما خرج من فيه ليس إلا غيض من فيض، والأغْزرُ هو ما يليه.
ختاما، نُصرُّ على الدقة في اختيار الالفاظ، وتنضيذها بشكل جمالي يسلب الالحاظ، وهي دقة لمسناها في تراكم الكلمات لتوحي بالدقة وليس بالإنفلات، وانَّ تحت سطح المعجم، بحر خضم، من المعاني يعجز الذهن عن الإحاطة بها، لأنها عنوان الكرم وتبرئة الذمم، من بعض ما يشعر به الشاعر تجاه لغة هي سيدة العالم، وما دونها مجرد تحوير فرضته اللكنة لتناسب العجم، كبركان يقذف الحمم، فتصبح سوداء بعد احمرار فارق الرَّحِم.
إن الإنسان كائن معرف باللسان، وقيمته فيما ينطقه من اصناف البلاغة من البيان، ولذلك زعم الشيطان عند مقارنة نفسه بالإنسان انه اكثر منه فصاحة وبيانا (أنا خير من هذا الذي هو مهين، ولا يكاد يبين)(13) وعند الامتحان تبين أن الشيطان لم يأخذ بعين الاعتبار المناسبة والسياق والامتنان، فكان من نصيب آدم، الفصاحة والرجحان، بقوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (14)فجاءت الإجابة سريعة (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه)(15) لذلك فصاحة اللسان تثقل الميزان، وتؤتي أكلها رغم النقصان وما يعتري المرء من الخسران، فكلكم خطاؤون، وخير الخطائين التوابون، الذين بصدق الكلام،وصفاء الجَنان، يجنون قطاف الخير ومصيرهم الجِنان.
هوامش
1- ديوان امرئ القيس
2-سورة إبراهيم /34
3-مقاييس اللغة لابن فارس
4-سورة الكوثر /1
5-المطلع هو البيت الأول من القصيدة وقد يطلق على البيتين إذا كان هناك تضمين، اي إذا استمر المعنى في البيت الموالي
6- المقطع في عرف الشعراء يطلق أيضا على آخر بيت أو آخر سطر أو على الضميمة الأخيرة من القصيدة .
7-تراحع نظرية الفيض في الفكر الإسلامي عند المتكلمين وخاصة عند الفارابي، وإخوان الصفا.
8-المنافقون 8
9-لسان العرب /ابن منظور
10-نفسه
11-الاعراف 12/وسورة ص/76
12- ديوان تابط شرا، واختلف حول نسبة هذه القصيدة فمنهم من نسبها إليه ومنهم من دعاها للشنفرى، وآخرون زعموا انها من وضع خلف الأحمر.
والقصيدة كما يبدو جاهلية لان من أعراف عرب الجاهلية أن يتجنبوا النساء والخمر والطهارة حتى يأخذوا بثارهم.
13- الزخرف