منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العربية بين الحب والإهمال

ريان النجيب

0

العربية بين الحب والإهمال

الكاتب: ريان النجيب

 

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]

ليست اللغة العربية حروفا تُرَصُّ في الكتب، ولا أصواتا تتردد على الألسن، ولا تراثا يُعَلَّقُ في المتاحف الثقافية ثم يزار في المناسبات. إذ أن العربية روح أمة، ولسان حضارة، ووعاء رسالة خالدة، بها نزل كلام الله عز وجل، وبها خاطب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الناس، وبها اهتزت قلوب المؤمنين عبر القرون وهي تسمع نداء السماء.

وما أشد الغبن حين ترى قوما يحبون لغتهم في الخطب والشعارات، ثم يهملونها في واقعهم، حتى صارت العربية عند بعضهم لغة المناسبات، لا لغة الفكر والحياة.

إن أزمة العربية اليوم ليست أزمة لغة عاجزة، فالعربية التي وسعت كتاب الله، وحملت علوم الأوائل، وأنجبت الشعراء والحكماء والمفسرين، لا يمكن أن تكون فقيرة أو ميتة. إنما الأزمة في الإنسان الذي ضعفت صلته بلغته، فضعفت صلته بتاريخه وهويته، ثم ضاعت منه معاني الانتماء شيئا فشيئا.

وقد كان علماء الأمة يدركون أن اللغة ليست أمرا هامشيا، بل هي باب من أبواب حفظ الدين والعقل. يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “مَا جَهِلَ النَّاسُ وَلَا اخْتَلَفُوا إِلَّا لِتَرْكِهِمْ لِسَانَ الْعَرَبِ، وَمَيْلِهِمْ إِلَى لِسَانِ أَرِسْطَاطَالِيسَ” [وقد نقل هذا الكلام الإمام البيهقي في كتابه «مناقب الشافعي»].

وقد جاء في كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبو حامد الغزالي أن فساد الألفاظ يقود إلى اضطراب المعاني وضعف الفهم، لأن اللغة ليست مجرد أصوات، بل هي صورة الفكر في النفس. إذ أن العربية ليست مجرد اختيار ثقافي، بل إن لها صلة وثيقة بالدين نفسه.

● وكيف يفهم المؤمن كتاب الله حق الفهم إن كانت العربية غريبة عنه؟

● وكيف يتذوق حلاوة القرآن وهو لا يفقه أسرار البيان فيه؟

يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ۝ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ۝ [سورة الشعراء: 192-195]. ويقول جل علاه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [سورة الرعد: 38].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح الناس، وكان كلامه يدخل القلوب بلا استئذان، لأن اللغة حين تخرج صادقة من قلب حي تبلغ الأرواح قبل الآذان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِنَ البيانِ لَسِحرًا». [رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه]

لكننا اليوم أمام جيل يعيش مفارقة عجيبة؛ يحب العربية في القصائد، ويصفق للخطب الرنانة، ثم يستحيي أن يكتب بها كتابة سليمة، أو يتحدث بها حديثا فصيحا. جيل قد يحفظ أبيات المتنبي، لكنه يكتب جملة قصيرة مليئة بالكسور والاضطراب. ولسنا هنا ندعو إلى تكلف متصنع، ولا إلى حرب على اللهجات، فاللهجات جزء من الواقع الاجتماعي، وإنما ندعو إلى إعادة الاعتبار للغة القرآن، حتى لا تتحول العربية إلى زينة ثقافية فاقدة للحياة.

لقد غزت العولمة العقول قبل الأسواق، وصار كثير من الناس يظنون أن التقدم لا يكون إلا بالتنكر للذات، وأن اللغة الأجنبية عنوان للرقي ولو كان صاحبها فارغ الفكر ضعيف الثقافة. وهنا تقع الهزيمة النفسية الخطيرة؛ يوم يشعر الإنسان أن لغته عبء عليه لا شرف له.

وما أحوج الأمة اليوم إلى نهضة تربوية تعيد للعربية مكانتها في القلوب قبل المدارس. فاللغة لا تحيى بالقوانين وحدها، وإنما تحيى حين يشعر الناس أنها جزء من كرامتهم ورسالتهم. وإن الأمة التي تهجر لغتها توشك أن تهجر ذاكرتها، ثم تفقد قدرتها على إنتاج فكر مستقل.
وقد قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه «المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا»: “فاللغة العربية، تلك الصافية المتينة لا لغة الجرائد، هي الآلة والوسيلة لفهم ما أنزل علينا بلسان عربي مبين.”

وقال رحمه الله أيضا في كتابه «الإسلام غدا»: “إن اللغة العربية لغة الإسلام المنبعث، وإنها لأجمل اللغات وأقواها، وإنها للغة الوحيدة الخالدة، ولن ينال منها أعداؤها من القوميين العرب، فهي محفوظة بحفظ الذكر.”

وقد كان الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله يؤكد في مشروعه التربوي والفكري أن بناء الإنسان المسلم لا ينفصل عن بناء وعيه وثقافته، وأن الأمة لا تقوم إلا إذا استعادت شخصيتها الحضارية كاملة، لغة وفكرا وسلوكا. وكان ينبه إلى أن التبعية الفكرية أخطر من التبعية الاقتصادية، لأنها تستعمر العقل من الداخل.
إن العربية ليست حنينا إلى الماضي، بل جسر إلى المستقبل. وليست خصما للغات الأخرى، فالمؤمن الحكيم يتعلم ما استطاع من اللغات، لكنه لا يذوب فيها حتى يفقد نفسه. نتعلم اللغات لنفتح النوافذ على العالم، لا لنغلق أبوابنا على هويتنا.

ثم إن اللغة ليست نحوا وصرفا فقط، بل أخلاق أيضا، فحين تسمو اللغة يسمو الذوق، ويتهذب الحوار، وتصبح الكلمات جسورا لا خناجر. أما حين تنحدر اللغة إلى السباب والابتذال والتفاهة، فإن ذلك يعكس انحدارا أعمق في الروح والقيم.

إن معركة العربية اليوم ليست معركة حروف، بل معركة معنى وهوية، ومن أحب القرآن حقا، أحب اللغة التي نزل بها القرآن. ومن أراد أن يخدم هذه الأمة، فليخدم لسانها، لأن الكلمات قد تصنع أمة، وقد تهدمها أيضا.

فلنعد إلى العربية لا تعصبا، بل وفاء لرسالة عظيمة، ولنرب أبناءنا على حبها، ولنكتب بها، ونقرأ بها، ونتذوق جمالها، حتى تعود لغة للحياة لا مجرد مادة دراسية ثقيلة.
قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه: 111]. والعلم يبدأ بكلمة، والكلمة تبدأ بلغة، واللغة روح أمة إن ماتت في القلوب مات معها كثير من المعاني الجميلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.