منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التميُّز اللُّغوي: (الكلمات الملغومة والعبارات المَركُومة)

سعد أفوغال

0

التميُّز اللُّغوي:

 (الكلمات الملغومة والعبارات المَركُومة)

سعد أفوغال

باحث في قضايا الفكر الإسلامي

“فعلى أيدينا تنتحر لغتنا، وعلى عتباتها ننتحر نحن بأنفسنا؛ انتحارها وانتحارنا كلاهما سيكون ناتجا اضطراريا بحسب ما نفعله بأيدينا، فأهل القرار قد سمحوا للمسألة اللغوية أن تخرج عن نطاق السيطرة، فضاعوا وأضاعوا”. العرب والانتحار اللغوي، عبد السلام المسدّي، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الاولى، بيروت، سنة 2011م، ص160-161.

“إن اللغة العربية لغة الإسلام المنبعث، وإنها لأجمل اللغات وأقواها، وإنها للغة الوحيدة الخالدة، ولن ينال منها أعداؤها من القوميين العرب، فهي محفوظة بحفظ الذكر. وإنك لترى فتنتهم في أنفسهم، يفتضح انقسامهم الجوهري بتنافر مصطلحاتهم وإخفاق محاولاتهم لإحياء اللغة في مجال العلم. ويوم يكون للمسلمين عمل إسلامي تتجند قرائح مؤمنة مزودة بفكر مؤمن حر مستظل بتقوى الله وبهدي كتاب الله، وستفصح اللغة القرآنية عن وحدة القلوب ووحدة الفكر والعمل بوحدة اللغة. وإن كانت تبدو لنا عقبات أمام توحيد اللغة بين كل المسلمين، فإنما الإيمان اقتحام للعقبة وما للمسلمين لغة إلا لغة القرآن، وإنهم لأغراب في لهجاتهم كغربتهم المفروضة عليهم في القوميات الجاهلية”. ( عبد السلام ياسين ).

   اللغة ليست مجرد تراكم للألفاظ، بل هي بنية محكومة بقوانين داخلية، وكل ما يخرج عن هذه القوانين دون تعليل يسقط في فخ اللَّحن أو الخطأ.

   ويُعدُّ نسق اللسان المُعتمد مرجعية عُليا في الكتابة والتعبير، وأي استعمال فيه لابد له من الإخضاع إلى ما يوافق “المعرفة المبنية علميًّا”، أو “الفكر المُعلَّلة منطقيًّا”[1]؛ وذلك تجنُّبًا للفوضى اللغوية، وحمايةً لهُوية اللسان من التحلُّل تحت ضغط الاستعمالات العامية[2] أو “الترجمات المُرجمة”.[3]

ولعلَّ آفة “استعلاء العبارة” أو “التميُّز اللُّغوي” من أكبر الآفات التي صارت تغزو الفضاء العام والخاص كليهما، على شاكلة “كلمات ملغومة وعبارات مَركُومة”، تفضح ولع المغلوب بالاقتداء بالغالب كما عبَّر ابن خلدون.

ولرصد ذلك لا يعجز المرء عن العثور على شواهد كافية تدل على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ”الأصالة المصطنعة” التي يعاني منها مستخدمو اللغة العربية؛ إذ يكفي تأمُّل لغة النشر في وسائل التواصل الاجتماعي والمجلات والصحف والكتب، سنجد فيضًا متدفِّقًا من الانتهاكات التي تطال سلامة اللسان العربي، وإحلالًا لسيادة “اللغات الغالبة” محل سيادة “النسق العربي”، وهو ما يؤدي إلى ظاهرة الرطانة بلسان عربي، وارتكاب جنايات من قبيل :

  • جناية الأساس الصوتي بحفظ الرطانة الأعجمية: فاللسان العربي يمتلك طبيعةً اشتقاقيةً وجَرسًا معيَّنًا. وعندما يُجبَر على احتضان ألفاظٍ تُبقي على غُربتها الصوتية، فإنه يتحول إلى مجرد وعاءٍ فارغ. يكفي الإشارة هنا الى عبارات من قبيل: (إيديولوجيا، أيديولوجيا، پراديغم، إثيقا، الديمقراطية، استراتيجية، أنموذَج، فينومينولوجيا، أركيولوجيا…)، وكلها كلمات رنّانة ومُفَخّمة مرتبطة بالألسن الأجنبية أو الفارسية، وأصحابها يتكلفون استعمالها كتميز لغوي “ووقوعا منهم تحت وطأةِ التضليل بمُمارسة خطاب اللغوى[4] كخطاب قائم على الباطل من الفِكر والكلام”[5].
  • جناية التعنيف التركيبي: أي الرغبة في أن يُسوَّى اللسان العربي وفقًا للألسن الأجنبية، مع العلم أن لكل لسان منطقه في بناء الجملة. فإذا كان المنطق العربي يقوم على التعدية واللزوم والتقديم والتأخير لغاية بيانية، فإن “التعنيف” الممارَس على اللسان العربي يحاول تحويله إلى لغة خطية جامدة تتبع حذافير التركيب الهندسي للألسن الأخرى. وهو ما يُنبئ بهزيمة اللسان العربي والانصياع وفقًا لنِحلة الغالب، حيث يظن الكاتب أو المترجم أن التجديد[6] لا يكون إلا بمحاكاة شكل القول عند الآخر.

  وعليه، “ينبغي أن يُعلَمَ أن من يَنْبري للكتابة بالعربية ابتكارا مجددا ونُبوغا مبرِّزا مُطَالب بأن يَبلغ الغاية في إجادة اللسان العربي وأن يجتهد وُسْعه في الإنشاء به نَظما مُتَّسقا وبناء محكما بعيدا عن الشائع من ضروب الاستسهال والاستعجال التي تَجعل المُنْبَتِّين من مستعمليه يُخِلون بكثير من الشروط المُقوّمة للتعبير به تصريفا وتركيبا وتدليلا”[7].

  ثم إن التحري التام والمُساءلة لكل «أدعياء التجديد المتحادِث» لهو كسر لصنمية الشائع، حيث يتواطأ “الوعي الجمعي” على قبول فكرة ما أو مصطلح ما لمجرد كثرة تردده، أو  إعطائه لبوس “البداهة”، وبالتالي يحصل التساهل مع هذا اللسان المبين.

  إن القول في جوهره ليس مجرد وعاء ناقل للفكر، بل هو الفكر في حالة تجسُّد، حيث يرتقي النَّظم من آليته النحوية ليصبح عملًا وجوديًّا يصهر اللسان بالعقل في بوتقة واحدة، وهذا يقتضي استبدال “الرصف اللغوي” المعتمد على التلفيق والرطانة العجماء، “بنَظمٍ مقصود”[8]، يربّي الألفاظ ويحقّقها لتخدم المعنى، لا لتحجبه.

  وبناءً عليه، يصبح التفكير إنشاءً مُجهِدًا يرفض الاستسلام لبهارج التنميق، ويقوم على تنسيق علاقات ضرورية ومُعلَّلة بين الكلمات لإنتاج بناءٍ فكري متماسك.

  وبما أن الواقع نتاجُ سعيٍ لغوي وليس جاهزًا، فإن جودة إدراكنا له ترتهن بجودة قولنا؛ إذ لا يستقيم بلوغ أنفع المطالب إلا بأشرف الوسائل. وأي فساد في الوسيلة اللغوية هو بالضرورة تزييفٌ للواقع المُدرَك[9].


[1] الفِكَر؛ جملة من «الفكر» أو كيفية في إنتاج «الفِكَر»، والمقابل الأجنبي لها هو: Thinkinge. أما الفكرة تحدد بأنها الصورة الذهنية المجرّدة عن شيء أو علاقة بين أشياء واقعية أو ممكنة. ومقابلها الأجنبي: idea.

[2] عامية في مقابل: colloquial, s’alng.

[3] اخترنا عبارة «الترجمات المُـرَجّمة» بدل العبارة الشائعة: «الترجمة خيانة»، اعتمادا على العبارة الإيطالية الأصل: «تْرادُوطُّوري» و «تْرادِطُّـوري» التي يظهر فيها جناس بين اللفظين. وعليه حفظا للجناس الموجود كان الأصل أن يُقال: «المترجم مرجم» بدل «الترجمة خيانة». راجع: بعيدا عن العلمانية والإسلامانية، روح الإسلام ومقتضيات الدولة الراشدة، عبد الجليل الگور، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، الطبعة الأولى، بيروت، سنة2017م، ص40، هامش 18.

[4] اللغوى في مقابل: la logologie, كلمات إلى جانب كلمات دون إفادة تُذكر.

[5]يراجع  : تساؤلات التفلسف وتضليلات اللغوى، عبد الجليل الگور، عالم الكتب الحديث، إربد، الطبعة الاولى، سنة2013م، ص21.

[6] في مقابل: innovation.

[7] المرجع السابق، ص63.

[8] يراجع: اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، طه عبد الرحمن، المركز الثقافي، بيروت/الدار البيضاء، الطبعة الاولى، سنة 1998م، ص13، ص213.

[9] فليست سلامة اللسان، ترفاً أدبياً أو تنطعاً لغوياً، بل هي أمانة فكرية وضرورة وجودية؛ إذ لا ينعقد عزمٌ على التغيير في العالَم ما لم يسبقه عزمٌ على تحرير اللسان من رِقِّ التبعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.