منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زيادة المبنى زيادة في المعنى: الجزء الثاني من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل

الجزء الثاني من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل/ دراسة الاستاذ: لحسن قراب

0

زيادة المبنى زيادة في المعنى

الجزء الثاني من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعرنور الدين متوكل

دراسة الاستاذ: لحسن قراب

 

الجزء الأول من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر :نور الدين متوكل

لغة الضاد لغتي
ينبوع ماء متدفق يجري
بين حقول البوح يسري
يُلبس الثرى قميصا اخضر
يطرد الظمأ، والشؤم، والخطر.

يُفتح الصمت، ويُشرع الكلام، ويُطرد الفراغ بجملة (لغة الضاد)، لغة الأسياد، وإرث الأجداد، التي تطلق من شاهد كله حياد، يقدم المشهد قبل الوصف، والعنوان هو نفسه المطلع قبل الرصف، وبين هذه الجملة وكلمة (لغتي) خرق لأفق انتظار المتلقي الذي ترد عليه جملة من التساؤلات عن هذه البطاقة بالذات، (لغة الضاد)، فيطلق العنان للحسبان والظن والتخيل والاحتمال عن مواصفات هذه اللغة، ولكن الشاعر يخرق الافق بنسبة هذه اللغة إليه، فاللغة تصبح لغتي وتمتد افقيا مثلما امتدت لغة الضاد عبر العصور، فجمعت معاجم القبائل، وعرَّبت ألسِنة الجحافل، وكتب بها الموالي ممن كان تحت حكم القياصرة والهراقل، فتفننوا فيها في الدواوين والمحافل، وهي لغة تشبه كرة الثلج كلما مر الزمان،ازدانت منها الأفنان، وكثرت الفاظها وسلبت الأعيان ، واحتضنت غيرها مهما تنوع اللسان، وخير دليل، معاجم اللغة منذ الخليل (ابن أحمد الفراهيدي /معجم العين).

لذلك حسب عرف النحاة (فزيادة المبنى زيادة في المعنى)، فهي لغة كالأم الرؤوم تجمع الالفاظ من الفرس والروم، وتخضعها لصيغها لتستقيم مع اللسان العربي المبين، وفي هذا يقول الشاعر حافظ ابراهبم عنها، وعن سعتها ورحابة صدرها :

وسعتُ كتاب الله لفظا وغاية
وما ضقت عن آيٍ به وعظات
أنا البحر في احشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

والشاعر يأتي بتشييه بليغ يماهي بين لغة الضاد والماء، ورغم أنه يستمر في وصف الماء وآثاره فهو يحيل على اللغة.
لغة الضاد لغتي
ينبوع ماء متدفق يجري

و(الينبوع ) ورد في القرآن مرتين :مرة مفردا في قوله تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تُخرج لنا من الأرض ينبوعا) (1)

ومرة بالجمع في قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فسلكه ينابيع في الأرض، ثم يُخرج به زرعا مختلفا ألوانه، ثم يهيج فتراه مُصفرا، ثم يجعله حُطاما)(2)

والينبوع أصله اللغوي من:نب، والنبو الارتفاع والابتعاد (3)، ومنه النبوة وهي الإشراف والارتفاع من الأرض(4)، ومنه أيضا (النبأ) وهو الخبر الذي يضاف إلى المعرفة، ومنه (النبي) وهو الذي يرتفع مكانة وخلقا وعلما عن الناس، والينبوع: (الجدول الكثير الماء، او هو الماء الذي ينبع) (5)اي يخرج من الأرض ثم ينتشر، وهذا الوصف الذي ينطبق على الماء المتفجر، ينطبق أيضا على لغة الضاد، فهي من حيث المنشأ أو النبع، انطلقت من الجزيرة العربية، ولكنها تفجرت جداول في الأمم المجاورة ثم البعيدة بفضل الإسلام، لذلك تماهت مع الإسلام وكانت لسانه الناطق وشرحه الصادق ونوره الواثق.

إن سعة الانتشار دلت عليها الصفة (متدفق) لان الصفة تكتسي صبغة الاستمرارية في الزمان، ويؤكد الفعل المضارع هذه الحركية بركام معنوي يزيد سرعة التدفق (يجري)، بيد أنه يحصر حركته داخل الحقول فلا ينتشر في الصحاري القُحول، ولا الأرض اليباب المُحُول، لأن الحقل يفيد استثمار البذور وانتظار المحصول، فهو ماء موجه للفائدة وكذلك اللغة فهي كلام مفيد، (كلامنا لفظ مفيد) كما جاء في ألفية ابن مالك.

وتأتي كلمة (حقول)باعتبارها مشتركا لفظيا بين البذور والأقوال، فهي حقول للكلام، كلام يتصف بالإسرار وليس بالإعلان (حقول البوح) ، يعضد المعنى الفعل (يسري) الذي خصته اللغة للمشي ليلا، فينضاف التدفق إلى الجريان ثم السريان، فإلباس الثرى نوعا من الخضرة، في سرعة عبر عنها، اختفاء الروابط بالمرَّة: (متدفق يجري يسري يلبس، يطرد) فالافعال متدافعة متنامية تقلص الزمان الى التو والآن،

وفِعال الماء في الثرى من الكرم والقرى بحيث تتغير السرابل، وتتقلص المراحل، وتخضر السنابل، في السطرين :

(بين حقول البوح يسري
يلبس الثرى قميصا أخضر)

سرعان ما يثمران وينتجان السطر الموالي(السطر الخامس:يطرد الظمأوالشؤم والخطر) فعل واحد (يطرد) يجُبُّ ثلاثة مصادر (الظمأوالشؤم والخطر) في نوع من التوازي اللفظي والمعنوي بين الظمإ ونبع الماء،وبين الشؤم والبوح الشبيه بالحلم(يسري)، بين الخطر والعشب الأخضر، فالماء بقدر ما يحيي يميت، فهو يحيي الحقل لكنه يطرد المحل، ويزيح الشؤم ويفرح القوم، وبما أن الخطر خاطرة تصيب النفس قبل الوقوع،وتنسف الطاقة قبل الشروع، فقد جعل كلمة (الشؤم) مجاورة للخطر باعتبارها خاطرة وقاطرة له.

لقد إِلتفَّتِ اللغة بالماء في هذا المقطع الصغير، الذي ليس له نظير،فإذا نظرت للماء وجدت أن الله سبحانه وتعالى (يُنزل من السماء ماء، فيحيي به الأرض بعد موتها)(6) وان القراءة والكتابة وكلاهما وجهي اللغة، تحييان النفوس وترفعان الرؤوس وتفعلان في المرء ماتفعله في الأرض الفؤوس، لقد قال الله في محكم كتابه (ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال)الرعد(7)(عن مقارها وزعزعت عن مضاجعها) (8)(أو قطعت به الأرض)الرعد (9) حتى تتصدع وتزايل قِطعاً، أو شُققت فجعلت انهارا وعيونا (10)، ( أو كُلِّم به الموتى)(الرعد(11) (فتسمع وتجيب)(12)، وإن تعجب، فعجب من لغة الضاد، إذا خلت من نفس تساقطت مثل تساقط أوراق الخريف لأنها بكل بساطة وعاء لكتاب يعجز الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وهي كما عبر امرؤ القيس :

فلو انها نفس تموت جميعةً
ولكنها نفس تساقط أنفسا.

خلاصة القول إن الشاعر تعمد المزج بين عاملين من عوامل الحياة، يفترقان في المصدر ويلتقيان في المورد، هما الماء السلسبيل. ولغة الضاد، فكلاهما يشفي العليل، سواء أكانت العلة مادية ام روحية، وكلاهما يغير نظرة الإنسان إلى الوجود، ويعيدان الحياة لما كان في حكم المفقود، وان الفراغ الذي يجعل قفا العالم كوجهه بتعبير أدونيس حين تحدث عن الجزيرة العربية،(12) يصبح منارة تهتدي بها السابلة، وترتفع النفوس الآيسة، وتعيش اللحظة كأنها المُدَّة


الهوامش:
1-الاسراء /90
2-الزمر /21
3_4_5- جامع البيان للإيجي
6-الروم 24
7-9_11- الرعد
8_10- جامع البيان للإيجي
12- مقدمة للشعر العربي /أدونيس.

المحمدية في 22دسمبر 2022
يتبع بإذن الله تعالى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.